عريقات و “حل الدولة الواحدة”! عبد اللطيف مهنا

من مفارقات الراهن، وفي مثل هذه المرحلة المتفق على كونها الأخطر، بل والأسوأ، التي تمر بها القضية الفلسطينية، ومعها الأمة العربية بشكل عام، أن تجد نفسك احياناً، ولأول مرة، متفقاً في رؤية ما مع من لم تتفق معهم يوماً في مجمل رؤاهم المتعلقة بالصراع أو مواجهة المرحلة. مثل هذا ما حدث لمثلي عقب سماعي ببعض ما دار في مقابلة أجرتها القناة التلفازية الثانية في الكيان الاحتلالي مع الدكتور صائب عريقات، القيادي البارز في المنظمة وفي حزب السلطة في رام الله تحت الاحتلال، والمعرَّف خلال العقدين الأخيرين الأعجفين، اللذين شهدا جولات التفاوض المتقطع من اجل التفاوض، بكبير المفاوضين الفلسطينيين، وصاحب النظرية الشهيرة “التفاوض حياة”.

من المدهش، والأصح المضحك المبكي، أن بعض ما قاله الدكتور عريقات أخيراً، أو اعترف به بعد طول “مسيرة سلمية”، وفي هذه المقابلة بالذات، هو ما كنا من بين كثيرين لطالما دأبوا على قوله، ولم يكن يصعب على أحد أن يتنبأ به منذ أن بدأت هذه المسيرة الكارثية، كما ولا يختلف معه عليه الآن أحد في الشعب الفلسطيني…

في معرض اجابته على أسئلة محاوره المتعلقة بحال السلطة قال: إنني “اعتقد أن الرئيس الحقيقي للشعب الفلسطيني هو وزير الجيش افيغدور ليبرمان، أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو منسّق شؤون الحكومة في المناطق المحتلة الجنرال بولي مردخاي”! وليدلل كبير المفاوضين على ما يقوله، ضرب مثلاً معروفاً وشائعاً، وهو كون رئيس السلطة “لا يمكنه التحرُّك من رام الله دون إذن مردخاي وليبرمان”! ولم يكتفِ صاحب نظرية “المفاوضات حياة”، والتي افرد لشرحها كتاباً بكامله ذات يوم وكانت عنوانه، بما صارح به مشاهدي القناة من المحتلين، بل وزاد فأخبرهم بأنه يتوقَّع “اختفاء السلطة برمتها قريباً، ولن يكون لها أمل في الحياة”.

 أزعم هنا أنني أرى هدفاً كامناً وراء مثل هذه الاعترافات المدهشة، وليست اكتشافاً مفاجئاً، أو افاقةً متأخرةً داهمت رموز نهج لازال يصر على موالاة توجُّهاته إياها منذ ربع قرن، رغم كل الدواهي التي أوصلت اصحابه ومعهم القضية لواقع ماثل تختصر مأساويته هذه الاعترافات. إنه التمهيد لما أراده الوصول إليه حين زعم بأن “الفكرة الدارجة اليوم في الشارع الفلسطيني هي فكرة الدولة الواحدة ذات الحقوق المتساوية”…عريقات سلَّم ضمناً بنهاية وهم “حل الدولتين”، الذي سبق وأن صدَّع بمعزوفته رؤوس شعبه طوال مسيرة “المفاوضات حياه”، وبدأ في ضبط ايقاعاته على رتم معزوفة بديلة تصاعدت نغماتها في رام الله مؤخراً وهي “حل الدولة الواحدة”!!!

أن يعترف بأن رئيسه الفعلي هو ليبرمان ورئيس وزراء سلطته مردخاي، قلنا أننا نتفق معه عليه، ولا يختلف عليه أحد في الشعب الفلسطيني، لاسيما في الضفة بالذات، أما حكاية اختفاء السلطة من عدمه فرهن بدورها الوظيفي بالنسبة للمحتلين، وهو احتلال بلا كلفة، والذي لا نقوله نحن فحسب، فحتى رئيس السلطة نفسه قاله في اجتماع المجلس المركزي، الذي انفض ليلوذ بكهفه من جديد ولحقت به قراراته، ثم دورها الأمني في حفظ أمن الاحتلال عبر ما يدعى “التنسيق الأمني”، وهى إن اختفت كما يتوقع عريقات، أو أراد لها الاحتلال اختفاءً، ففي شكل جديد ينسجم مع رؤاه لتصفية القضية وبما يحفظ له المردود ذاته من وجودها الراهن الوظيفي، لاسيما دورها الأمني، الأمر الذي تحاول “صفقة القرن” الغارقة في غموضها التكفُّل به، لكنما مشكلتها أنه لم يتبقَ للأوسلويين ما يتنازلون عنه، ومن ثم لم يعد بإمكانهم قبول اشتراطاتها التصفوية…ربما نوع ما من البانتوستانات ضمن “حل الدولة الواحدة” ينظر إليه على أنه سيتكفل بحل هذه المشكلة!!!

مقابلة عريقات في القناة الاحتلالية الثانية كانت حقاً ذات شجون بحيث انتهت إلى نوع من أنواع الكوميديا السوداء، ففي اجابته على سؤال حول السر في هذا التغيير الدرامي في خطابه صارح سائله بأن احد الشبان طالبه قبل اجرائه لعملية زراعة رئة قبل أشهر في الولايات المتحدة بعمل “زراعة لسان جديد، بدلاً من مواصلة خداع الفلسطينيين طوال هذه السنوات”، ويضيف بأنه “بات مقتنعاً بهذه الفكرة”!!!

رحلة ابي مازن الأخيرة لتدويل الحلول وعلو سقف معارضة خطابه في مجلس الأمن لاحتكار الأميركان لمشاريع التصفية، ومطالبته ب”آلية متعددة الأطراف” وهم  طرف من أطرافها، وعبر “مؤتمر دولي للسلام”، لن يكون إلا إذا وافقوا هم والمحتلون عليه، ومؤكداً، نحن “لم نرفض ولا مرة واحدة دعوة للمفاوضات”، ليس في حصادها شبهة ما يتناقض مع اعترافات عريقات، أو يقلل من اشتباهنا باستهدافاتها المشار إليها.

لذا، “اتبعته المندوبة الأميركية، وهو يغادر قاعة المجلس بعد فروغه من القاء خطابه، “لن نجري ورائك، وعليك أن تعرف التالي: هذا القرار (اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لمحتليها) لن يتغيَّر”…ويعلق نتنياهو: في خطابه “لم يأت بجديد”، ويعقّب بينت على حميِّة هيلي: إن “إسرائيل لم تعد تخشى حلفائها في العالم”، وسياستها “هي الاشتراط على الحلفاء بدعمها في الحلبات الدولية”!

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.