الدولة الواحدة هي … العربية إما وحدة مع العرب أو وحدة الإجهاضيين مع الصهاينة، د. عادل سمارة

أمَّا وقد تم تقزيم الحق العربي الفلسطيني إلى أصغر منزلة عشرية، فأستعيد ما كتبته في كنعان الورقية عام 1991، بأننا “سنسمع من يقول إن الصراع هو بين إسرائيل وآل الحسيني”. 
كنت سأكتفي بهذه الفقرة ردّاً على مسلسل “المبادرات ” من الدولة الديمقراطية، والسلطة الوطنية، ومبادرة فهد، وبريجينيف و”المبادرة العربية ل عبدالله-فريدمان”، ودولة لكل مواطنيها، ودولة ديمقراطية، علمانية ثنائية القومية…الخ وصولاً إلى بيان “الدولة الواحدة” الذي تلا إعلان ترامبو ضد القدس! غريب هذا غريباً!!! كما اعتمد هذا البيان على “صرخة من الأعماق” التي تطالب بدولة واحدة مع المستوطنين. أو ما قاله ممثل أعضاء الكنيست الصهيوني من العرب أيمن عودة ” كنت ساكون فرحاً لو أن ترامب اعترف فقط بالقدس الغربية…” . اللعنة على هذا الوغد فقد جرح شعورك! لذا، أعتقد أن من حق الناس الجادَّة قراءة ما هو أوسع. 
مقابل عديد ال “مبادرات” لم يقدم العدو سوى “مبادرة” وحيدة منذ مؤتمر بال 1897، دولة يهودية نقية على كل فلسطين على الأقل، ويتم دفع أموال لسكانها كي يرحلوا، وطبعا تطور الأمر إلى الطرد والاقتلاع، وليس التطهير العرقي فقط كما يزعم إيلان بابيه.
وبالطبع واصل العدو قراءة كافة “المبادرات” والزعم انه يناقشها ولكنه واصل التمتع والتسلية بها وواصل مشروعه على الأرض تطبيقياً. هل لدى أحد شك في ذلك؟فالأرض كلها بيده من جهة، وهو لم يرفض “مبادرة” كما “لم يقبل مبادرة”.
ومع ذلك، ليست المعضلة في رفضه أو قبوله. المعضلة في أن جميع ال “مبادرات” هي في الاتجاه المضاد لحق الشعب الفلسطيني في وطنه أي انها جميعها مثابة ترجي وتلطي واستجداء. وخطورتها أن هذا الترجي يرتد ولا يزال كحرب نفسية على الجيل الجديد كي يستسلم أي يستدخل الهزيمة بالكامل. 
في المبدأ، الأرض عربية فلسطينية، وهذه حقيقة كما لكل الأمم بمعنى أن الهزيمة لا تعني فقدان الحق لمعناه وجوهره، حتى وإن فقد البعض اقتناعه بهذا الحق. 
ولفقدان القناعة هناك من قاتل، ثم فاوض، وهناك من قاتل ولم يفاوض ولكن لم يعد يقاتل.
وهناك من شجب القتال بالمطلق. وهذا نفسه الذي “بادر” لتوظيف موقف ترامبو ضد القدس بل فلسطين!!! بترويج الهزيمة وبالاستقواء بالضعف عبر ما يسمى الدولة الواحدة. ومن مؤسسيه الراحل إدوارد سعيد صاحب مقولة “التفكير الجديد” وغير سعيد ممن ينادون بالاعتراف والتطبيع ونبذ “العنف” وهجوم السلام…الخ “لك الخلود يا نزار قباني: “هجمت عليك بصدرها” وهذا اسميته فريق “الاستقواء بالضعف”.
ولكن العدو لم يغير ابداً، بل وصل إلى مطالبة العالم الاعتراف له باغتصاب الجولان العربي السوري ، وأخذ يستوطن في كردستان العراق، ويطالب بحصة من مياه النيل، ويصر على دولة يهودية نقية…الخ.
ومع ذلك، وحتى لو غير العدو موقفه، يبقى المنطلق الأساسي لنا أن الأرض لنا. 
لكن دُعاة هذه “المبادرات الثقافوية” كلما تعنَّت العدو إزداد تمسكهم بالتنازلات حتى بعد فراغ الجُعبة. فهل السبب هو عشق للعدو؟ تمترس وراء الموقف مهما كان بائساً؟ ألا يعني هذا أن هؤلاء يرون الوطن في خدمتهم؟ لن نسعفهم بان نقول خونة، كي يصرخوا بأننا نتهمهم، ندع هذا للناس. 
كانوا يُجادلون قبيل عام 2000 وما بعده بأن هزيمة العدو وحتى التعادل معه مستحيلة. وحتى لو صح هذا، فهو لا ينفي حقنا. ولكن بعد عام 2000، إتضح أن هزيمة العدو ممكنة ولو تدريجية. إلا أن فريق الدولة الواحدة خاصة أوغل في تنازلاته وقلل من قيمة المقاومة واتهمها بالإرهاب والتخشب، والعقلية القديمة…الخ. بل وبدل أن يغير رأيه بعد انتصار العراق وصمود اليمن ووصول سوريا حافة النصر الحقيقي، لا يزال يتغنى ب “الديمقراطية” ويتهم سوريا برمي “البراميل المتفجرة”
وربما كان رد نتنياهو عليهم هو الأشد إحراجاً قبل شهر: “إذا تم الاعتداء علينا فسنرد بقوة”.
تمام! ولكن منذ متى يتحدث هكذا؟ ألم يقم الكيان بمئات العدوان وحتى بلا مبرر!
قد يقول البعض ها هو العدو يضرب في سوريا هنا او هناك. نعم، ولكن سوريا ليست في وارد حرب أخرى، كما أن ضرب سوريا هو ضرب لكل العرب حتى العملاء منهم. لذا يجب ان يكون الرد من الجميع. 
ويبقى المعيار، أن لا تنازل عن الوطن.

الدولة أو الدولتان أو الدول:

لقد نشرت كنعان الورقية والإلكترونية الكثير في هذا الموضوع. أما وحل الدولتين قد قتله خالقه (اي الإمبريالية الأمريكية) فإن لنا قولا محدوداً ومكثفاً في حل الدولة الواحدة. وهو الحل الذي قيل فيه الكثير، من رمي اليهود في البحر، حتى من لا يتقن العَوْم، إلى إنكار المحرقة، إلى دولة مع المستوطنين إلخ.
فبعد أن تورط كثيرمن الفلسطينيين في الاعتراف والتطبيع الاستدوال بدل التحرير، تعود الحقيقة لتفرض نفسها بأن الحق لا يُستعاد بالتلطي. 
لقد أُقيم الكيان على أرض عربية فلسطينية وليست فلسطينية وحسب. والهدف منذ القرن السابع عشر على الأقل هو الوطن العربي وليست فلسطين فقط بل هي قاعدة الانطلاق التقويضي للوطن العربي. وكل فلسطيني يختطف القضية لحصرها فلسطينياً هو في الحقيقة باحث عن استسلام مغطى وواقف ضد التحرير على قاعدة ان الفلسطينيين وحدهم لا يستطيعونه. ومع ذلك، فأهل الفلسطنة يرفضون العروبة يوما ويلومونها يوماً آخر!
وبالمناسبة، فإن عرب التسوية والكمبرادور يؤكدون ما نقول من باب أنهم اختطفوا المفاوضات من الفلسطينيين كي يقوموا بتصفية القضية. وهذا يقطع الطريق حتى على فريق الدولة الواحدة ويجعلهم كما قال لينين عن أحد رفاقه وهو يُهجِّص: “أنظروا إلى هذا الصبي…بلا لباس”. ذلك لأن الحبل السُرِّي بين القطريات العربية والكيان الصهيوني لم ينقطع لأن المصير واحد طالما الصانع نفسه.
لقد أثبتت تجربة حزب الله مع العملاء في جنوب لبنان، أن منهجنا ليس دمويا، لكنه منهج مقاتل. فلم يتم العفو عنهم قبل أن يُهزموا. ولن يكون مصير اليهود القتل. 
وهكذا فلسطين، ليس الحل، وهذا ما فهمناه بالتجربة والخطأ، ما قبل التحرير ابداً. ولن يكون الحل فلسطينياً. ولكن البدء فلسطيني والاستمرار فلسطيني لا شك. وسيكون الحل في الدولة العربية الواحدة وليس في الدولة اليهودية الواحدة مع خدمٍ فلسطينيين.
حتى اليهود يدركون بان مصيرهم في هذه المنطقة مستحيل على شكل دولة يهودية نقية أو مشوهة ببعض العرب كمتخلفين وخدم. لكنهم يطيلون عمر دولتهم لأنهم ببساطة في ورطة يصعب الانسحاب منها. ويعلمون بأن الحل هو بانتصار أحد الطرفين. أما هم فقد أخذوا فرصتهم بالانتصار وصار الآتي لنا.
لنتذكر مقابلة مع اسحق رابين حيث كان وزير تكسير ايدي شباب الانتفاضة الأولى في جيروزالم بوست كما اذكر 25 آذار 1988:حين سُئل: ما الحل مع الانتفاضة، قال : طرد 600 ألف فلسطيني إلى الأردن. فقال الصحفي، لكن هذا يُطيل الصراع خمسين سنة أخرى، فرد رابين: حينها يكون على من يقود إسرائيل ان يتصرف. ألا يؤكد هذا أن العدو يأخذ الصراع إلى نهاياته؟ فعن أية دولة واحدة يتحدث هؤلاء؟

في الدولة العربية الواحدة:

بعد عقود من تغييب البعد العروبي في الصراع خدمة للكيان الصهيوني والقطريات العربية، وبعد “الربيع العربي” بما هو تفاقم العدوان، وبعد أن احتلت السعودية ومختلف التوابع معها العروبة لتسمي نفسها “التحالف العربي” في حربها ضد اليمن وسوريا وليبيا والعراق ومصر وطبعا فلسطين، لا بد من إعادة الصراع إلى قاعدته الرئيسية، اي بأنه في حقيقته صراع عربي صهيوني، يقف الغرب الراسمالي بقضه وقضيضه مع الكيان الصهيوني. صار لا بد ان يظهر الممثل الحقيقي للعرب وليس قوى وأنظمة الدين السياسي بما فيها تركيا.
وعليه، فإن هذا الصراع النفيوي من نقيض لنقيض، هو صراع من أجل الدولة العربية الواحدة ومن أجل تحرير فلسطين. ويكون وضع فلسطين في هذه الدولة هو:

  • تعود فلسطين جزءاً من الوطن العربي ويعود لها شعبها إلى ارضه وممتلكاته.
    • ويتم حل المؤسسات السياسية والعسكرية والنووية والاقتصادية الكبرى الصهيونية لتصبح ملكا للشعب. 
    • يكون لليهودي/الإسرائيلي المتبقي طوعاً حقه كغيره بالمعنى الإنساني وليس السياسي الدولاني.
    • يُشطب “قانون العودة” الذي وضعته السلطة الصهيونية.

إن كل من اغتبط لموقف ترامب فهرول نحو الحضن الصهيوني، لا بد يسمع ويشاهد الرفض الشعبي الفلسطيني والعربي. لا ندري كيف سيستمر ويتطور هذا الحراك، ولكنه في حده الأدنى موقف الشعب وليس موقف قشرة ثقافية أو سياسية متواطئة. إنه موقف يرفض ويحاصر اضعف خاصرتين عربيتين:
• الخاصرة السياسية الرسمية
• والخاصرة الثقافية/الطابور السادس الثقافي.

واياً كان مصير هذا الحراك، فهو بداية استعادة الشارع العربي وبداية إعادة القطار إلى سكته.

 

10 كانون الأول (ديسمبر) 2017

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.