تحالف الدين السياسي والتروتسك (الماركسي) والإمبريالية، عادل سمارة

يبدو هذا غريباً للوهلة الأولى. ولكن لا بد من النظر بدقة ليس في النصوص بل في ما يتبلور عنها من مواقف. إن نفس هذا الثلاثي الذي ملأ الكون صراخا ضد صدام حسين ك “دكتاتور” داعيا إلى دمقرطة العراق إلى أن تم إفناء اكثر من مليون عراقي وتدمير البلد، هو نفسه الذي قام بنفس المحاولة ضد ليبيا وسوريا واليمن.

وهذا يطرح السؤال:

كيف لم يفهم كثيرون درس العراق وبالتالي يتفانون في تطبيقه على سوريا!! أي بعد قرابة ثلاثة عقود!!

ليس صعباً أن يقوم البعض باقتطاف نصوص طويلة من ماركس ولينين عن الثورة والديمقراطية…الخ فيبدو قمة الثورة الفكرية. ولكن حين يقف مع تدمير البلدان العربية الجمهورية خاصة بشكل منهجي، يصبح عليك واجب التامل والتدقيق. وحين يكون تمويل “ثوار” سوريا خليجيا وتسليحهم امريكيا، لا يعود لدى البعض أي حق عقلي إن لم نقل وطني في الدفاع عن هؤلاء ولا عن من يتذرع بانه ضد صدام وضد الأسد وضد الإمبريالية وضد الوهابية، فيخلط هذا بذاك لكنه يعيش ويتمول من قطر والسعودية.

هناك قُطبة خبيثة لا يلاحظها البسطاء.وهي أن حكام الخليج ليسوا جميعا من طراز سلمان، بل كثير منهم يعرف لُعبة السماح للبعض بأن ينقدهم طالما يخدم هدفهم وهو تقويض اسس المشروع العروبي. هذا النهج امرت به امريكا واسس له عزمي بشارة في قطر خاصة بعد أن كشف دوره. ولذا نجد أمثال هؤلاء يعيشون بأموال قطر ويكتبون في جريدة بشارة في لندن “العربي الجديد” وهي تمويل قطري وينقدون قطر والسعودية وبمفردات ماركسية ايضا. هنا تبدو حكومة قطر ديمقراطية وتسمح بالنقد!!! سيقول البعض بأن هذه ل عزمي بشارة!! نعم ريما، فهو يملك جزيرة نفطية.لتقريب الصورة، هنا في الأرض المحتلة، منظمة الأنجزة روزا لكسمبورغ تمول التطبيع، وتنشر فيديو ينقدها نفسها …الخ وهي بالمناسبة مولت معرض عن المحرقة في تونس مؤخرا للتغطية على العسف الصهيوني ضد الحراك الشعبي هنا. أقصد ان لعبة السماح بنقد من داخل مؤسسة او دولة من أجل هدف أكبر صارت لعبة مكشوفة. أما بخصوص الغزاوي المقتول في سوريا، فهذه حكاية من نفس الطراز لكن في المقلب الآخر. أولاً هذا نموذج على الثوار البروليتاريين (الطبقة العاملة الواعية سياسيا وطبقيا الذين روَّج ولا يزال لهم كل من التروتسكيين باسم الماركسية وثانياً روج لهم الإخوان باسم الدين لذا لا غرابة أن يتحالف التروتسك في مصر مع الإخوان وفي سوريا كذلك.لكن مشكلة هذا الشاب مختلفة. فهو ممن انطلت عليهم أكاذيب التهويل بأن النظام في سوريا لا يحتاج سوى اسابيعا أو اشهراً، وبالتالي سرح خيال امثاله سرحا متعويا ماديا لا دينياً كما يزعم البعض. فهناك سوف يحصل على راتب عالٍ واسرته قد تتلقى دفعة ضخمة سلفا وكذلك اذا قُتل (تذكروا ما نشرته Financial Times and Washington Post بأن الشخص كان يكلف 50-100 الف دولار. أرقام لا يتخيلها العقل. كما أُغري امثال هذا بأنه سيحمل كلاشينكوف ويقتل الجندي العربي السوري ببساطة لأن المعركة سهلة ، اي ليست مع الكيان الذي هو حذر وجاهز وصعب ان ينال منه، وكذلك سيجد فرصة للتفريغ الجنسي ب جهاد النكاح. فما الذي يمنعه من الادعاء بأنه مؤمن بالجهاد في سوريا! امثال هذا المسكين هم في نظر التروتسك (الماركسيين شكلانيا) ثوار بروليتاريا. هذا ما بدأ التحضير له في فرنسا حيث الموقع الأوروبي الأكبر للحركة التروتسكية . وبالمناسبة النشاط الصهيوني الأكبر هو في امريكا تليه فرنسا مباشرة. هناك تم تعميد سلامة كيلة الفلسطيني والذي أثر على بعض “كوادر” اليسار وخاصة من الجبهة الشعبية فوقفوا ضد العراق وسوريا مباشرة، ثم نالهم الخزي فتراجعوا تدريجيا، أما كيلة فبقي يصرخ بالديمقراطية وثورة العمال. وهنا لا يختلف عن السيدين خالد مشعل وإسماعيل هنية اللذين وقفا علانية ضد سوريا، فهل استقام هنية اليوم عبر علاقته بإيران؟؟؟؟

ولكي نفهم الأمر أكثر، لنرجع إلى ما حدث ضد ليبيا، وأكذوبة ان القذافي قصف بنغازي في بداية الأحداث، فقد كتب التروتسكي الروسي بوريس كاجرالتسكي بأن الثورة في ليبيا كالثورة الفرنسية والبلشفية!!! (انظر كتابي _ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة_” وها هي ليبيا كما العراق وأتعس.

خلاصة القول، فإن نقل نصوص لماركس أو غيره وصبها في كتاب ثم التذرع بحب الديمقراطية لا تغطي على هدف لا وطني. وعدم وجود ديمقراطية في بلد لا يعني هدم البلد ولصالح النمط الخليجي خاصة وجعله مزرعة للإمبريالية هذا إذا كان هناك بلدا ديمقراطيا حقا، وعلى أية حال لو وُجد فليس في الخليج الذي يمول الإرهاب المسلح والثقافوي ضد ليبيا والعراق واليمن وسوريا وها هو الخليج الثوري يعترف بالكيان ولا يكتفي حتى بسلطة الحكم الذاتي التي تحاول إقامة دولة على قرابة خمس فلسطين بل يريد سلطة تُعلن أن كل فلسطين هي للصهيونية وبأن الفلسطينيين يحتلون ارض إسرائيل. طبعاً التروتسك يصرخون ضد الكيان. ولكن من يهدم العراق وسوريا هو في الحقيقة يخدم الصهيونية أكثر مما يخدمها نتنياهو لأنه يقوض المشروع العروبي الذي وجوده هو شرط تحرير فلسطين.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.