من إرث المفكر العربي الراحل أحمد حسين: كلام اليوم وكلام البارحة

من إرث المفكر العربي الراحل أحمد حسين:

كلام اليوم وكلام البارحة

أحمد حسين

“كنعان”

تخليداً لإرث المفكر العروبي الراحل أحمد حسين، تعيد “كنعان” نشر بعض مقالاته الهامة.

 

■ ■ ■

 

 

كلام اليوم وكلام البارحة

أحمد حسين

 

أمريكا أعطت الدرس الأخير قبل الامتحان الصعب، وليس للعرب وحدهم، وإنما للعالم كلّه. وقد تضمّن هذا الدرس بياناً أمريكياً واضحاً إلى العالم بحتمية الإقرار بأحقية أمريكا في مَلء كلّ الفراغات التي نشأت عن انهيار النظام العالمي السابق. وهذه الأحقية تقوم على أهلية عسكرية وتكنولوجية واضحة، نجحت أمريكا في ترجمتها إلى سيطرة سياسية ودور قيادي على مستوى العالم.

وحالياً لا يوجد على الساحة الدولية، ما يشير إلى عدم الانصياع المطلق للمطلب الأمريكي. وقد تحوّلت الأمم المتحدة الآن إلى ما يشبه حكومة عالمية برئاسة أمريكية مطلقة الصلاحيات.ومع أن أوروبا ما تزال تراوح في مكانها بين الانصياع التام والتذمر الضعيف، إلا أنه يبدو أن الانخراط في النظام العالمي الجديد، لم يعد موضع جدل بالنسبة لها. ويمكن تلخيص ذلك كلّه في أنه قد تم تنصيب أمريكا إمبراطوراً على العالم، وأن هذا العالم قد بدأ عصراً أقلّ ما يقال فيه أنه جديد.

هذا الكلام بسيط وسطحي من قبيل ترجمة الوقائع اليومية إلى كلام. وأهم ميزات الحقيقة أنها دائماً بسيطة وسطحية لأنها ليست خياراً فلسفياً. ولا نستطيع  حتى لو أردنا ان ننكر أن أمريكا قد تجاوزت حدود الابتذال في كل ما تقول وتفعل، وأن دول العالم الأخرى عدا العرب – لأنهم ليسوا دولاً ولا يملكون حق التوقيع – غارقة حتى أذنيها في التوقيع على القرارات الأمريكية.

وإذا اتفقنا أن تحولاً سياسياً غير عادي قد حدث على ساحة التاريخ، فإن هذا يقتضي منا تحولاً مقابلاً فيما نكتب، يأخذ بنظر الاعتبار أن توهّمات الأمس القريب لم تعد تصلح للتعاطي السياسي. فالتحوّل المذكور لم يتضمن تغييراً في العلاقات السياسية السائدة فقط، وإنما تضمّن أيضاً الكشف المتعمَّد عن هوية كثير من الأوضاع السياسية المتخفِّية، وبالأساس عن عُقم الكيان العربي وعجزه عن استيعاب لعبة المعاصَرة، وعن هُوية المزاج الحضاري للغرب في تناوله للعرب.

لقد اعتدنا نحن من جانبنا على تناول الغرب من خلال الصورة السياسية العادية التي كان يعكسها تضارب مصالحنا السياسية وتطلعاتنا القومية مع تصرفاته السياسية. واعتقدنا أن المصلحة بشكلها المجرد هي المكوّن الوحيد للعلاقة، دون أن ننتبه إلى أن المصالح المجردة لا تقف عارية على مسرح السياسة، وأنها تخلق دائماً مزاجها الحضاري الذي تختفي وراءه. وبعد ما حصل ويحصل الآن في العراق وفلسطين والعام العربي عامة، لم يعد في استطاعة أحد أن يدّعي أن أمريكا والغرب عموماً، تبذل أدنى جهد لإخفاء موقفها الحضاري الخاص من العرب. وما يجب الآن أن يشغلنا كعرب، على ضوء الامتهان الغربي المتعمَّد لإنسانيتنا، ليس النظام العالمي الجديد، بل هو الأساس الذي سيجري التعامل معنا من خلاله بعد الاجتياح الأمريكي الأخير. هل سيكون أساساً عادياً، بحيث يجري تصنيف موقعنا على خارطة التبعية الأمريكية بدون أية مزاجيات هامشية عرقية أو ذوقية، مهما كان هذا التصنيف متدنياً، أم سيستمر التعامل معنا على الأساس الحالي، القائم على المزاج الكافكاتي للغرب تجاهنا، بحيث نظلّ بشكل ما على هامش المصطلح الحضاري في التعامل، ومرتعاً لسوداوية الفرد الأمريكي والأوروبي الناجمة عن الانخذال المستمر لحضارته، مرة أمام الكنيسة، ومرة أمام النازية، وأخيراً أمام همجية الاقتصاد والتكنولوجيا الرأسمالية؟

قد يجد البعض مبالغة في هذا الكلام، لأنه فاته أن يسمع دوغلاس هيرد يقول في الأردن لبعض الصحفيين: كم أنتم غريبون وخياليون – أي العرب- أحياناً! ألم تفهموا بعد أننا لا نستطيع تبنّي مسألة المساواة بينكم وبين الآخرين، لأن ذلك ببساطة شديدة مخالف من وجهة نظرنا لكل قيم العدل والإنسانية؟ هذه الكلمات لي، ولكنني أقسم أنني لم أفهم مما قاله غير هذا المعنى. وعليه فإن مصدر المبالغة البادية في كلامي، ليس الميل الدرامي في الكتابة كما ظننتُ أنا نفسي للحظة، ولكن مصدرها كما أعتقد هو في الهوة السحيقة بين ما نعتقده في أنفسنا وبين ما يعتقده دوغلاس هيرد فينا. إذا كانت الصورة التي أوردتها هي صورة الواقع، فإن ما سأقوله لاحقاً يبدو لي صحيحاً، وإذا لم تكن كذلك فسيظل أيضاً صحيحاً، حتى ولو من وجهة نظري فقط، لأنه صورة أمينة ومخلصة لما استطعت التوصل إليه من خلال تجميع الوقائع والإصغاء الهادئ – على ما فيه من ألم – للخطاب السياسي الموجّه إلينا من العالم. لذلك فإن أية ملامة قد تُوجَّه نحو هذا الكلام لا تعني شيئاً بالنسبة لي، لأنها ستكون في غير محلها. أما أي خلاف في الرأي أو الرؤية، فسوف يكون على رأسي وعيني. وكم أرجو لو قيِّض لي من يقنعني أن الصورة أقل بشاعة مما أراها.

إن الخلاف السياسي شيء، والامتهان العرقي على هامش القضية السياسية شيء آخر. أمريكا أو أية دولة أخرى حرة في اتخاذ الموقف الذي يناسب مصلحتها الاقتصادية والسياسية، ما دامت تملك القدرة على ذلك، ولكن بين هذا وبين خلق موقف دولي يتبنى استباحة دم وأرض وكرامة أمّة، فرق كبير كالفرق بين السياسة والاغتيال الحضاري. ما يفعله الغرب الآن في العراق، وما لا يفعله متعمداً في فلسطين، بالنسبة لإبادة الشعب الفلسطيني اجتماعياً وسياسياً، ليس سياسة فقط، وإنما هو تأكيد لمزاج حضاري خاص يضع العرب خارج لعبة القيم الدولية.

بعد هذا هل يحق لنا أن نواصل الكتابة عن المواقف السياسية، وأن نستمر في تحليل ما كان وما سيكون؟ أجيب عن نفسي فأقول: إن القضية السياسية فيما يخصّنا هي الآن فعل أمريكي صهيوني خالص ومكشوف أيضاً لانعدام الأهمية. ولا يبدو لي أن هناك الآن أية إرادات سياسية عربية فاعلة على الساحة يمكن التوجه إليها أو محاورتها. لذلك فإن الكتابة عن الحاصل السياسي الحالي، هي في نظري اللون الوحيد من الكتابة “السياسية” الذي يحق لنا عملياً وأخلاقياً أن نطرقه. الإرادة القومية الكامنة والتي تملك القدرة على التحوّل إلى فعل سياسي، أصبحت هي الجهة الوحيدة التي يجب التوجه إليها الآن. لأنها هي الجهة الوحيدة القادرة على الإحساس بلَوْعة الانتهاك القومي والإنساني فيما يجري، وتقصّي نتائجه المريعة، إلى ما وراء حدود الانخذال السياسي أو العسكري المجرد. هذا الإحساس يمكن أن يكون منطلقاً لإرادة سياسية قائمة على الغضب، والحافز النفسي. لذلك فإن مهمة الكتابة في هذه المرحلة هي مواكبة هذا الإحساس وتعميقه ودعمه بكل وسائل الدفع الممكنة ليصبح فعلاً سياسياً. ولكن الأهم من ذلك كلّه هو حماية هذا الإحساس من التلاشي أمام حملات التفريغ المبرمجة وأمام إصرار مهرّجي الفكر والسياسة، الذين أنجبتهم المرحلة، على مواصلة التلهّي بكلام البارحة الذي لا يستطيعون غيره. هؤلاء المفكّرون “الكبار”، رغم حسن نواياهم أحياناً، لا يفعلون شيئاً بمواصلة الحديث التقليدي في السياسة، سوى الاقتراح بأن شيئاً يستدعي التغيير لم يحصل أبداً، وأن ما حصل لا يستدعي أكثر من تعديل أسلوب العمل السياسي العربي. كلوفيس مقصود والشاذلي القليبي (1) يبدوان متأكّدَيْن تماماً أنهما يملكان الوصفة المناسبة لإجراء هذا التعديل: أمريكا لا تفهمنا؛ فقط، لأننا لم نحسن مخاطبتها، وهي ما زالت عنواناً للمفاهمة بعد إضافة بعض الجمل المدروسة إلى لغتنا السياسية. الأنظمة العربية، بما فيها نظام مبارك نفسه كانت ضحية للعلاقات العربية العربية، التي يجب تصحيح مسارها منذ اليوم. صدّام حسين دكتاتور تسبّب في كل ما حصل. فرنسا لها موقف مختلف من القضية الفلسطينية ولها موقف سياسي مستقل عن أمريكا، ولكن تصرفات الفلسطينيين تسببت في إرباك أصدقائهم في الغرب. باختصار، هناك مجموعة أخطاء فنية عربية، قابلة للتدارك، تقف من وراء الانحرافات الغربية الطفيفة في الموقف السياسي منّا. وباختصار، أيضاً، لا مبرّر لأي إحساس مبالغ فيه إزاء ما حدث ويحدث الآن، وبالتالي لا مكان للتنكر لمجمل الخارطة السياسية في العالم العربي.

أمام هذا الخطاب الجاهل أو المتجاهل من اثنين من أقطاب البيروقراطية السياسية العربية، أو – إذا شئتم – أمام هذا التبذّل والابتذال الفكري والسياسي وأمام حملات التفريغ بالعنف والتفريغ بالإعلام والتفريغ بالشرح من جانب الغرب وامتداداته السياسية والفكرية على ساحتنا، فإن الواجب الآن يصبح مواجهة الشرح السياسي التقليدي الذي يهدف

(1)    جريدة “الصنارة”.

 

أو يتسبب في تجاوز البعد الحقيقي للكارثة،ويطالب بمواصلة السير في دهليز المرحلة العقيمة. وعليه فإن ما يجب أن نكتبه يجب أن يكون أدباً سياسياً وليس سياسة، لأننا يجب أن ننطلق من الإصرار على أن المرحلة الحالية بالنسبة لنا قد سقطت نهائياً بكل رموزها وترهاتها الفكرية والسياسية، وأن نزيح كل الظلال والإضاءات الخادعة عن الموقف العرقيّ للعالم الغربي تجاهنا، وابتعاده عن المهمّة السياسية المجردة في تعامله معنا. وكل ذلك في سبيل دعم المعادلة الجديدة التي فرضها الغرب علينا، وهي أن السبيل الوحيد للتفاهم معه والوصول إلى عقله السياسي المجرد هي في معاداته وإقناعه أننا قادرون ومصمّمون على إيذائه بأية وسيلة، كما حاول صدّام حسين والعراق أن يفعل. وهذا قرار قومي لا يستطيع اتخاذه سوى الجماهير العربية، التي يجب أن نتوجه إليها فيما نكتب. وهذه الجماهير ليست بحاجة إلى الشرح السياسي. إنها بحاجة إلى مواصلة الضرب على مواضع الألم، وإلى ما يعمّق ويثري شعار المرحلة الجديدة: “لقد فهمنا وسوف نبدأ معهم فصلاً جديداً”.

“الصنارة”، 10/5/1991

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.