بعد المصيدة … من يصطاد الصياد؟ عادل سمارة

بإيجاز، مع أول يوم لاحتلال الضفة والقطاع تم ربط اقتصادهما باقتصاد العدو بقوة السلاح وقوة تخلف اقتصادهما مما خلق حالة تمفصل تابع لمختلف قطاعات اقتصادهما باقتصاد العدو وخاصة لقطع اية علاقة اقتصادية مع الخارج وإبقاء علاقة ضعيفة وتحت السيطرة مع الأردن لتوظيفها تطبيعياً. وتم تشغيل ما وصل إلى ثلث قوة العمل منهما في اقتصاد العدو، وكان الهدف امتصاص المقاومة ولم ينجح العدو.

أما في حقبة أوسلو فتم نقلنا إلى حالة أخطر أبقت على “التبادل اللامتكافىء بالسلاح” وأضافت إلية تبعية للتمويل الخارجي بدل الشغل داخل الكيان، أي تم اعتماد الريع لسد العجز في الميزان التجاري بدل أن كان سد العجز هذا بتحويلات عمالنا داخل مناطق الاحتلال الأول 1948، أي بعرقهم ودمهم حيث كانت الحالة “مقاومة اقتصادية عبر الاستغلال الأفدح” واضح أنها حالة فريدة بالطبع. هذا إلى جانب بقاء كافة القطاعات الاقتصادية وطبعا هذا يعني الطبقات الاجتماعية مرتبطة بسوق العدو في الاستيراد والتصدير.

ماذا يعني الانتقال من مقاومة العجز في الميزان التجاري بالعمل تحت شروط استغلال مميتة إلى زعم الاستقلال بالاعتماد على الريع وتحويل العمال إلى شرطة وموظفين وأجهزة…الخ جميعهم يعتمدون على الريع الآتي من دول عدوة سواء الغربية أو العربية التطبيعية؟

يعني باختصار أننا اصبحنا في مصيدة أضيق من الأولى بالمعنى المقاوِم. وصار بوسع دافع الريع التهديد بقطع ثمن القوت اليومي عن مجتمع تراجع إنتاجه لصالح الاستنامة على فلوس الريع.

والريع في حالتنا هو تغذية مالية ليحقق دافع المال تنازلات سياسية وطنية. وأخطر تجليات هذا في ضمور المقاومة، ومقاومة المقاومة. ولكن ضغط ترامبو اليوم بالتهديد بقطع الريع هو المطالبة بالتوقيع على أن كامل الوطن المحتل هو لليهود، اي “إهداء ارض الميلاد لخرافة أرض الميعاد”، إذا كان يمكننا وصف المعضلة دينيا وهي ليست كذلك بالطبع.

ولكن، أما وما تدفعه أمريكا للضفة والقطاع المحتلين 1967 بل وما يدفعه كل الغرب هو اصلا من تحويلات صافية ريعية من اموال النفط العربي ومما يربحه الغرب من الأسواق العربية، وطالما يهدد ترامبو بقطع التمويل هذا ، فهل تجرؤ انظمة حكم  العرب على معادلة بسيطة، تمارسها مختلف الدول، لكنها تقلب المعادلة لتقترب من صيد الصياد!

ليس هذا من قبيل الهبل الاقتصادي!! كم نظام حكم عربي يمكنه فوراً وقف استيراد بضائع من امريكا، أقول فوراً، طرد شركات، إغلاق مكاتبها، تفكيك مفاصل مصالحها وكل هذا لا يحتاج إلى حتى إلقاء الحجارة عليها! هذا السؤال ظاهره اقتصادي وجوهره كرامة!! هذا ناهيك عن مصالح الكيان في دول الاعتراف.

وليس هذا الحديث لإعفاء الفلسطينيين من دورهم المقاوم ابداً، بل لإشراك المتفرجين في جزء من الاشتباك. إن حصل وبدأ هذا المستوى من التصدي العربي، وهو بالمناسبة مربح جدا للعرب لأن عالم الإنتاج لم يعد غربي حصراً، وكلفته من الشرق أقل. إن حصل هذا، فإننا سنرى العنجهية الأمريكية تخلع ملابسها مستقبلة النكاح الثوري. بل وكل عنجهية الغرب الراسمالي لأن الحياة في رأس المال هي المال وكل مظاهر العنجهية والعنصرية هي أغلفة لتحصيل الربح اللامحدود.

هذا التقوُّل من جانبي هو تقول مُر، لأن هذا ما كان على الشارع العربي القيام به لإرغام حكامه على رفع قامتهم المستوية بالأرض سنتيمتر واحداً.

هل سيتحمل الفلسطينيون اللحظة الانتقالية هذه أي ما بين بدء مقاطعة شعبية ورسمية حقيقية لبضائع ومؤسسات الأعداء وما بين ركوع من يتظاهروا أنهم عمالقة ولكن يسعون للربح؟ نعم بوسعنا. ولنقرأ صمود المعتقلين في إضراباتهم المديدة عن الطعام، وليطمئن أهل الخذلان، لن نضطر لإضرابات طويلة، بل ولا حتى لقصيرة، فكل ما في الأمر ضبط الوحش الاستهلاكي إلى حد ما.

وفي النهاية، فإن تقييد المشروع العروبي باختفاء الأحزاب الثورية وإخضاع الشعب لوسائل الإعلام الرسمية والعدوة والمرشية، وتغييب المفكرين لصالح المحللين والصحفيين، أوصل الشارع العربي إلى 400 مليون متفرج، مع بعض الاستشناءات المقموعة. 

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.