هل المنتدى الإقتصادي العالمي “مُنَظّمة غير حكومية”؟ الطاهر المعز

يُعرّف المنتدى الأقتصادي العالمي نفسه في موقعه كالتالي “هو مؤسسة غير ربحية تتخذ من جنيف مقرا لها، يتم تمويلها وإدارتها من طرف مبادرة دولية خاصة، بهدف تبادل التجارب والخبرات” ويَتِمُّ تَمْوِيل المنتدى عبر “مساهمات مالية من الشركاء والأعضاء”، وَيَسْمَعُ جمهور المُهْتَمِّين بعض الأخبار القليلة جِدًّا عن اللقاء الرئيسي الذي يلتئم سنويا في شهر كانون الثاني/يناير (بداية كل سنة إدارية) في منتجع “دافوس” الجبلي السويسري الفاخر، وفي واقع الأمر يُعتَبَرُ المُنْتَدَى الإقتصادي العالمي ناديًا لرجال الأعمال الأثرياء، الذين يدّعون أن نواياهم طيبة لكنهم لا يهتمون سِوَى بالترويج لمصالحهم الخاصة، وتنسيق مواقفهم ضد العُمّال والفُقَراء وضد بلدان ما يُسَمّى “العالم الثّالث” تحت إسم ما أصبح يُعْرَفُ ب”العَوْلَمَة” (أو الإمبريالية الإقتصادية والمَالِيّة) التي تُؤَدِّي إلى زيادة ثَرَوات الأثرياء، وإلى الترفيع في معدلات البطالة والفقر واستنزاف الثروات الطبيعية وتدمير البيئة والمُحِيط.

 

وقد تَحَدَّدَ انعقاد المُنْتَدى هذا العام من 23 إلى 26 كانون الثاني/يناير 2018، بحضور نحو 2500 من قادة السياسة والمال والأعمال والإعلام، من أكثر من 90 بلدا منهم 70 رئيس دولة ورئيس حكومة وحوالي 40 رئيس أو مدير تنفيذي للمنظمات الدّولية، ومُمَثِّلِين عن حوالي 1200 شركة متعددة الجنسية، من بينها الشركات الألف الأكبر في العالم، وتُسَدِّدُ كل منها حوالي 35 ألف دولارا سنويًّا لتمويل المُنْتَدَى، وتُساهم مجموعة تضُمُّ حوالي مائة شركة مثل آ بي بي ونستليه وبيركلايز وكريدي سويس وديلويت ودويتشه بنك وغوغل، في بلورة جدول الأعمال مُقابل تأمِين الجزء الأكبر من التمويلات بقسط يعادل 120 ألف دولارا سنويا لكل واحدة منها، ويُسَدِّدُ الشركاء حوالي 50 ألف دولارا إضافية مقابل حُضُور رئيس الشركة أو مديرها العام من في دافوس، وتُوَجِّهُ إدارة المُنْتَدَى دعوات إلى ممثلي الحكومات والمنظمات المُؤَثِّرَة و”فاعلين” آخرين من خارج إطار المنتدى الإقتصادي العالمي للحضور في الإجتماع السنوي في دافوس كضيوف.

 

أصدر المُنتدى الإقتصادي العالمي تقريرا قُبَيْل اجتماعه السنَوِي بشأن المخاطر العالمية، وَرَدَ ضِمْنَهُ : “إن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية تظهر بداية انتعاش بعد عَشْر سنوات من اندلاع الأزمة العالمية ولكن هذا الإنتعاش لا يزال هَشًّا”، وأصبحت فترة انعقاد المُنْتَدَى في منتجع “دافوس” الفاخر فرصة سنوية للإحتجاج ضد السياسات الرأسمالية- ، فتظاهر المعارضون للعولمة الرّأسمالية في شوارع مدينة “بيرن” وأمام البرلمان في العاصمة العاصمة السويسرية احتجاجا على زيارة الرئيس الأمبركي “دونالد ترامب” للمنتدى الاقتصادي العالمي، أما من جانب الحكومة السويسرية فإنها تعتبر أن دافوس يمثل “حدثا استثنائيا” يوفر فرصة فريدة لشخصيات رفيعة المستوى من التلاقي في سويسرا، لذلك تحشد وزارة الحرب السويسرية خمسة آلاف جندي وألف شرطي، مع فرض مناطق حظر الطيران والتجوال، وترصد الحكومة الإتحادية ميزانية بحوالي 30 مليون دولارا من الموارد المخصصة للجيش، إضافة إلى ذلك، تُساهم السلطات على المستوى الفدرالي وكذلك مُقاطعة “غراوبوندن” (حيث تقع مدينة “دافوس”) بحوالي عشرة ملايين دولارا إضافية لتأمين خدمات الشرطة وبقية المهام المتعلقة بالحراسة والمراقبة، ورَحّب أصحاب الفنادق (من فئة خمسة نجوم) بقدون الرّئيس الأمريكي، لأن المدينة ستكون في قلب الحدث العالمي قبل وأثناء وبعد اللقاء.

 

انعقد أول اجتماع سنوي “للمنتدى الأوروبي للتسيير والإدارة” سنة 1971، قبل أن تتسع اهتمامات المجتمعين والمواضيع التي يتناولونها، فَغَيَّرُوا إِسْمَهُ سنة 1987 إلى “المنتدى الإقتصادي العالمي”، وأصبح يحضره كل عام حوالي ثلاثة آلاف شخص، منهم حوالي خمسمائة صحافي، ويُسَدِّدُ المشاركون مبالغ هامّة بهدف حضور المناقشات وربط العلاقات وإتمام الصفقات على هامش المنتدى، واستغلال وجود جيش الصحفيين لتبليغ بعض الرّسائل ذات الصيغة الإقتصادية أو السياسية، وتراوحت رسوم عضوية المُنْتَدَى (للشركات) سنة 2015-2016 بين 65 ألف وستمائة وخمسين ألف دولارا بين رسوم وعُضْوية، وبلغت إيرادات المُنتدى حتى 30/حزيران/يونيو 2016 نحو 235 مليون دولارا، وحول منها نحو 210 مليون دولارا إلى صندوق تابع للمنتدى، الذي يتمتع بصفة “مُؤَسَّسَة غير ربحية”، معفاة من الضّرائب، وأعلن مسؤولون اقتصاديون في مقاطعة “غراوبوندن”، حيث توجد مدينة “دافوس”، إن المنتدى وَفَّر حوالي ثلاثة وثمانين مليون دولارا للإقتصاد السويسري وأكثر من 55 مليون دولارا لفائدة الإقتصاد المحلّي سنة 2015، في رَدٍّ على من يَنْتَقِدُون تحشيد خمسة آلاف جندي وألف شُرْطي وتخصيص مبالغ تفوق عشرة ملايين دولارا لتأمين سير المنتدى…

 

المعلومات الواردة مُقْتَبَسة عن “رويترز” + “بلومبرغ” + موقع “سويس إنفو”، بمناسبة بَدْءِ اجتماعات المُنْتَدَى 17/01/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.