من إرث المفكر العربي الراحل أحمد حسين: معادلة فلسطينية

من إرث المفكر العربي الراحل أحمد حسين:

 

معادلة فلسطينية

أحمد حسين

 

“كنعان”

 

تعيد “كنعان” نشر ما كتبه المفكر العربي الراحل أحمد حسين في صحيفة “الاتحاد” الصادرة في فلسطين المحتلة بتاريخ 12/5/1993، اي بضعة أشهر قبل توقيع اتفاقية أوسلو بين م.ت.ف والكيان الصهيوني.

■ ■ ■

معادلة فلسطينية

أحمد حسين

 

ما الذي يستطيع الفلسطينيون فعله عند فشل “محادثات السلام”؟

 

الإجابة عن هذا السؤال تكاد تكون مستعصية، إذ يمكن القول ببداهة أن النضال الفلسطيني سوف يستمر ويتخذ أشكالاً أكثر حدّة وتنوعاً. وهذا الأمر يعني المزيد من التضحيات والمزيد من الاستهلاك للطاقات البشرية والمادية المحدودة لهذا الشعب، وعلى الأغلب بدون نتائج سريعة في هذه الظروف.

إن الركائز الماديّة والمعنوية لنضال الشعب الفلسطيني عربياً وعالمياً لم تعد حتى شبيهة بما كانت عليه قبل انهيار معاقل التحرر العالمية، وتنازل الأنظمة العربية المعلَن والاجماعيّ عن آخر الطقوس والشعائر والشعارات القومية المعتادة، واستبدالها بتحالف أو تفاهم منطقي تحت الراية الأمريكية، تسيطر عليه نزعة الارتزاق والانزلاق وأحلام عجائز البرجوازية الرثة حول الازدهار الاقتصادي القادم.

وفي ظرف كهذا فإن نطاقاً من العزلة، تم الإعداد له إعداداً محكماً، قد يقف حائلاً بين الشعب الفلسطيني وبين مواصلة نضاله الوطني بوتائر مؤثّرة.

الإجابة الثانية المحتملة هي أن المشروع الأمريكي الصهيوني المسمى “محادثات السلام” هو مشروع محقَّق النجاح. فهو إملاء من جانب واحد، لا يشارك الآخرون، أي الجانب العربي والفلسطيني، في صياغته إلا بما يخصّ أدوارهم المقبلة في التنفيذ، والظهور بمظهر الشريك الفعلي في “المفاوضات” لضمان الحيثيات المحلية للأنظمة، واستنبات فسائل عائلية مؤصَّلة داخل الوفد الفلسطيني في تربة “المفاوضات” تناسب كهنوت الحكم الذاتي وما بعد الذاتي في الكانتون الفلسطيني المقبل. ويدعم هذا الرأي مجموعة الظروف الموضوعية التي تحيط “بالمحادثات”، والتي لا يمكن أن تستدعي منطقياً أي وضع مخالف لهذا التصوّر.

لا يوجد وضع دولي أو منطقي يستدعي من أمريكا وحليفتها الصهيونية، أو من إسرائيل، أية مبادرة للتنازل، ولو شكلياً، عن أي جزء من مخططاتها في المنطقة. وقد تختلف صيغ المعادلات المعدّة لتنفيذ هذه المخططات اختلافاً طفيفاً بين الحين والآخر، ولكن الهدف يبقى واحداً، وهو استقرار الأوضاع في المنطقة بشكل يتيح البدء بوضع المخطط الاقتصادي الأمريكي الصهيوني موضع التنفيذ السهل، ليس بما يخصّ المنطقة فحسب، وإنما إفريقيا بشكل خاص وأجزاء أخرى من العالم الثالث. وأمريكا وإسرائيل –الحليفتان الاستراتيجيتان- متفقتان تماماً، أن استقراراً كهذا لا يمكن الوصول إليه بدون تصفية “المشكلة” الفلسطينية.

ويبدو أن أمريكا لا ترى بأساً في منح الفلسطينيين ملكوتهم الميت تحت إشراف إسرائيلي – هاشميّ مباشر، وبإدارة كهنوتية مستوحاة من التراث الديني والاجتماعي الذي كان سائداً قبل سنة 48 لدى الفلسطينيين، وتوظيفهم المباشر أو غير المباشر بواسطة “الدولة الديمقراطية الصاعدة” في الأردن، في المخطط العام.

ولكن إسرائيل ترى –لأسبابها الخاصة – أن أي شكل من أشكال الوجود الوطني للفلسطينيين يشكل كارثة مؤجلة على المخطط بأكمله. وهي لا ترى بديلاً، لحل مشكلة الفلسطينيين، سوى التحايل الديمغرافي لتعميق الشتات الفعلي والمعنوي للفلسطينيين، وتصفية مخيمات اللاجئين بشكل أساسي. ويبدو، أيضاً، أن حكومة رابين “الملكية” قد توصلت مع أمريكا إلى صيغة مشتركة تمزج بين الرؤيتين.

وتعتمد أمريكا الصهيونية وإسرائيل الآن بهذا الشأن – أي تصفية المشكلة الفلسطينية- على عدة وسائل مؤثرة، أهمها ذلك الإنهاك المتعمَّد للفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم من خلال العنف والجريمة العسكرية والسياسية على مدى سنوات عديدة، ولكن هذه الوسيلة لم تكن إجراءً نهائياً بقدر ما كانت توطئة للضغوطات اللاحقة التي نجحت في توظيفها كلياً أو جزئياً لاستكمال المهمّة.

وأهم هذه الضغوطات هي الضغط العربي، فالمندوب الأمريكي المقيم في الشرق الأوسط، السيد حسني مبارك، قد نجح نجاحاً منقطع النظير في تجنيد الجامعة العربية بكافة أعضائها المؤثرين، للقيام بهذه المهمة. فمصر كما توحي الإشارات الأمريكية الغامضة لطبقة الباشوات العائدة إلى الحكم، ستكون الشريك الثالث مع أمريكا وإسرائيل في القمّة الإدارية “لجنّة الشرق الأوسط” التي يتحدث عنها بيرس، صاحب فكرة الكانتونات، أو المروِّج الرئيسي لها على الأقل.

أما سوريا بعد أن طالت نظريتها المستطيلة في التوازن الاستراتيجي، أكثر مما يقبله حتى الوعي المتدني للشارع السوري، وبعد أن قامت بنفسها في تصفية أهمّ دعامة للتوازن مع إسرائيل بعدائها طويل الأمد للعراق، ثم المشاركة في ضربه في النهاية. فإن المخرج الوحيد أمام الأسد الآن هو في استعادة الجولان، مقابل القيام بالدور الرئيسي في الضغط على الفلسطينيين.

ويتم تحويل الأردن الآن إلى جنّة للديمقراطية والعلم والثقافة بسرعة كبيرة. ويمكن الاعتقاد ببعض حسن النية أن ذلك يتم في إطار التوازن السلمي مع التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، ومع بعض سوء النية يمكن الاعتقاد أن هناك نيّة مدروسة لمنح التكنولوجيا الإسرائيلية عمقاً وظيفياً من الدرجة الثانية كجزء من المخطط الاقتصادي الأمريكي العام من ناحية، ومنْح الأردن قدرة اقتصادية لاستيعاب الفلسطينيين من ناحية أخرى بالاعتماد على الإغراءات التي يقدمها لهم المشروع في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

والملفت للنظر أن هذا التسارع في “تحضير” الأردن يتزامن مع تعميق نظرية الحكم الالهي، أو النبوي إذا شئنا، وإضفاء قدسية الشهادة على أحياء وأموات البيت الهاشمي – بمن فيهم الملك عبد الله- ومع تخفيض المساعدات المقدمة من وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين في الأردن، والحصار الطروادي في فلسطين “الوسطى”.

وفي النهاية فإن الفلسطينيين لن يحصلوا على شيء سوى ما تريده أمريكا وإسرائيل. وفي حالة الرفض فسوف يجدون أنفسهم في عزلة دولية وعربية تامّة، تجعل مواصلة النضال أمراً في غاية الصعوبة. وما عليهم الآن سوى الاكتفاء بما يقدّم لهم والموافقة على التصفية التاريخية لقضيتهم، أو اختيار محنة الرفض، ومواصلة إمكانات النضال المحدودة، مراهنةً على مستجدات عربية وعالمية لا بد أن تحدث. نعم، لا بد أن تحدث!

إنّ مهمّة أمريكا في إقامة نظامها العالمي الخاص لن تكون  مهمة سهلة. والتجربة التي مرّت بها حركة التحرر العالمي أخيراً ليست تجربة مميتة كما يعتقد البعض. وإحساسي هو أن شعوب العالم لم تشعر بمدى أهمية الشيوعية في مواصلة مسيرتها الإنسانية المدعمة بالهدف، وحتى في إمكانية مواصلة العيش في عالم ذي آفاق إنسانية يعتبر البشر قيماً إنتاجية حضارية، وليس مجرّد قيم إنتاجية قابلة للاستغلال، كما تشعر به اليوم. أقول هذا لأنني عاجز عن استيعاب الشكل الأممي للعبودية الذي تقترحه أمريكا. فالبحر أكبر من جميع السفن، والسفينة التي تريد احتواء البحر ليس أمامها سوى أن تغرق فيه. والبحر دائم الموج ولا أريد الاعتذار أبداً عن هذه القصيدة.

:::::

المصدر: “الاتحاد” 12/5/1993

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.