انتخابات إيطاليا، الطاهر المعز

أظهرت نتائج الإنتخابات العامة (04/03/2018) اندثار الأحزاب التقدمية وغياب برامج تدافع عن الفقراء والطبقة العاملة والأُجَراء بشكل عام، إذْ تصدرت حركة الخمس نجوم نتائج الانتخابات بنسبة 33% من الأصوات، وارتفع عدد ناخبيها بمليوني صوت مقارنة بانتخابات 2013 بسبب الخطاب “الشّعْبَوِي” الذي يدعي مناهضته للأحزاب التقليدية وللإيديولوجيات، ويدعي أنه لا يميني ولا يساري، لكن التّمعّن في برنامجه يُظْهِرُ أنه حزب يميني ليبرالي، حيث يقترح وضع حد لنظام الضريبة التصاعدية على الدّخل، وإلغاء عدد من الرسوم والضرائب على أرباح الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم (بما فيها التي تُشَغِّلُ أكثر من ثلاثة آلاف عامل)، تحت ذريعة مكافحة الاحتيال والتهرب من تسديد الضرائب. أما في البرلمان الأوروبي، فإن حركة الخمس نجوم عضو في “مجموعة أوروبا للحرية والديمقراطية المباشرة”، حيث يوجد رموز اليمين المتطرف من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها…

 

لقد سبق أن حققت هذه الحركة نتائج باهرة خلال الإنتخابات البلدية وفازت في روما وتورينو وبعض المدن الكبرى، ويَظْهَر التّناقُضُ بين برنامج الحركة وانتهازية زُعمائها ودفاعهم عن أصحاب الشركات (الصغيرة والمتوسطة) والجذور الطبقية للناخبين، أولئك الذين يصوتون لهذه الحركة والذين يعيشون في كثير من الأحيان في المناطق النائية (في الجنوب الفقير) وضواحي المُدن الكبرى، واستغلت هذه الحركة غَضَب السكان (والفُقَراء بشكل خاص) ضد الطرفين اللذين حكما إيطاليا لمدة 25 عامًا، ولكن غياب برنامج وحزب ثوري أو حتى تقدمي، أدّى إلى ارتفاع نسبة التصويت لصالح اليمين المتطرف مثل رابطة الشمال (التي حذفت عبارة “الشمال” مُؤَخّرًا) وحزب برلسكوني وحركة الخمس نجوم التي حققت نسبة 49% في الجنوب الفقير (الذي كان يُصَوت لصالح المسيحية الديمقراطية ثم لبرلسكوني)…

 

ورد في عدد من ملصقات حركة الخمس نجوم ومناشيرها التي وزعتها خلال الحملة الإنتخابية عبارات عديدة ومُقْترحات معادية للمهاجرين، ووردت في خطابات زُعماء الحركة وُعُودٌ بإعادة المهاجرين إلى أوطانهم، وانتقد زعماؤها بِشِدّة المنظمات التي تقوم بإنقاذ المهاجرين المُهَدَّدِين بالغرق في البحار، وبدلا من محاربة المافيا التي تستغل المهاجرين، فإن زُعَماء الحركة يُهاجمون المهاجرين، ويُحَمِّلُون الضّحايا مَسْؤُولية ما يَقْتَرِفُهُ جُناة ومُجْرِمو المافيا والمُهَرّبُون.

 

تُعتبر حركة الخمس نجوم حزبًا انتهازيًّا، دون مبادئ (بل بمبادئ يمينية رجعية)، يُطلق بعض الوعود التي لن يستطيع تحقيقها (مثل حد أدنى للدخل)، وانتقلت من حركة مناهضة للنظام (سِسْتَام) ترفض الحكم كما ترفض أي تحالف، إلى منظمة تُجِيد التلاعب بمشاعر الناخبين مُصَمِّمَة على مُمارسة السّلطة، ولو من خلال حكومة أَقَلِّيّة، وتتمسك بالحكم، وهي الآن أول حزب إيطالي، بقرابة ثلث الأصوات (33%) ما يمُكنها 221 مقعد في البرلمان و112 عضو في مجلس الشيوخ، لكن لكي تحكم الحركة وجب البحث عن حُلَفاء، ونرًا لغياب اليسار، فلن تكون الحكومة سوى من اليمين واليمين المتطرف.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.