أمريكا – القوة العسكرية، إحدى أهم أدوات الهيمنة، الطاهر المُعز

أعلن الرئيس الأمريكي يوم الإثنين 18 كانون الأول/ديسمبر 2017 استراتيجية “جديدة” للأمن القومي، وهي مُلَخّصٌ لوعود انتخابية، كان قد أعلنها قبل انتخابِهِ، للمحافظة على هيمنة أمريكا، بل لزيادة درجة الهيمنة على العالم، بواسطة عدة وسائل، ومنها الدولار، كوسيلة تحويل وتسديد الأموال في عمليات التبادل التجاري والمصرفي في العالم، وتستخدمه أمريكا كوسيلة للعقوبات التجارية والمالِية، إلى جانب القوة العسكرية، وهي الأهم في أدوات الهيمنة الأمريكية على العالم، واعْتَبَرَ دونالد ترامب (بلغة غير دبلوماسية) إن الصين وروسيا تُهدِّدَان  المصالح والقِيَم والنفوذ والقوة الأمريكية، بينما طلب من “البلدان الثرية تسديد تكْلفَة دفاع الولايات المتحدة عنها”، وهي الإستراتيجية التي بدَأ تطبيقها مع المشيَخات النّفطية في الخليج العربي، كما تضغط الحكومة الأمريكية على دول أوروبا وعلى اليابان وأعضاء حلف شمال الأطلسي لزيادة حصة هذه الأطراف في تمويل تصنيع الأسلحة الأمريكية، مثل الطائرة العملاقة (ومرتفعة الثمن) “إف 35″… في نفس السّياق، وبعد شهر واحد من إعلان الرّئيس، أعلن وزير الحرب (جيمس ماتيس) يوم 19/01/2018 “الاستراتيجية الدفاعية الجديدة”، واتسمت بلهجة هجومية حادة ضد روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، مع التّهديد الصّرِيح بالدّفْع نحو عودة مرحلة “الحرب الباردة” وسباق التّسلُّح، وبناء منظومة أمريكية للأسلحة “الفتاكة”، وزيادة الاستثمار  في الصواريخ والأسلحة النووية، أي حل الأزمات الإقتصادية عبر دعم الصناعات العسكرية (بالإضافة إلى قطاع رأس المال المَالِي)، وعَسْكَرَة السياسة الخارجية والتحالفات الأمريكية، والعلاقات الدّولية بشكل عام، والتي بدأت منذ سنوات عديدة، لكن إدارة “ترامب” عملت على تَسْرِيع الخطوات، عبر شعار “أمريكا أوّلاً”، لاستكمال إنجازها، وتتمثل في اعتبار المُنافِسِين أو الخُصُوم “أعدَاء” وجب تهديدهم بقوة السلاح، ما يدفع هؤلاء المُنافِسِين إلى تخصيص جزء هام من موازناتهم للتّسلّح، بدل توجيه الإنفاق نحو التنمية الإقتصادية، فتُصْبِحُ الدبلوماسية والمفاوضات أدوات ثانوية، مقارنة بالتهديد العسكري، وقوة الأساطيل التي تُحاصر الصين، أو قواعد الحلف الأطلسي (والحلف أداة عسكرية أمريكية خالصة) على حدود روسيا، مع شن الحُرُوب بالوكالة، لتهديد إيران بواسطة السعودية وأخواتها، مما يجعل السياسة الخارجية الأمريكية تتجه إلى خلق مزيد من “الأزمات”، بدل السّعْي إلى حل الأزمات الموجودة حاليا، واعتبرت إدارة دونالد ترامب إن سياسة سَلَفِهِ “باراك أوباما” أدّت إلى تراجع مكانة أمريكا، لأن الرئيس السابق فَضّل دعم سلاحي الجو والبحر (سنة 2012) لمواجهة الصين وروسيا، وتوفير 487 مليار دولار على مدى 10 سنوات، وخفض عدد القوات البرية تدريجيا من 565 ألف إلى 500 الف، وخفض عدد قوات مشاة البحرية من 202 ألف إلى حوالي 182 ألف جندي، وبلغت الميزانية المُعْلَنَة لوزارة الحرب الأمريكية 585 مليار دولارا سنة 2015 و 611 مليار دولارا سنة 2016 ونحو 619 مليار دولارا سنة 2017، لكن الرئيس ترامب رَفَعَها إلى 700 مليار دولارا، وهو رقم تاريخي، لزيادة الإنفاق على الأسلحة النووية والصواريخ “بهدف الإستعداد للحرب ولدعم التّفَوّق العسكري الأمريكي في الأرض والبحر والجو وفي مجال الحرب الإلكترونية والأسلحة الفتّاكَة…” وفق وزير الحرب الأمريكي (جيمس ماتيس)…

 

 أسفرت سياسات أوباما المتمثلة في دعم جيشي البحر والجو (منذ سنة 2012) عن نقل مركز ثقل القوات البحرية إلى آسيا ومحاصرة الصين بنحو 60% من القوة العسكرية البحرية الأمريكية الضخمة، وتأهيل القواعد العسكرية في جنوب آسيا والمحيط الهادئ، وبناء قواعد جديدة في أو تحديث أُخْرَى في أستراليا وفيتنام (عاد الجيش الأمريكي إلى ميناء داننغ بعد هزيمة 1975) واليابان وكوريا الجنوبية وكافة الجزر التي تحتلها أمريكا أو تهيمن على نظام الحكم بها، وركّزت الولايات المتحدة سُفُنها البحرية وحاملات طائراتها العسكرية في بعض المَمَرّات البحرية للتجارة الصينية، منها “سنغافورة” ومضيق “ملقة” ومضيق “تايوان”، وتتمثل أهمية هذه المضائق في عبور أكثر من 30% من الشحنات البحرية العالمية مياهها، كما تحتوي على احتياطات هائلة من النفط والغاز الطبيعي…

 

إن الخُبراء الأمريكيين يُدْرِكُون ان الصين لا تُشَكِّلُ تهديدًا عسكريًّا للولايات المتحدة، ولكنها حتمًا تُشَكِّلُ تهديدًا اقتصاديًّا، ولذلك عملت إدارة “باراك أوباما” منذ 2011 على إنجاز الشق الإقتصادي لعملية الحصار، بتوقيع أمريكا و12 دولة آسيوية اتفاقية “الشراكة عبر المحيط الهادئ”، والعمل على إنجاز الحصار العسكري، بداية من 2012 عبر إعادة نشر الأساطيل البحرية والجَوِّية في آسيا والمحيط الهادئ، وتهدف الولايات المتحدة من وراء ذلك إلى الهيمنة منفردة على العالم، في محاولة لمنع أي منافسة أو منع ظهور ما تُسَمِّيه روسيا والصين “عالم متعدد الأَقْطَاب”، مما اضطر الصين (كإجْراء وقائي دِفَاعِي) لزيادة ميزانية الدفاع بنسبة 7,6 %سنة 2016 (لتبلغ حوالي 146 مليار دولارا) وبنسبة 7% سنة 2017، كما رفعت حكومة روسيا ميزانية الدفاع سنة 2018 إلى حوالي 46 مليار دولارا، بسبب التهديد الأمريكي على حدودها وبسبب مشاركتها في الحرب في سوريا، رغم انخفاض أسعار النفط (المورد الرئيسي لروسيا) ورغم العقوبات الأمريكية والأوروبية…

 

عملت إدارة الرئيس “ترامب” على استكمال مشاريع الإدارة السابقة، بأشكال مختلفة وبصراخ إعلامي مُوَجّه بشكل أساسي إلى داخل أمريكا، وبرزت الحكومة الحالية ببراعتها في ابتزاز “الحُلَفَاء”، بذريعة ضرورة مُساهمتهم في نفقات عملية الدّفاع عن مصالحهم (مصالح “الحُلفاء”) والتي تتكفل بها الولايات المتحدة التي عقدت صفقات بيع سلاح في المنطقة لكل من كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا والهند، بذريعة “التصدي للنفوذ الصيني في آسيا”…

 

لم تعد الولايات المتحدة تُشِير إلى ضرورة ردع الأعداء (الحقيقيين أو المُحْتَمَلِين أو المُخْتَلَقِين) بل للإستعداد للحرب والتّهديد الصريح بها، مع استخدام كافة أنواع الأسلحة النووية أو البيولوجية أو الكيمائية، وتحديث ما أصبح قديمًا، وفي نطاق هذه التهديدات المُباشرة أعلن أحد كبار ضُبّاط جيش الجو عن تصنيع قنابل نووية مُصَغّرة، قادرة على تدمير المُدُن، وعن برنامج بقيمة تريليون دولارا لتحديث السلاح النووي الأمريكي، وفق صحيفة “إنترناشيونال بزنس تايمز” (آب/أغسطس 2017)، وأكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” (الموقع الإلكتروني بتاريخ 16/01/2018) إشراف الجيش الأمريكي على إنجاز سلاح نووي سيقع تركيبه على غواصات تستخدم صواريخ قريبة المدى من طراز “ترايدنت 2″، وبدأت أمريكا تنصيب درع صاروخية (في أيار/مايو 2016) بتكلفة 800 مليون دولار في رومانيا وبولندا، أي على حدود روسيا، إضافة إلى منصات صواريخ أرض-جو وسفن ومنظومات تجسس ومراقبة (رادار) تُغَطِّي كافة الأراضي الأوروبية، وأعلن دونالد ترامب (آذار/مارس 2017) أعن تعزيز الاسطول الحربي البحري وزيادة عدد السفن والغواصات وحاملات الطائرات من 274 إلى 350 “خلال السنوات القليلة المقادمة”…

 

نَشَر الكاتب الأمريكي “ديفيد فاين” سنة 2015 كتابًا بعنوان “أُمَّةُ القَواعِد”، ورَصَد قرابة 800 قاعدة عسكرية أمريكية في الخارج، ويوجد بعضها في أوروبا (وأضخمها في إيطاليا وألمانيا) وبلغاريا ودول أوروبا الشرقية والغربية على حد السواء وفي المحيط الهندي والمحيط الهادئ وفي افريقيا (لا يعرف الكثير من سكان افريقيا ان النيجر وبوركينا فاسو وغيرها تحتضن قواعد عسكرية أمريكية)، وفي الخليج العربي وفي بحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية والوُسطى (هندوراس وكولومبيا…)، ويُقَدّرُ الكاتب تكلفة تسيير هذه القواعد بنحو 100 مليار دولار، وتبلغ تكاليف البُنَى التحتية لهذه القواعد 85 مليار دولارا سنة 2014، واستخدمت الولايات المتحدة بعض القواعد لدفن نفايات ومواد كيماوية خطيرة، وللتجسّس على أَوْفَى الحُلَفاء في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وتسبب بناء القواعد الامريكية في نهب أراضي صالحة للزراعة أو للبناء في “دييغو غارسيا” (في المحيط الهندي) وتشريد المواطنين، أصحاب هذه الأراضي، أو من كانوا يعملون بها، ورَحّلت أمريكا مواطني الجزيرة إلى جزيرة “موريشيوس” وأرخبيل “سيشل” على بعد حوالي أَلْفَيْ كيلومتر من بلادهم، أما في بلدان أخرى مثل كوريا الجنوبية والفلبين واليابان فقد أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية مركزًا لنشر الاتجار بالبشر وسوء المعاملة والإغتصاب وجرائم القتل دون إمكانية تدخل القضاء، لأن الجنود الأمريكيين في القواعد العسكرية يتمتعون بحصانة مُطْلَقَة…

 

تُمَثِّلُ تركيا حلقة رئيسية في استراتيجية الحلف الأطلسي، وتُمثل قواعد الحلف هناك حلقة هامة في البرنامج العسكري “الأطلسي”، فيما يحتل الكيان الصهيوني المكانة الأولى في استراتيجية الهيمنة الأمريكية على الوطن العربي والمنطقة المحيطة (وتشمل إيران)، وتعتبر دولة الإحتلال الوكيل المُعْتَمَد والموثوق في المنطقة، مما يُفَسِّرُ الإحتقار الذي يُظْهِرُهُ “دونالد ترامب” تجاه العُملاء من درجة ثانية أو ثالثة (دول الخليج وحكومات مصر والأردن…)، وكانت الولايات المتحدة قد وافقت سنة 2016 (إدارة باراك أوباما) على زيادة الدعم العسكري (المجاني) للصهاينة خلال العقد القادم من 31 مليار دولارا إلى 38 مليار دولار (من الدعم الحكومي إضافة إلى “تبرُّعات أخرى بقيمة تناهز 3,5 مليار دولارا سنويا)، وتزويد الجيش الصهيوني بالأسلحة الحديثة التي لم يحصل عليها أعضاء الحلف الأطلسي (رغم تمويلهم لتصنيعها) من بينها طائرة “إف 35″…

 

يُرجى مُراجعة مقالات سابقة بدأت سنة 2006 أو 2007 بشأن السياسة التّوسّعية الأمريكية ومنها مقال عن “أفريكوم” (برنامج عسكري أمريكي خاص بقارة إفريقيا)، ومقل عن برنامج “ميبي”، وهو برنامج إيديولوجي أمريكي (يقع مَقَرُّهُ الرئيسي في تونس والثني في أبو ظبي)، يستهدف غسيل دماغ شباب الوطن العربي وتحويلهم إلى طابور خامس، ومقال عن الإستراتيجية الأمريكية خلال رئاسة باراك أوباما، خصوصًا تحويل مركز الثِّقل العسكري إلى آسيا…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.