الحرب على سورية حرب على الحضارة، د. مروان فارس

خلال سبع سنوات من القتال المرير سقط عدد كبير من الشهداء في صفوف الجيش السوري وحلفائه، ومن المدنيّين، ذلك لأنّ حرباً شعواء شُنّت من أكثر من ثمانين دولة في العالم. وفي مقدّمة هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية مع حلفائها الغربيين كافة والدولة التركية، بحيث أرسلت كلّ هذه الدول جميع الفارّين من وجه العدالة لإسقاط سورية، وفي المقدمة نظامها، وذلك لأسباب عديدة أبرزها أنّ الغرب الاستعماري حاول إسقاط الدولة السورية، لأنها وقفت إلى جانب فلسطين وقضيتها المركزية. وقد حاول الغرب إسقاط هذه القضية من الذهن الغربي ومن ذاكرة الأجيال السابقة واللاحقة. وحده الرئيس المرحوم حافظ الأسد، ومن بعده الرئيس بشار الأسد، أكدا مركزية القضية الفلسطينية. إذن فلسطين هي القضية في الحرب وفي السلم، لأنها جوهر القضية القومية.

فالحرب على سورية هي في جوهرها حرب على الحضارة لآلاف السنين. إنّ دمشق ليست فقط مدينة قديمة. إنها مدينة المدائن في أصالتها وفي استمرارها في العطاء والتشبّث بالأرض وفي التشبّث بالحرية وبحركة الصراع.

إنّ حركة الصراع في سورية تشارف على نهايتها. الإرهابيون يقتلون في كلّ مكان ويهربون من حي إلى حي ومن منطقة إلى منطقة، بما يعني أنّ سورية قادت حرباً طاحنة ضدّ الإرهاب. وأخطر ما في الأمر أنّ الغرب الذي يدّعي مقاتلة الإرهاب، وبجانبه الأنظمة الرجعية العربية وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية، وجميعهم يدّعون مواجهة الإرهاب بينما هم الذين يدعمونه في سورية. إلا انّ حركة الإرهاب التي تمّت تصفيتها في القلمون ورأس بعلبك وعرسال بدأت تنتقل من مدينة إلى أخرى، حتى بلغت الغرب ذاته في ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا. وليس غريباً ما يحصل في المدن الأميركية من جرائم واعتداءات على أطفال المدارس والأبرياء في البيوت الآمنة. كلّ ذلك من صناعة الغرب الاستعماري، حتى أنّ مفهوم هذا الغرب الاستعماري بدأ يتساوى ومفهوم الإرهاب.

سورية تنتصر رويداً رويداً على المؤامرة. إنها الآن على مشارف انتصارات كبرى في جميع المحافظات، ولذلك سوف تكون كبرى هذه النتائج بدلالاتها المتعدّدة. وأولاها أنّ الحرية تكمن في الصراع، وأبرز وجوهه أنه تعبير عن حقيقة أنّ الأرض هي لشعبنا في فلسطين وليست لليهود. كما يقول الآن بعض الأمراء السعوديين. فليس هناك حق لليهود في فلسطين. الأرض تعود للشعب الفلسطيني ولا تعود لليهود. فإذا كانت هناك مصالح تجارية واقتصادية بين دولة العدو الإسرائيلي وبعض الدول العربية وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية، فهذا لا يعني أنّ ملكية الأرض تغيّرت. فلا يغيّرها أحد في هذا العالم، لأنّ في ذلك تغييراً لحقيقة الجغرافيا ولحقيقة التاريخ. فالسعوديون الآن بموقفهم هذا يشكلون اعتداء كبيراً على الواقع والتاريخ. الأرض لفلسطين وفلسطين للفلسطينيين وليست لليهود.

تتمثل في ذهن الأجيال العربية الجديدة واقعة النضال الذي خاضه الجيل القديم المتمسك بالحق التاريخي في أرض فلسطين. وهذا الحق لا يمكن لأحد أن يمسّه حتى ولو كان أميراً أو ملكاً او سلطاناً، إلا أنّ المعركة الراهنة بين العرب واليهود لا تقتصر على أرض فلسطين. الآن تتمّ المواجهة الحقيقية بين الشعب الفلسطيني الذي يتظاهر كلّ يوم ويقاتل في سيناء وفي غزة وفي أراضي 1948. إنه يقاتل في كلّ مكان لأنّ عودة فلسطين إلى شعبها لا تتمّ إلا بالقتال. إنّ الشباب والشابات الفلسطينيين يواجهون كلّ يوم ولا يُقهرون، ولو سُجن بعضهم. فالسجن لم يجعل البطلة الفلسطينية عهد التميمي تتراجع أمام محاكم الاحتلال الإسرائيلي. فهي كما صفعت الجنود الإسرائيليين ولم تهَبْهم، فهي تصفع كلّ يوم قضاة تلك المحاكم مهما علا شأنهم. التميمي وغيرها من المناضلات والمناضلين والمقاتلين والشهداء سوف يصنعون الحرية لفلسطين.

أما الأنظمة العربية فحدّث ولا حرج. تتآمر بلا حدود، وأخطر ما في تآمرها هو تعميمه على الأنظمة العربية كافة علّهم يقهرون الشعوب العربية التي ما زالت تعتقد أنّ الحقوق في فلسطين غير قابلة للتصرف وليس لأيّ نظام أو حاكم ان يلغيها من التاريخ.

يقول نيتشه: إنّ التاريخ يكتب نفسه مرتين. مرة بشكل مأساة ومرة بشكل مهزلة. الحكام العرب في هذه الظروف التاريخية يصنعون المآسي والمهازل على السواء.

عضو الكتلة القومية الاجتماعية في البرلمان اللبناني

:::::

“البناء”، بيروت

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.