يوم سوري طويل، ثريا عاصي

الواحدة صباحاً، الدفاعات الجوية تتصدى لصواريخ موجهة نحو مطار الشعيرات. عاود  إذاً الأعداء عدوانهم. ما هي العلاقة بين ما يجري هذه الليلة وما حدث قبل يومين. ألم يحفظ المعتدون الثلاثة الدرس أم جاؤوا لينتقموا بعد الفشل. إذاً هي الحرب، إما أن نستسلم فننقرض واما  أن ننتصر على  أنفسنا ونقاتل فننتصر على أعدائنا.
تفيد الأخبار بأن الصواريخ تأتي في هذه الليلة من ناحية الجنوب. لا جديد في معسكر الأعداء، الثلاثي الغربي زائد إسرائيل!
المحللون في بلادنا كثيرون، فتح سوق التعليقات على شبكة التواصل. الروس  يتخذون الحياد. الإيرانيون يلزمون الصمت، أين صواريخهم أين؟!.. التلفزيون السوري مطمئناً، أسقطت دفاعاتنا جميع الصواريخ! فشلوا مرة ثانية، الحمدلله! بيان أميركي صادر من البنتاغون… يكاد يكون مترافقاً مع الصواريخ، يفيد بأن التقارير لا تذكر أي نشاط جوي أميركي فوق حمص: إذاً العدوان إسرائيلي. لماذا سارع البنتاغون إلى إصدار هذا البيان؟ غريب!!
 ثم نما إلى العلم نبأ عن أن العدوان نفذه سربان من الطائرات الإسرائيلية، أحدهما أطلق صواريخه من جهة البقاع اللبناني والثاني من فوق هضبة الجولان. ما يهم أن المحاولة فشلت، ولكننا في حيرة: ضربتان في  أقل من ثلاثة أيام، إنها الحرب، إنهم يمهدون لحرب شاملة! هذا ربما ما يفسر الصمت، فالحرب ليست صراعاً قبلياً تدخلها الدول بقرار إنفعالي أو بأمر من شيخ القبيلة، ولكن بعد حسابات دقيقة تجنباً للمصائد وتقييماً لميزان القوى. لننتظر ونرى. مهما يكن يجب أن لا نغوص كثيراً في أمور عسكرية، ليست من إختصاصنا، لا سيما أن البلاغات العسكرية تكون أحياناً وسائل للتسميم الإعلامي وللتأثير النفسي.
 فجأة إنقلبت الصورة ظهراً: مصدر عسكري يفيد بأنه لم يحدث أي عدوان الليلة الماضية وأن إطلاق صفارات الدفاع الجوي وعدد من الصواريخ مرده إلى إنذار خاطئ! بصراحة، أطمأنيت قليلاً، وتوقف دماغي عن «التحليل»،  تنفست الصعداء وقررت أن أحضر لنفسي  فنجان قهوة.. فلم أنم طويلاً، الصواريخ والصواريخ المضادة تؤرقني. ولكن حقيقة أشك في رواية الإنذار الخاطئ، ربما لأني جاهلة في موضوع العسكر. تذكرت رواية الصاروخين اللذين سقطا شرق المتوسط في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، في وقت كان المعتدون الثلاثة يستعدون لتوجيه ضربة عسكرية إلى سورية.. تحت ذريعة استخدام السلاح الكيماوي، وتذكرت أيضا المناورات العسكرية، الأميركية الأردنية ولا أدري منهم بقية المشاركين، التي تجري حالياً تحت عنوان «الأسد المتأهب»! لعن الله الشيطان، التعب والقلق والأرق! لعلها صواريخ الأسد المتأهب التي ضلت طريقها!! علم ربك.. وأخيراً جعلتني رواية الإنذار الخاطئ أستحضر ما قرأته عن حرب التحرير الجزائرية وكيف أن المخابرات الفرنسية كانت تطلق الإشاعات لإرباك جنود جيش التحرير، وأشهرها إشاعة «المرض الأزرق» التي لا أذكر تفاصيلها، ولكنها كلفت جيش التحرير  ثمناً باهظاً.
كأن الصواريخ لا تكفي. نقلت صحيفة  أميركية خبراً مفاده ان الرئيس الأميركي ينوي إحلال قوات «تحالف عربي» في شمال شرقي سورية مكان القوات الأميركية. صدق أولا تصدق. ولكن ما الفرق بين القوات العربية  المشتركة وبين «داعش» و«القاعدة» و«جيش الرحمن» و«جيش الإسلام».. إلى آخر اللائحة!. ألم تكن هذه التشكيلات قوات عربية مشتركة؟ ألم يكن في صفوفهم قوات خاصة من الجيوش الغربية، خبراء يتولون التوجيه والإرشاد. ما الفرق بين القوات الخاصة في الجيوش الغربية وبين جنود الشركة الامنية بلاك ووتر مثلاً؟؟
 هم، أعني الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أمام رقعة شطرنج يحركون بيادقهم ضد الروس والصينيين. إختاروا سورية مكاناً للمواجهة. لماذا؟ لأن الإسلاميين تحت قيادة السعودية وتركيا تطوعوا لمساعدتهم ضد الروس. أما نحن  أبناء هذه البلاد، سوريّة، فإننا بحاجة إلى سورية كوطن ونعرف جيداً أن خسارة الروس فيها خسارتنا وخسارة الإيرانيين  أيضاً وخسارة سورية بكل ما تعني مادياً ومعنوياً. هذا بكل بساطة..
 كما لا يخفى منذ تاريخ الغارة الإسرائيلية على  موقع  يقال أنه أيراني في سورية ، يلوح الإسرائيليون  بالأعلام الحمراء  تحذيرا من الخطر الإيراني، ومن خطر مواجهة مع الإيرانيين  على أرض سورية ولبنان. ولكن كما لمحنا أعلاه، الإيرانيون  يلزمون الصمت، ولم نسمع عن تهديدات إيرانية. فعلى الأرجح أن الإسرائيليين يبادرون في هذه الأيام إلى اطلاق حملة دعائية ترتكز على محورين:
الإيرانيون يمثلون خطرا وجوديا على أسرائيل ـ الإسرائيليون كعادتهم سيدافعون عن أنفسهم.
الحقيقة أن الإسرائيليين  بصفتهم  مستعمرين  يمثلون خطرا على جميع شعوب المنطقة، هذا من ناحية أما من ناحية ثانية، فالدفاع عن «النفس» الإسرائيلية يعني أنخراط  الحلف الأطلسي  والثلاثي الغربي  العدواني في  المقدمة، دفاعا عن نفس الإسرائيليين المستعمرين.
 فأغلب الظن أنهم يطبقون ضد ايران نفس الخطة التي أتبعوها ضد مصر الناصرية في الستينيات وصولا إلى حرب حزيران 1967. أذ يجب أن لا ننسى حيال هذا كله أن أسرائيل ليست أسرائيلية كما  نعتقد وأنما هي  قضية هيمنة غربية على بلدان المشرق».
وأخيرا كان مسك الختام في هذا اليوم السوري الطويل خبر يفيد أن فرنسا، الشريكة في العدوان الثلاثي على سورية أستناد إلى أمتلاكها أدلة دامغة كما زعم قادتها عن استخدام الجيش السوري لغاز الكلور في الغوطة، تدعو الحكومة السورية بلسان وزير خارجيتها  لإعطاء الصلاحيات الكاملة للخبراء الدوليين للدخول الدوما. من المعروف أن وزير الخارجية الفرنسي يطلب ضمنيا  من وراء  مفردة صلاحيات، توسيع نطاق عمليات هيئة التحقيق  إلى خارج دوما، أن اللبيب من الإشارة يفهم !

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.