استمرار الجدل حول فشل العدوان الأميركي على سوريا، منذر سليمان، مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن، 21/ نيسان – ابريل/‏ 2018   

 

التحليل:

 

استمرار الجدل حول فشل العدوان الأميركي على سوريا

 

        تتصاعد الأسئلة والاستفسارات عن الأهداف السياسية التي تحققت جراء العدوان الأميركي على سوريا، عقب هدوء العاصفة الإعلامية، وعن الدوافع الحقيقية لذلك عشية قيام وفد الوكالة الدولية مباشرة مهامهه بالتحقيق في مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في مدينة دوما بالقرب من العاصمة دمشق.

علاوة على تجدد مطالبة السلطة التنفيذية (البيت الأبيض) بضرورة التوجه للكونغرس (السلطة التشريعية) لمنحها  تفويضاً “حديثاً” يقنن صلاحياتها لشن حرب؛ الأمر الذي عارضه الرؤساء السابقين من كلا الحزبين. جوهر المسألة يكمن ليس في الحيلولة دون وقوع حرب بل خلاف على أيهما الأحق “دستورياً” بإعلان وشن حرب تزهق أرواح البشر وتدمر الحضارة والحجر.

        قبل الإجابة على جملة من الاستفسارات والحقائق نشير إلى حالة الحنق السائدة بين أقطاب “معسكر الحرب” الأميركي على الرئيس ترامب جراء تباين النتائج الميدانية والسياسية مقارنة مع التوقعات والتحضيرات المسبقة الرامية “لشل حركة سلاح الجو السوري،” على أقل تعديل، عبر الحاق أضراراً كبيرة بالمطارات العسكرية السورية ووسائل الدفاع الجوية، الهدف المحوري لأولئك.

        تقييم أقطاب المعسكر يشير إلى “فشل” الهجوم تحقيق الحد الأدنى سالف الذكر، مقروناً بحالة النكران التي تعانيها البنتاغون للتغطية على ذاك الفشل؛ وسنعرج على ذلك بالتفصيل لاحقاً.

        بداية يعسر على المرء إيجاد تفسير منطقي لقررا الرئيس ترامب شن الهجوم الصاروخي “الرائع والجديد والذكي،” وفق توصيفه، عبر الاعتماد الحصري على المصادر الرسمية ومنها وسائل الإعلام الرئيسة، المقروءة والمرئية. الثابت في هذا الشأن هو تباين وجهات النظر بين الرئيس ترامب ومستشاره جون بولتون، من ناحية، ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، في الناحية الأخرى؛ لا سيما عبر ما نسب لوزير الدفاع جيمس ماتيس  من “حثه الرئيس على عدم الإقدام” على قرار العدوان حتى يتم التحقق من صدقية مزاعم مسؤولية دمشق عن الهجوم الكيميائي. بل ذهب ماتيس إلى أبعد من ذلك بحث الرئيس الذهاب للكونغرس لاستصدار تفويض صريح لشن الحرب، وهو يدرك أن ذلك غير مضمون النتائج.

        تم تجاوز تحفظات ماتيس وفريقه من القيادات العسكرية وتغليب وجهة نظر الآخرين من ضرورة “توجيه رد عسكري سريع ومثير” لسوريا مع مراعاة عدم الإنجرار وراء استفزاز روسيا، وامتدادا إيران، بغية التأكيد على مصداقية “تغريدات الرئيس” للظهور بمظهر القوي وعدم التردد في الرد – حسبما رشح من داخل نقاشات البيت الأبيض.

        فَردَت اسبوعية نيويورك مساحة وافية للكشف عن دوافع قرار الإدارة، 18 نيسان الجاري، بأن على رأسها نزعة الرئيس ترامب لإقران “تغريداته وتهديداته” بالفعل ولتأكيد على “قوة الترسانة العسكرية الأميركية.” واستطردت أن ترامب كان آخر همه “أن يهب لنجدة السوريين، خاصة بعدما أعلن في حملته الإنتخابية منع اللاجئين السوريين من دخول” الأراضي الأميركية.

        وتساءلت المجلة في تقريرها عن الدوافع النفسية إذ إنه “من الجنون إقدام ترامب على تدخل عسكري لا تسنده استراتيجية متماسكة للظهور بمظهر الزعيم الحازم .. بيد أن ما قام به لا ينفي أنه منفصم عن حقائق الواقع الراهن أكثر من أسلافه” الرؤساء السابقين. ولفتت الأنظار أيضاً إلى تعزيز ترامب للصورة العامة التي يرغبها “فهو لا يستخدم الدعاية من أجل (تحقيق) السياسات التي يفضلها فحسب، بل يستخدم السياسة لتحقيق أغراض الدعاية .. (بعبارة أخرى) يريد تغيير الطريقة التي ينظر فيها العالم إليه.”

        أشار بعض الخبراء العسكريين إلى بعد آخر في ذهنية الرئيس ترامب وحرصه على عدم تأجيل قرار العدوان نظراً لقناعته الداخلية بأنه “من الأفضل القيام بقصف سوريا دون توفر استراتيجية معروفة المعالم أو بالحصول على تفويض قانوني (الكونغرس) عوضاً عن إفساح المجال لتشكيك الآخرين بصدقية تهديداته” التي يواظب عليها في الأفق الإلكتروني.

فريّة السلاح الكيميائي:

        الضخ الإعلامي المكثف للجزم باستخدام سلاح غاز الكلور في مدينة دوما بسوريا لم يسلم من تشويهاته أحداً، سواء من العامة أو الاخصائيين.

        منظمة “حظر الأسلحة الكيميائية” الدولية لم تصنف غاز الكلور سلاحاَ كيميائياً، إذ يتوفر طبيعياً وذو خواص لا معدنية. هو غاز أصفر يميل للإخضرار وأقل كثافة من الهواء بمرة ونصف، ويدخل في استخدامات عديدة، كإنتاج الأدوية وتنقية وتعقيم المياه، وعامل مؤكسد للأقمشة. يستخلص غاز الكلور عن طريق الأكسدة والتحليل الكهربائي الشائع. في حالته الغازية يتسبب بتهيج الغشاء المخاطي، وفي حالته السائلة يتسبب بحروق على الجلد.

        بالعودة قليلاً الى مناخ الحرب العالمية الأولى، ثبت للقادة العسكريين آنذاك عدم صلاحية استخدام غاز الكلور ضد الخصم نظراً “ليس لعدم فعاليته فحسب، بل لخاصية الغاز بالانتشار السريع والتبدد” في الجو. وتم العدول عن استخدامه عام 1917.

أجترح القادة الألمان وسيلة عاجلة لاستخدام الغاز عبر تحشيد نحو 6،000 خزان كبير مضغوط بداخلها غاز الكلور وإنشاء جدار هائل من الغاز السام، مما أدى لتراجع جيوش الحلفاء، التي استطاعت التغلب عليه وأبطال مفعوله باستخدام قطعة قماش مبللة بالماء أو بول الإنسان، والحد من ضحاياه للحد الأدنى نحو 1000 عسكري آنذاك.

تجربة الحرب الكونية الأولى أوصلت القادة العسكريين إلى نتيجة عدم الاعتماد على غاز الكلور كسلاح فعال. الأمر الذي يقودنا للقول بأن إدعاء مسلحي غوطة دمشق تعرضهم لهجوم بغاز الكلور ليس إلا إدعاء زائف ولا يستند إلى حقائق علمية صارمة؛ فضلاً عن مزاعم أعداد الضحايا العالية مقارنة بخاصية الغاز غير الثابتة وانتشاره السريع في الجو.

“صدقية” سردية البنتاغون:

        بالعودة لحقيقة الأهداف المنوي إنجازها، تدمير سلاح الجو السوري وإضعاف واستنزاف الجيش العربي السوري وحلفاؤه وزرع سيناريوهات التفتيت والتجزئة، حافظت الرواية الرسمية الأميركية على “إنجاز أهداف المهمة (بتدمير) مواقع ثلاثة .. تتعلق ببرنامج سوريا للأسلحة الكيميائية؛” باستخدام 105 صواريخ جوالة ضدها، أي بمعدل 35 صاروخاً  للموقع الواحد.

        التقييم العسكري الروسي للغارات قال أن ستة مطارات عسكرية تعرضت للقصف الصاروخي تم اعتراض واسقاط 71 منها؛ مقابل إصرار البنتاغون على القول أنها لم تستهدف أي من المنشآت العسكرية السورية.

        بعض الحقيقة مر عليها موقع “المرصد السوري لحقوق الإنسان” المعارض، من مقره في لندن قائلاً ان “ثمانية مواقع تعرضت للقصف اسقطت الدفاعات الجوية السورية 65 صاروخاً جوالاً؛” بينما رواية البنتاغون تنفي تعرض أي من صواريخها للإعتراض أو للإستهداف.

        الخبراء الأميركيون يميلون لتصديق الرواية الروسية، أو بعضها، استنادا لمصادرهم داخل قيادات البنتاغون، وفيها: إطلاق أربعة صواريخ استهدفت مطار دمشق الدولي؛ 12 صاروخاً ضد موقع الضمير العسكري؛ 18 صاروخاً تعرض لها مطار بلي العسكري (جنوب دمشق)؛ 18 صاروخ استهدف مطار شعيرات العسكري؛ 9 صواريخ على مطار المزة العسكري؛ مطار حمص الدولي تعرض لـ 13 صاروخ؛ برزة وجمرايا (مركز البحث العلمي) تعرضتا لـ 30 صاروخ.

        السؤال البارز الذي لا نجد إجابة تشفي غليل المراقب والمواطن العادي هو لماذا “اضطرت” الولايات المتحدة استخدام أفضل وأدق ما في ترسانتها من أسلحة ضد ثلاثة مواقع فقط، كما تدعي؛ بينما الهدف المضمر هو “سحق” سلاح الجو السوري ودفاعاته الجوية إن أمكن. وهل واشنطن في طور تجديد عدوانها ضد سوريا قبل حلول موعد الثاني عشر من أيار/مايو المقبل الخاص بتجديد الاتفاق النووي مع إيران أو انسحاب الولايات المتحدة منه من جانب واحد.

بعض الإجابة نجدها في سياق استهداف واشنطن التاريخي لدمشق منذ العام 1947، وبشكل أكثر نشاطاً منذ غزو واحتلال العراق عام 2003، هدفها الإطاحة بنظام سياسي لا يذعن للإملاءات الأميركية ويقف بصلابة داعماً للمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، ومصمماً على استعادة أراضيه المحتلة ومواجهة مشاريع الهيمنة الإستعمارية على مقدرات وخيرات بلاده.   

 

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.