زيارة القدس والمتاهة الفلسطينية، شحادة موسى

أودّ في البداية أن أُشير الى أنني لا أكتب نقدًا للسلطة الفلسطينية أو رئيسها؛ لأنني أرى في الانتقاد قبولًا ولو ضمنيًا بهذه السلطة، لا ينزع الشرعية عنها ولا الصلاحية عمّن ينبغي مساءَلتهم ومحاسبتهم.

أمّا عن الدعوة الى زيارة القدس، التي ابتدعها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، فالموضوع مختلف وليس بالبراءة التي تبدو عليها الدعوة، ولا تنحصر القضية في كون الزيارة تطبيًعا من عدمه. فرئيس السلطة لا يترك مناسبة إلاّ ويكرّر دعوة العرب والمسلمين الى زيارة القدس؛ والمناسبة الأخيرة كانت المؤتمر العالمي لنصرة القدس الذي عقده الأزهر الشريف (القاهرة: 17 – 18 يناير 2018). وهو يبرر دعوته بأن في الزيارة دعمًا ماديًا ومعنويًا لأهلنا في القدس، وبأنّ زيارة السجين لا تعني زيارة السجّان. وأعوان الرئيس لا يكفّون عن ترديد ما يقوله عن أهمية زيارة القدس ودعم أهلها. ومنهم من يُعطي للزيارة بعدًا دينيًا مثلما يفعل مستشار الرئيس للشؤون الدينية وزير الأوقاف السابق في السلطة (محمود الهباش) الذي يُسهب في الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن قدسية المدينة وشدّ الرحال الى المسجد الأقصى، فيرفع من شأن الزيارة الى مستوى الفريضةً على المسلمين.

ومع أنّ هذه الدعوة تتكرر منذ سنوات، إلاّ أنه لا توجد أي معلومات عن مدى الاستجابة لها إن كان هناك من استجاب، وما هو عددهم ومن أي بلدان. ثمّ أليس من المستغرب أننا لم نسمع أنّ أحدًا من الذين استمعوا الى الدعوة قد وجّه الى محمود عباس سؤالًا بسيطًا  وضروريًا عن كيفية القيام بالزيارة لمن يريدها، أو أن محمود عباس أو أحد أعوانه كلّف خاطره ووضّح الخطوات أو الإجراءات المطلوبة من  الزائر كي يتمكّن من الزيارة!

وبدون الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها ذات الصلة تصبح الدعوة بلا معنى؛ فمن الطبيعي أن تُثار أسئلة، مثل: هل يحتاج الزائر الى تأشيرة دخول الى القدس؟ وهل بإمكان سفارات السلطة الفلسطينية الموجودة في بلدان كثيرة أن تمنح هذه التأشيرة، أم أنّ لدى السلطة أساليب أخرى تساعد على تيسير الزيارة؟

ما يدعو الى طرح هذه الأسئلة أنّ محمود عباس يعرف أنّ السلطات الإسرائيلية هي وحدها التي تملك سلطة الإذن بالدخول الى الضفة الغربية والقدس أو الخروج منها. وهو يعرف أنّ الدول العربية (ما عدا مصر والأردن) في حالة عداء رسميٍّ مع إسرائيل، ويُفترض أنّ في هذه الدول مكاتب لمقاطعة إسرائيل بموجب قرارات جامعة الدول العربية. والمواطن، في أي من هذه الدول، الذي يذهب الى إسرائيل يُعدّ مخالفًا للقوانين المرعيّة بهذا الشأن ومن ثَمَّ يخضع للمحاكمة الجنائية.

إذن لماذا هذه الحماسة لزيارة تبدو مستحيلة؟ ربّما كان في الأمر خدعةً تستخدم قضيّةً نبيلة لتحقيق هدف غير نبيل؛ وذلك على غرار ما حدث عام 1988 بإعلان استقلال فلسطين الذي لم يكن سوى وسيلة لتمرير قرار الاعتراف بإسرائيل. لقد كان محمود عباس ومعه آخرون آنذاك يريدون قرارًا من المجلس الوطني يعترف بإسرائيل، ولم يكن ذلك ممكنًا إلاّ إذا “طُعِّم” بقرار وطني (بحسب تعبير عباس). فكان ذلك الطُعم إعلان الاستقلال الذي يُعدُّ هدفًا وطنيًا عظيمًا. وقد نجح “المتآمرون” في ذلك، وصدر قرار الاعتراف بإسرائيل من ممثلي الشعب الفلسطيني الذين صفّقوا لذلك القرار وهم يظنون أنهم يصفقون لإعلان استقلال فلسطين (كتاب طريق أوسلو، ص 41).

ويبدو أن هذا هو المرمى الحقيقي من الدعوة لزيارة القدس. فهي تتوجَّه الى المواطنين العرب وتدعوهم للتحرك والضغط على حكوماتهم كي تعمل على تمكينهم من تأدية هذا الواجب الوطني والديني. وذلك لا يتأتى إلّا باعتراف هذه الحكومات بإسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية معها تمهيدًا لوضع الترتيبات اللازمة لتسهيل الزيارة.

وهكذا فالمأمول من الدعوة جعل الشعوب العربية، وليس الحكومات، هي التي تبادر بالدعوة الى الاعتراف بإسرائيل من أجل هدف نبيل هو زيارة القدس لدعم أهلها العرب وتأدية واجب ديني، وبذلك يأتي الاعتراف بإسرائيل استجابةً لإرادة الشعوب. فهل هناك ما هو أعظم مكرًا ودهاءً من هذه الأحابيل؟

وعوْدٌ على بدء؛ لقد أُقيمت السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو لتكون في خدمة المشروع الصهيوني وليس لمجابهته. وأداء هذه السلطة منذ قيامها لم يخرج عن هذه الوظيفة. وقد آن الأوان كي يتوقف الكتّاب الوطنيون عن انتقاد السلطة وأداء رئيسها، وأن يتوجهوا الى إدانتها وتغييرها؛ فالمشكلة ليست في أداء السلطة بل في وجودها ووظيفتها.

ولقد وصّفَ أنيس صايغ مبكّرًا طبيعة هذه السلطة وحدودها فقال: اليد التي استسلمت لا تصلح لأن تبني انتصارًا، يد الحرام لا تفعل خيرًا.

تلك اليد لم تقف عند حدّ الاستسلام بل تحولت الى أداة تتماشى مع المشروع الصهيوني والسياسات الإسرائيلية. وستظل هذه السلطة – الأداة على حالها الى أن يظهر من يُخضعها للمساءَلة والمحاسبة، ويفتح الطريق لخروج القضية الفلسطينية من المتاهة التي أدخلتها فيها منظمة التحرير.    

  • كاتب فلسطيني

     

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.