أحمد حسين … وغسيل عُراة الكنيست وصرخات الدولة الواحدة، عادل سمارة

نعيد نشر هذا الأثر الأثير للرفيق احمد حسين ليس من باب المحبة والوفاء وحسب ولكن من باب مقاومة الصد والرد على مشروع غسيل أعضاء الكنيست كي لا يخترقوا محور المقاومة مجدداً. ذلك لأننا نعيب وبوضوح تعويم متعاقد لأنه زعم الوقوف مع سوريا، رغم أنه غدر بها كثيرا في وقت لا يفصلنا عنه وقت طويل. لن أكرر المضمون العميق للمرتحل أحمد حسين، أنصح من يحمل همَّ الصد والرد أن يقرأ ليبقى عروبياَ.

■ ■ ■

“كنعان” النشرة الإلكترونية بتاريخ 28 أيلول (سبتمبر) 2015 (السنة الخامسة عشر، العدد 3945)

عزمي بشارة

ديك حسن الصوت تزوج من عشر دجاجات ، كن يعتقدن أنه حصان برلماني . وكان هو وحده فقط يعرف الحقيقة . 
كل عضو كنيست عربي هو طبعا مفكر قومي ووطني . ولكن عزمي كان مفكرا قوميا من طراز متفوق . فهو كما قال الأعمى الشعوبي بشار كان حسن الصوت . و “عندما أحس بأن الجماعة سيعتقلونه ، هرب إلى الأردن “. أي إلى أرض إسرائيل الشرقية .
كنت أعرف عزمي جيدا كمفكر قومي من الطراز البرلماني المتفوق ، لذلك لم يكن محتملا أن تكون بيننا علاقة شخصية تذكر من الجانبين . ولكنه وصف في إحدى مقالاته القومية تركيزي الشديد على إنكار أن الإسلام سابق للعروبة ، وإصراري أن كل حضارات المنطقة السامية المؤسسة هي بالقطع التاريخي العرقي والبنيوي حضارات عربية ، وأن الفلسطينيين هم امتداد للأصل العربي الكنعاني صاحب الأولية التاريخية في فلسطين ، وأن اليهودية هي هامش أسطوري كنعاني ….. وصف ذلك بتعال متجاوز أنه ” هزة بدن ” . ورددت عليه بمقال مطول نشر في موقع ” أجراس العودة ” بينت فيه أن “وعيه” القومي يتطابق جيدا مع مشروعه التعاقدي الصهيوني ، كعضو سابق في الحزب الشيوعي الإسرائيلي . ثم كففنا عن ذلك ، هو خوفا من الإنكشاف وأنا قرفا من النموذج .
كنت عضوا في جمعيتين أهليتين هما ” الصوت لنشر الوعي التقافي الفلسطيني ” و ” جمعية انصار السجين ” أبرز أعضائهما المرحومين منصور كردوش وصالح برانسي رجلا حركة الأرض المحظورة . وكان عزمي بشارة ، في ذلك الحين ، شيوعيا ” مطرودا ” ولم يصبح بعد عضوا للكنيست . وفي أحد الأيام جاء الأخ صالح برانسي ليقول بحماس شديد أن عزمي بشارة يريد أن يجتمع بأعضاء الجمعيتين لبحث إنضمامه إلى ” الحركة القومية الإشتراكية ” التي أنشأناها بمواصفات قانونية ، فقط تحايلا للحصول من خلالها على ترخيص بإصدار صحيفة . لم ننجح في إقناع صالح برانسي أن عزمي بشارة يريد أن يصبح حصانا برلمانيا ، وأن اللعبة تافهة ورخيصة هدفها الركوب على الموجة القومية من خلال منصور كردوش وخلاله كأبرز القوميين على الساحة . وأنه سيعزز بهما أهليته القومية ، ثم يسقطهما في الطريق إلى مخدعه البرلماني . وأصر صالح على موقفه من عقد الإجتماع مع بشارة . وأصررت مع بعض الأعضاء الآخرين على الرفض . بينما لزم منصور الصمت كعادته في الأزمات . وأخيرا قررنا احتراما لصالح وتلافيا للإنقسام أن نحضر الإجتماع بشرطين :
1- ألاّ يعقد الإجتماع في مكتب الجمعيتين . (تبين لنا بعد ذلك أن هناك اتفاقا بين صالح وعزمي لعقده في أحد فنادق الناصرة ) .
2- أن أقوم شخصيا ، بكتابة ورقة عمل تحدد بنود البحث في الإجتماع ، وتوزع على الجميع قبل بداية الجلسة . وقد اتفق الجميع على ما ورد فيها من بنود . وكان البند الأول يقول أن هذا الإجتماع لا يشمل بحث قضية العضوية في الكنيست لأنها غير ” ممكنة وغير واقعية في هذه المرحلة ” .
وحينما حضر عزمي بشارة ، وزعنا الورقة ، وانتهت الجلسة بدون كلمة واحدة . قال أنه سيدفع ثمن القهوة ومضى . وعرفت فيما بعد أنه طلب من صالح استثنائي من حضور الإجتماع ، ووافق معه المرحوم ، ولكن منصوررفض . على الأقل هذا ما وصلني ، وأميل إلى تصديقه . كما أن هناك قضية أخرى لابد من ذكرها حتى لا تكون إجحافا بحق أحد . من الذي بادر للإتصال بالآخر ، المرحوم صالح برانسي أم عزمي بشارة ؟ لا أعرف .
هاتان التجربتان لم أكن بحاجة إليهما لأعرف أن عزمي بشارة لا يختلف عن غيره من الفواصل ، ولكني لم أعرف أنه يُعَدّ ليكون نقطة وقف ، وجزءا من الإعداد للربيع العربي ” الثوري “. وحتى بعد حادثة ” هربه إلى الأردن ” لم أتخيل أنه جزء من مشروع بهذه الضخامة . وأنه سيكون سفيرا فوق العادة للمشروع الصهيومريكي في العالم العربي .
ما لفت نظري بدون تردد ، في حركة عزمي بشارة المفاجئة، أمران لا تخطؤهما أية سليقة سياسية عفوية :
أولهما أن عزمي بشارة لو كان من ملوك الجان فلن يستطيع ” الهرب ” من البلاد بدون علم أجهزة الأمن الإسرائيلية .
أن “هربه ” إلى الأردن كان كالذي يهرب من طرشيحا إلى تل أبيب . وأنه حتى من الناحية الشكلية لم يكن ” يهرب ” . فالأردن محمية أمنية إسرائيلية ، والنظام غير قادر على حمايته من ” البوليس ” الإسرائيلي حتى لو أراد . وكلنا نذكر مسرحية ترسيم خالد مشعل سفيرا متجولا بمشاركة من النظام الأردني الذي ” أجبر ” إسرائيل على إرسال الترياق ضد إبرة السائل التي دخلت خالد مشعل . ومع ذلك من يستطيع أن يتوقع أن عزمي بشارة وخالد مشعل ، هما راسبوتين عربي ، وراسبوتين إسلامي ؟
كنت أيامها أكتب في موقع التجديد العربي الذي تموله السعودية ويكتب فيه كل افندية القومية العربية البارزين والناشئين . وكتبت رأيي في خطوة عزمي، من وجهة نظري ، بدون تحفظ . ولكن حينما كتبت مقالي ، كان القوميون العرب بقيادة معن بشور والمؤتمر القومي العربي ، قد دخلوا في حالة تفرغ احتفالية للترحيب بعزمي بشارة المفكر القومي العربي الفذ ، الذي تحدى النظام الصهيوني وانتصر عليه . واستفزني هذا البؤس القومي والوعيوي الميداني ، فواصلت الكتابة بدون تحفظ رغم انعدام الجدوى . وتجاوزت كما يبدو حدود ما يجيز التطفل لأمثالي ، فانتهى الموقف بوقفي عن النشر في التجديد العربي بطريقة مهذبة ، وبإعلان المؤتمر القومي العربي عن المفكر العربي الكارثي ، عزمي بشارة رئيسا فخريا للمؤتمر ، بعد أن اعتذر عن الرئاسة الفعلية بسبب انشغالاته الفكرية الإكاديمية .
وكان عزمي بشارة كما يبدو يعاني من ميول إسلامية ملحّة . فاختار قطر مقرا ، والقرضاوي أبا روحيا ، ولكنه لم يتنازل عن شغفه القومي ، فعاود زيارة دمشق التي كان قد زارها قبل ” هروبه “، متحديا . وحظي هناك باستقبال الأبطال ، وبمقابلات عالية المستوى كما قيل .
الإفلاس السياسي وحده هو الذي دفعني الآن للكتابة عن عزمي بشارة . فليس هناك ما يُكتب عنه بعد أن بلغ ما بلغ . والكتابة عن حجم الهرم الأكبر سخافة المفلسين سياسيا أمثالي . وعزمي بشارة على صغر حجمه أكبر من الهرم من حيث حجمه الوظيفي . وأتمنى لو يكف عزمي عن تعاليه الأكاديمي عليّ ، وينكر شيئا مما قلته ، وسأكون له على ذلك من الشاكرين . ولكن شوف عاد… !

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.