إيران وموقعها في منطقة “الشرق الأوسط”، على ضوء احتجاجات أواخر سنة 2017 ، الطاهر المُعز

يُدافع بعض التّقَدُّمِيِّين العرب (وغيرهم أيضًا) عن النظام الإيراني، لأنه “حليف مَوْضُوعي” (في المرحلة الحالية) ضد الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، في بعض الجَبَهَات منها العراق وسوريا واليمن ولبنان، ولكن النظام الإيراني يُدافع عن مَصالِحِه قبل أي شيء آخر (وهذا طبيعي ومَنْطِقِي) ولا يُمْكِن بأي حال أن تتولى إيران أو روسيا الدفاع عن مصالح الشعوب العربية، نيابة عنها أو عن الأنظمة العربية العَمِيلة، ومن إيجابيات نظام الإسلام السياسي في إيران، قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني وتحوُّل إيران من حليف قوي للأنظمة الرجعية العربية وللإحتلال الصهيوني إلى مُعادٍ لها، لكن النظام الإيراني يعتبر احتلال “الأحواز” (منطقة جنوب العراق اقتطعتها بريطانيا من العراق وأَهْدَتْها إلى إيران) واحتلال الجزر الإماراتية الثلاثة “مَكْسَبًا” غير قابل للتفاوض، إضافة إلى الشوفينية المُفْرِطة والمُتواصلة للقومية الفارسية التي تَقْمَعُ بقيّة الثقافات والشعوب المُكَوِّنَة لإيران، ولكن النظام يُحافظ على بعض التّوازن ونجح في ذلك إلى حدٍّ بعيد…

أما عن الوضع الطبقي للعمال والفئات الكادحة، فلم يتغير، حيث يُمثل نظام الحكم، منذ “أَسْلَمَتِهِ” في شباط 1979 مصالح كبار التّجار (تجار “البازار”)، وتوسّعت رُقعة النّظام، منذ تولّي “رَفْسَنْجَانِي” الرِّئاسة، إلى بعض فئات البرجوازية الطامحة إلى التصالح والتماهي مع البرجوازيات “الغربية”، واستفادت فئات برجوازية أخرى من سياسات النظام، كما تمكنت بعض الفئات الوُسْطى من الإرتقاء بضعة درجات في السُّلَّم الإجتماعي-الطّبَقِي، وتمكن النظام من المحافظة على استقلالية واسعة في مجال الزراعة والتّسَلّح وبعض قطاعات الصناعة، لكن استفادة الفئات المتوسطة والفقيرة والكادحة كانت محدودة زمنيًّا وكذلك في حجمها، لأن النظام الإيراني لا يُمَثِّلُ مصالحها، ولم يَعُدْ يَدّعِي ذلك، منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد تصفية بضعة أجنحة كانت مشاركة في السلطة في بداية الحكم “الإسلامي”، وشَكّل “مهدي بازَرْغان” أو “أبو الحسن بني صدر” بعض رُمُوزِها…

على الصعيد الدولي، تطمح إيران (كما تركيا) إلى السيطرة السياسية والعسكرية والإقتصادية على مُحيطها، ويقع المشرق العربي ضمن هذا المُحيط، كما جزء من آسيا الوسطى وأجزاء من الإتحاد السوفييتي السابق (أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان)، وبحر “قزوين”، دون نسيان المناطق الحدودية الهامة مع أفغانستان وباكستان، كما ان إيران مُنْتِج هام للمحروقات (النفط والغاز) مع وجود احتياطيات ضخمة لم يقع استغلالها بَعْدُ، وتُخَطِّطُ لاستغلال هذه الثروات في بناء علاقات شراكة طويلة المدى مع روسيا ومع باكستان والهند والصين، وغيرها، وتمكّنت إيران من بناء مُؤَسّسات دستورية وقانونية تُحافظ على استقرار النظام الحالي في جوهره وفي مَرجعِيّتِه العقائدية والدستورية، ويبقى الإختلاف محصورًا بين فئتين “إسلاميتين” إحداهما “مُحافظة” والأخرى “إصلاحية”، مع إقصاء كافة الفئات الأخرى، عبر “ديمقراطية” على المَقَاس، ولكنها أكثر انفتاحًا من كافة الأنظمة العربية المُحِيطة، وأكثر انفتاحًا من بعض “الديمقراطيات الغربية” في بعض المواضيع، وتمكنت إيران -بفضل هذا الإستقرار وبفضل الوفاق حول أُسُس النّظام- من الصمود أمام العقوبات والحظر منذ ولادة “الجمهورية الإسلامية” بل ومن تطوير الزراعة والصناعة ومنها صناعة الأسلحة، وتطوير التّعليم والبحث العلمي، وانتهاج سياسة “الجزر والعصا” مع المُعارضة ومع الأقليات ومع الطبقات الكادحة…    

أرجو أن تُساهم هذه الإضاءة المُخْتَزَلَة في فهم أسباب الحركة الإحتجاجية التي اندلعت في الإسبوع الأخير من سنة 2017  

يتظاهر إيرانيون ضد غلاء الأسعار والبطالة منذ يوم الخميس 28/12/2017 ولا تزال الإحتجاجات متواصلة في عدد هام من المُدُن في كافة مناطق البلاد حتى يوم الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2017، وأدّت اشتباكات ليلية إلى قتل “شرطة مكافحة الشّغب” لمُتَظَاهِرَيْنِ يحتجُّون على الوضع الإقتصادي في مدينة “دورود” بمقاطعة “لوريستان”، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مظاهرات طُلاّبية أمام الجامعة في طهران، كما نَظّمت الحكومات مظاهرات مُؤَيِّدَة لها، في العاصمة وفي عدد من المدن الأخرى، وكان الرئيس “حسن روحاني” (الذي أعيد انتخابه في أيار/مايو 2017) قد وَعَدَ بإنْعاش الاقتصاد الذي أضعفته العقوبات والحظر، بعد رَفْعٍ جُزْئِي لبعض العقوبات الاقتصادية، إثر اتفاق دولي حول البرنامج النووي الإيراني سنة 2015، وانخفضت نسبة التضخم إلى نحو 10% ولكن معدل البطالة لا يزال مرتفعا عند 12,5%، وفقا للأرقام الرسمية، مما يعني ان الإنتعاش النسبي وزيادة إيرادات النفط لم تُؤَثِّر بالإيجاب على حياة العُمّال والأُجَراء والفُقَراء، وهو ما يُفَسِّرُ انتشار الإحتجاجات بسرعة وفي كافة مناطق البلاد، رغم القمع الشديد والدّعاية والمظاهرات المُضَادّة التي ينَظِّمُها النظام، وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها احتجاجات في عدة مدن منذ الانتخابات الرئاسية للعام 2009 -وكانت تلك الإحتجاجات مَشْبُوهة ومَدْعومة من أوروبا وأمريكا، عبر ما يُسَمّى “المجتمع المدني” والمنظمات “غير الحكومية”- وتختلف شعاراتها المُتَغَلِّفَة بالديمقراطية عن شعرات الإحتجاجات الحالية التي تُرَكِّزُ بشكل خاص على الوضع الإقتصادي والإجتماعي، ما حدا بالحكومة إلى حَشْدِ عشرات الآلاف من المواطنين فى البلاد يوم السبت 30/12/2017 للاحتفال بالذكرى السنوية للتجمع الكبير المؤيد للنظام الذى وضع نهاية لمظاهرات 2009، في محاولة من النظام بمختلف أجنحته “الإصلاحية” و”المُحافظة” لتشوِيه الإحتجاجات الحالية، وربْطِها بِجناح في السلطة، مُوالٍ للإمبريالية الأمريكية ومدعومٍ منها، وحذر وزير الداخلية الايراني صباح الاحد (31/12/2017) من “الذين يستخدمون العنف ويختلقون اضطرابات”، لتبرير اعتقال عشرات الاشخاص، وقع الإفراج عن معظمهم (حوالي ثمانين) وفقا للتلفزيون الرسمي، ووكالة الانباء (إيلنا) القريبة من “الاصلاحيين”، واتّسَعَت رقعة الإحتجاجات والمظاهرات منذ يوم 28/12/2017 إلى مدينة “آراك” (وسط البلاد) وخوراماباد، زنجان والأحواز (غرب البلاد)، إضافة إلى مدينة “مشهد” (ثاني أكبر مدينة في إيران)، حيث انطلقت الإحتجاجات، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى، رغم تحذيرات السلطات، ورغم الإنذار الذي وَجَّهَهُ رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، الذي ذَكَّرَ باحتجاجات 2009 (عقِبَ فَوْزِ محمود أحمدي نجاد بالرئاسة) التي كانت مدعومة (بالفعل) من الولايات المتحدة، وحَذّرَ من تكرارها، في محاولة لوصف المُتظاهرين بالعُملاء والخَوَنَة المُوالين للإمبريالية الأمريكية، لكن المئات من المشاركين في مظاهرات آخر كانون الأول 2017 رفعوا شعارات تُنَدِّدُ بسياسيات الحكومة الإقتصادية، وبارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة، بزيادة 1,4% عن سنة 2016، وأعلن محافظ “مشهد”: “إن المظاهرة كانت غير قانونية، ومع ذلك واجهتها الشرطة بالكثير من التسامح”، وأعلن بعض المتظاهرين إنهم لم يستفيدوا من صفقة الإتفاق مع القوى الدولية سنة 2015 بشأن برنامج إيران النووي، وبعد أكثر من سنة من تطبيق الإتفاق لم يتحسّن الوضع الإقتصاي للعُمّال والأُجَراء والفُقَراء والمُهَمَّشِين، بل ارتفع عدد الفُقَراء والعاطلين عن العمل، وكان الرئيس “روحاني” قد رَكَّزَ على موضوع الاقتصاد خلال حملة الانتخابات الرئاسية، التي فاز بها في ولايةٍ ثانية، وانخفضت معدلات التضخم التي بلغت نسبة 40% إبان رئاسة سلفه أحمدي نجاد، ولكن لا يزال الاقتصاد الإيراني يعاني من صعوبات، إضافة إلى الإنخفاض الكبير في سعر “الريال” الإيراني، وعَمّت المظاهرات معظم المُدُن الكبرى (إضافة إلى مَشْهَد، شمال شرق البلاد) منها العاصمة “طهران” و”كرمان شاه” ومدنية “شيراز” في الجنوب، وغيرها، وكان شعار “لا لِرَفْعِ الأَسْعار” طاغِيًا، وأعلنت وكالة “بارس” (فارس) “اعتقال 52 محتجا في طهران لترديدهم شعارات وصفها بالإستفزازية والقاسية”، ومنها شعارت “الموت للدكتاتور”، و”لا غزة، لا لبنان، حياتي في إيران”، في إشارة إلى تركيز الحكومة على القضايا الإقليمية بدل التركيز على تحسين ظروف المواطنين، فيما أعلن الباحثون القريبون من الحكم “إن إيران تُدافع عن مصالحها من خلال المشاركة في الدفاع عن نظام سوريا أو العراق”… انتشرت في إيران خلال فترة الحصار مؤسسات القروض المالية “غير القانونية” في عهد الرئيس، محمود أحمدي نجاد، في الفترة ما بين 2005 و2013، وأعلنت حكومة حسن روحاني منذ 2013 أنها تسعى تطهير القطاع المالي، وأغلقت ثلاث مؤسسات قروض كبيرة، وكانت مدينة “مشهد” من بين المدن الاكثر تضررا من إغلاق إحدى هذه المُؤَسَّسات التي كانت تدير نحو مليون حساب مصرفي، وأدى إغلاقها إلى العديد من المظاهرات سنة 2015، حسب وكالة الأنباء الإيرانية “إيرنا”، كما تضررت نفس مدينة “مَشْهد” جَرّاء فشل مشروع ضخم سنة 2015 لبناء مدينة جديدة قرب “مشهد”، وأدى هذا الفشل إلى خسارة 10 آلاف مستثمر لأموالهم، وتراكمت المشاكل الإقتصادية بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية، من بينها مُضاعفة أسعار البيض… أظهرت مقاطع أَشْرِطة “الفيديو” المنشورة في إيران يوم السبت 30/12/2017 اشتباكات بين قوات الأمن والمحتجين في ساحة “الثورة” وسط العاصمة “طهران”، أثناء فض المظاهرة بالقُوّة، وأغلقت السلطات محطات قطار الأنفاق وسط العاصمة للحيلولة دون تدفق مزيد من المتظاهرين إلى محيط جامعة طهران، وقدرت وكالة “فارس” تعداد المتظاهرين في ساحة الثورة بما بين 300 و400 شخص، بينما تواصلت المظاهرات في مدن إيرانية أخرى (منها “ونجان” و”ساوة” و”شهر كرد” و”تبريز”…)، وذلك تنديدا بالغلاء والفساد وانتقادا لسياسات الحكومة الداخلية والخارجية، غير أن وكالة “فارس” صَوَّرَتْ أيضًا مسيرات حاشدة مؤيدة للنظام في طهران ومدن أخرى…  

وردت الأخبار والبيانات والأرقام في برقيات صادرة عن وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) + وكالة أنباء “فارس” – رويترز + أ.ف.ب، بين 28 و 31/12/2017

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.