مصر: الهويّة والدور الملتبس – تعقيبًا على مقال عبدالله السناوي، بقلم شحادة موسى

نشرت جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 7-12-2017 مقال عبدالله السناوي المشار اليه في العنوان؛ والمقال محاضرة أُلقيت في جامعة بكين.

ومما يدعو الى التعقيب أنّ صاحب المقال/ المحاضرة من الأصوات الشجاعة التي تعبّر عن الالتزام بقضايا الأمة العربية والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، وبدور مصر فيها. ومن أجل هذه القضية تجرّأ ورفع الصوت ردًا على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما ظهرضاحكًا مع نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في نيو يورك، وهناك في الأمم المتحدة وصف اتفاقية كامب ديفيد بالرائعة؛ فكتب السناوي في 20-9-2017 أنّ هذا الوصف لم يستخدمه أحد قبل السيسي، وأن إسرائيل ليست حليفًا وكامب ديفيد ليست رائعة. ومما يدعو للتعقيب أيضًا أن مصر تحت حكم السيسي تأخذ لنفسها دورًا غير مسبوق لتصفية القضية الفلسطينية.

وقد استهلّ السناوي المحاضرة بأن لمصر دورًا يستحيل حذفه وإن كان تأثيره تراجع بعد خروج مصر من الصراع العربي- الإسرائيلي، وأنّ في العالم العربي سؤالًا يطرح نفسه دائمًا في الملمّات أين مصر. ومثالاً على ذلك ما حدث عندما احتُجز سعد الحريري رئيس وزراء لبنان في السعودية وأُعدّت سيناريوهات لإحداث الفوضى والاحتراب الأهلي في ذلك البلد؛ فأُجهضت تلك السيناريوهات الخطرة بتصريح واحد من مصر.

ثم عرضت المحاضرة التشابه بين مصر والصين على مستوى الحضارة والإرث التاريخي؛ فبعثت في الذاكرة المحاضرة الشهيرة للراحل محمد حسنين هيكل في جامعة أوكسفورد سنة 2007 التي تحدث فيها عن التاريخ والحضارة وحقيقة أن العالم أصبح اليوم عالمين، عالم الشمال وعالم الجنوب، وأنه، أي هيكل، جاء من عالم الجنوب ليتحدث الى عالم الشمال الذي ألحق كثيرًا من الأذى بالعالمين العربي والإسلامي.

وقد بدا السناوي في ذلك وكأنه يقول إنه جاء من عالم الجنوب، أو الشرق، ليتحدث الى إحدى قواه البازغة   وعلاقاتها مع العالم العربي (وليس مع مصر فقط). فقد أشار الى مدرستين في الثقافة المصرية قبل ثورة 1952 ، مدرسة الغرب ومرسة الشرق، وأن عبد الناصرحسم ذلك بالتوجه نحو الشرق؛ والآن هناك ما يدعم المضي الى آفاق بعيدة في إطار شراكة  إستراتيجية مع الصين.

بهذا العرض يتولّد انطباع بأن المحاضرة ستمضي في هذا الاتجاه، وترسم لمصر دورًا ينحاز في الانتماء نحو الشرق، ولِما تجسّده الصين من مبادئ وسياسات في رفض الهيمنة والقطب العالمي الواحد، والعمل معًا من أجل عالم يقوم على الحرية والمساواة والتعاون بين الشعوب.

غير أنّ المحاضرة بدلاً من ذلك تحدثت عن إمكانيات إقامة شراكة إستراتيجية بين مصر والصين في المعرفة والمصالح. وتحدثت عن الدور المصري في الإقليم بتوصيف مواقف مصر تجاه الأزمات القائمة في الدول العربية المشتعلة بالنار، تمامًا كما في العنوان، وهي العراق وسورية واليمن وليبيا. فالسياسة الخارجية المصرية  واضحة في بعض الملفات ولكنها تفتقد الى الوضوح الضروري في كثير من الملفات الحساسة. وفي هذا الإطار تحدثت المحاضرة عن خمسة “جياد” إقليمية تتصارع على المغانم هي مصر وإيران وتركيا والسعودية وإسرائيل. وبعد أن حدّدت تطلعات كل منها وأزمتها العامة خلصت الى أن لمصر فرصة أن تكون ضمن الرابحين الكبار اذا ما صححت الخلل في الملفات الخارجية.

وهكذا، فإن ما يوصف بدور مصر في الإقليم هو موقفها من بعض الأزمات فيه. والواقع أن موقفًا كهذا يمكن أن يكون بالفعل تعبيرًا عن دور، ولكنه قد يكون إجراءً آنيًا تقتضيه اعتبارات معينة، وقابلاً لتأويلات مختلفة. ومن هنا يأتي الغموض أو الخلل في الملّفات الخارجية المصرية كما يسمّيه السناوي. فالدور الحقيقي المتبلور هو الذي يتيح التنبؤ بسلوك صاحبه. ودور الدولة لا يحدّده موقف من أزمة وإنما تصنعه هويتها السياسية. والعامل الأساسي في تحديد هويات الدول في الوقت الحاضر هو موقع الدولة في شبكة النفوذ الإمبريالي، وموقفها من سياسات الولايات المتحدة الأميركية بصفتها القوة الإمبريالية المهيمنة على الساحة الدولية. ولهذا توصف الدول بأنها حليفة، أو تابعة، أو معادية للولايات المتحدة، أو محايدة.

أمّا الهوية السياسية للدول العربية فذات خصوصية ولا تتحدد بعوامل محليّة فقط؛ ذلك أنّ مواطني هذه الدول يرون أنفسهم أمة واحدة، ويرون الصورة العامة لأيٍ من دولهم على قدر مسؤوليتها تجاه القضايا العربية، وموقفها من إسرائيل، وعلاقتها مع أميركا وسياسانها تجاه الأمة العربية.

ولقد كانت مصر على الدوام الشقيقة الكبرى لكل العرب، يقصدها من المشرق والمغرب طلبة العلم ورجالات  الثقافة والأدب والفنون، ويلجأ أليها الأحرار المضطهدون بسبب نشاطهم في مقاومة التدخل الأجنبي أو الظلم الداخلي. وتحت قيادة عبد الناصر تحدّدت هويّة مصر السياسية بالعمل من أجل الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية والوحدة العربية، وتجسّد دورها في محاربة الاستعمار ورفض الهيمنة ودعم حركة التحررالعربية وتحقيق الوحدة بين مصر وسورية.

 والجماهير العربية اليوم تتطلع حقًا الى مصر في الأزمات والملمّات؛ فمصر هي الشقيقة الكبرى أو الأخ الأكبر الذي يُرجى منه العون (غالبًا لا يأتي)، والمثل يقول “اللي ما له كبير يشتري له كبير”؛ لكنّ هذه الجماهير عندما تتساءَل متى تعود مصر الى القيادة ففي ذهنها الجمعي صورة عبد الناصر لا غيره بصفته القائد الذي جسّد معنى الأخوّة العربية.

بعد عبد الناصر انقلبت الهويّة السياسية لمصر؛ فأسّس السادات هويّة التبعيّة لأميركا ممّا استتبع التبعيّة للركيزتين الرئيستين لأميركا في المنطقة وهما إسرائيل والسعودية. بهذه التبعيّة شارك السادات مع السعودية  في نادي السفاري لمحاربة الشيوعية في إفريقيا، وفي دعم “الجهاديين” في أفغانستان لمحاربة الاتحاد السوفياتي. وكذلك كانت الهويّة السياسية لمصر تحت حكم حسني مبارك؛ فبهذه التبعيّة شارك في دعوة أميركا للتدخل في حرب الخليج الثانية، وبها كان كنزًا إستراتيحيًا لإسرائيل. ومع ذلك يمكن القول إنّ تلك التبعيّة كانت “مستتِرة” أو صامتة، ربما بسبب المكانة الوضيعة للتابع وشعور الحاكم بالحرج لما يترتب عليها من تبعات سياسية، فسمّاها صداقة وتعاونًا.

وهويّة التبعيّة هي المفتاح للوقوف على حقيقة مواقف مصر وخصوصًا الإستراتيجية منها، تحت حكم السيسي؛ وهي التي تكمن وراء ما يبدو إرباكًا أو ما يدعوه السناوي خللاً في بعض الملفات الحسّاسة. بهذه التبعيّة جرى التنازل للسعودية عن جزيرتي تيران وصنافير بالطريقة المعروفة، وبها جرت المشاركة في التحالف الذي قادته السعودية للحرب على اليمن (المشاركة الميدانيّة بالبحرية المصرية). ووصلت هذه التبعيّة الى مستوىً غير مسبوق بالمشاركة في مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة إسرائيل، بدأت بما عُرف ب”الرباعية العربية” لفرض التصفية على الفلسطينيين بالقوة، ثمّ بالموافقة على خطة الرئيس الأميركي ترامب التي وُصفت بصفقة القرن وظهرت أولى مكوّناتها بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وأخيرًا – حتى الآن – بما قيل عن استعداد للتنازل عن أراضٍ في سيناء لتوسيع مساحة قطاع غزة وإقامة دولة فلسطينية هناك.

بهذا تصبح مصر أداة تنفيذية وليست صاحبة دور في الإقليم. وعلى المستوى الشخصي يبدو أنّ الرئيس السيسي تجاوز عقدة الحرج في إظهار التبعية؛ فقد ظهرت صورته وهو يصعد الى طائرة الملك عبدالله بن عبد العزيز ليسلّم عليه بتقبيل رأسه، وظهرت صورته مبتهجًا وهو يُعدّ مفاجأةً لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بمناسبة عيد ميلاده، ولا تغيب صورته وهو يتملّق الرئيس الأميركي ترامب في أكثر من مناسبة (يقول الإعلام المصري إنها الكيمياء بين الرجلين).

وتزداد التبعيّة الحاليّة وضوحًا بما يصدر في الإعلام، ومن مثقفين وأعضاء برلمان من تعبيرات وأساليب في المديح والترويج للثالوث الأميركي- السعودي – الإسرائيلي.

ولسوف تبقى هذه الهويّة هي التي تُملي المواقف السياسية المصرية الى أنْ تظهر قيادة تتمتّع بالرؤية والشجاعة للخروج من قيد الهيمنة الأميركية.

  •   كاتب فلسطيني

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.