عن الماغوط في ذكري رحيله،كان رائيا لوجهة المغايرة في الشعر، جابر حسين

إلي: كمال الجزولي، وقد كنا في تذكر شعره، ثم اتفقنا بضرورة أن يقرأ
قراءة أخري فيكون في دعم الحساسية الشعرية عندنا.

( أضحك وأبكي في الظلام
وأكتب في الظلام.
وكلما قرع باب أو تحركت ستارة،
سترت أوراقي بيدي كبغي
ساعة المداهمة،
من أورثني هذا الهلع؟!)…
… … …
( لا تعنيني التسمية التي تطلق علي ما أكتب،
شعرا أم نثرا أم نحتا أم رقصا!)…
– الماغوط –

يوم الثلاثاء الثالث من ابريل الجاري، حلت الذكري ال 12 لرحيل الشاعر والمسرحي السوري الكبير محمد الماغوط. وكان قد توفي ظهيرة يوم الأثنين 3/4/2006م في دمشق. كان يجري مكالمة من هاتفه جالسا علي كرسي جلوس وثير في منزله حين داهمته المنية، وكان قد ظل يعاني من السرطان منذ عشرة أعوام خلت تناول فيها الكثير من العقاقير التي لم تنجح في إبعاد شبح الموت عنه. أحاطت به، إضافة لمرضه، الشخصي جملة أحزان: وفاة شقيقته ووالده وزوجته بين عامي 1984م/ 1985م، ثم توفيت والدته العام 1988م. كان حزنه الكبير وألمه هو رحيل زوجته سنية صالح، الشاعرة اللبنانية التي إلتقاها في بيروت أيام أقامته القصيرة بها. أنجبا بنتين، شام الطبيبة تزوجت واستقرت في امريكا، وسلافة التي تزوجت وتقيم في دمشق. أفتقد زوجته سنية، حد الجرح والألم الممض، كتب عنها وهو تحت ذلك الوقر كله يقول:
( كانت سنية أمي ومرضعتي وحبي ومرضي، وكان رأيها أساسياً فيما أكتب، فإذا كتبت شيئاً وترددت أمامه ولو للحظة كنت أمزقه وأعيد كتابته من جديد.. أما إذا قالت (حلو) فكنت أحس باطمئنان كبير، إنها قارئتي الأولى ومعلمتي الأولى في الشعر وفي الحياة.. حين كانت مريضة جلست بقربها وهي على فراش الموت أقبل قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر فقالت لي عبارة لن أنساها.. ( أنت أنبل إنسان في العالم ). على شاهدة قبرها كتبت: (هنا ترقد الشاعرة سنية صالح آخر طفلة في العالم). لم أزر قبرها في مقبرة ( الست زينب ) إلا مرة واحدة، حزني عليها لا أعرضه في المقاهي والشوارع: إنه إحساس شخصي جداً ومدفون في الأعماق دون شاهدة، سنية هي المرأة في كل ماكتبت، كانت كعروق الذهب في الأرض.. كل النساء من بعدها نجوم تمرّ وتنطفئ وهي وحدها السماء.. والآن نادراً ما أراها في أحلامي).
و سبق وقالت سنية عن الماغوط :-
“كنت أنقل له الطعام والصحف والزهور خفية، كنا نعتز بانتمائنا للحب والشعر كعالم بديل متعال على مايحيط بنا، كان يقرأ مدفوعاً برغبة جنونية وكنت أركض في البرد القارس والشمس المحرقة لأشبع له هذه الرغبة فلا ألبث أن أرى أكثر الكتب أهمية وأغلاها ثمناً ممزقة أو مبعثرة فوق الأرض، أو مبقعة بالقهوة حيث ألتقطها وأغسلها ثم أرصفها على حافة النافذة حتى تجف).
وفي محارق حزنه عليها، يكتب:
( من أحببت،
كن نجوما تضئ لحظة وتنطفئ إلي الأبد
وأنت وحدك السماء.
ثلاثين سنة،
وأنت تحمليني علي ظهرك كالجندي الجريح
وأنا لم أستطيع
أن أحملك بضع خطوات إلي قبرك!
أزوره متثاقلا
وأعود متثاقلا
لأنني لم أن في حياتي كلها
وفيا أو مباليا،
بحب، أو شرف أو بطولة…
ولم أحب مدينة أو ريفا!)…

من هو الماغوط؟

محمد أحمد عيسي الماغوط، ولد العام 1934م لأسرة فقيرة في سلمية أحد قري ريف محافظة حماة السورية، وبسبب من ذلك الفقر ترك الدراسة وهو في ثانوية خرابو الزراعية، وفيها تعرف علي الشاعر سليمان عواد الذي كان ينشر في مجلتي الآداب والأديب اللبنانيتين، وفي تلك الفترة عاني وتقلب في شغفه وتعلقه بالشعر، ثم قاده ذلك إلي التعرف علي الشعر الحديث، فقرأ مؤلفات رامبو كلها تقريبا. ترك المدرسة إذن وعاد إلي بلدته سلمية. وكانت أفكاره وقناعاته وتعلقه بالشعر قد تملكه تماما، وهناك، في سلمية، لم يكن يوجد وقتذاك، إلا حزبان فقط، حزب البعث والحزب القومي السوري الاجتماعي، وكان الأخير، فيما تبادر إليه، الأقرب لتوجهاته اليسارية فإنتسب إليه. وكان البعث يضيق، بالمعارضين وبالرأي الآخر، فصار الماغوط ( ضيفا ) دائما في سجون البعث. وبالطبع، كما توضح لنا سيرته السياسية، أنه لم يجد في الحزب القومي ما كان يراهن عليه، من أفق معرفي عال وقدرات فكرية ومنهجية تحدد مسارات وأدوات النضال، بل يمكنها أن تجعل للشعر نفسه رؤية مزهرة وأحلاما لا تنتهي. فقد لاحظنا، في بعض شعره، تلك الغمامات السوداء تظلل تحليقه العالي فتجعله أقرب ما يكون لسوداوية الرؤي والكآبة واليأس. نعتقد أن ذلك من جراء تنكبه الرؤية السياسية الموضوعية في مسار النضال السوري في توجهاته التقدمية. بعد خروجه من سجنه الأخير، كان، علي ما يبدو، قد مل من توالي إعتقاله وملاحقته من أمن البعث المشهود له بالقمع والتنكيل بالمعارضين، فسافر لتوه، من بعد، إلي لبنان. وفي لبنان حقق ما كان يردده، فجعله ديوانا( سأخرج من سجني وأخون وطني )!

الماغوط في لبنان.

آواخر الخمسينات، كانت الآداب والفنون جميعها، وبخاصة الشعر، مزدهرة، والحريات متاحة بقدر ليس بالقليل، مما أتاح هامشا للنشاط والفاعليات الأدبية والسياسية أن تكون نجوما لامعات في سماء بيروت. وتعرف فيها علي كبار الشعراء، يوسف الخال وأدونيس، وتعرف عن قرب حميم مع بدر شاكر السياب، وإنتمي إلي مجلة شعر التي كان قد تحلق حولها معظم شعراء الحداثة الذين كانوا في بيروت ومن خارجها أيضا. فإصدرت له دار مجلة شعر أول دواوينه ( حزن في ضوء القمر ) عام 1959م، وفي العام التالي مباشرة أصدرت له ( غرفة بملايين الجدران ). ثم في فترة الستينيات عمل صحفيا ومراسلا أدبيا لمجلة ( الوسط ) التي كانت تصدر في لندن، وتوالت طباعة ونشر أعماله، فأصدر مسرحية
( المهرج ) 1960م، وتلتها ( ضيعة تشرين، غربة، كأسك يا وطن )، و دواوين ( سياف الزهور) 2001م، و ( شرق عدن غرب الله ) 2005م، و ( البدوي الأحمر ) 2006م. وكتب العديد من السيناريوهات والأفلام السينمائية، منها ( التقرير، الحدود، المسافر)، والمسلسلات التلفزيونية مثل حكايا الليل وغيرها. كانت المرحلة، برمتها، مضطربة، كثيرة الحراك والتغيرات في المجتمع والسياسة والثقافة، وبالطبع، الشعر أيضا. وقتذاك، بدأ (جديد) الشعر يرهص بحدوسات حارقة محرقة، وفي ذات الفترة نفسها، الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أخذت الشعرية العربية الكلاسيكية تخبو أطيافها وفعالياتها ورموزها، غدت غير مصاحبة لتلك الحيوات الشعرية الجديدة الطالعة. لم تكن، لسوء امكاناتها المحدودة في التطور، بمستطاعها أن تكون في معية وجهة الشعر الجديدة، بعيدة، بمقدار اللغة والتصور، عن معايشة العصر بتغيراته العديدة في كل حقول المعرفة والثقافة، وفي الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي. فقد بدأ العصر يكون في الكثير من التشوف، عديد الحراك والغليان والعنفوان. والحال كذلك، أخذ الماغوط يسير في وجهته الشعرية الخاصة، من حيث المحتوي والشكل، فشرع يري ( الجديد المغاير )، ملامحا اعتقد في جدواها، بل وفي ضرورتها لحركة تطور الشعر، وفي المسرح أيضا، فقد راهن، ثم جعل ذلك في أعماله، أن للشعر، ضرورة أن يكون في معية المسرح.

الحداثة تمور في الوعي، تأتي وتذهب!

كانت مجلة ( شعر )، التي إنتمي إليها الماغوط فصار أحد أعمدتها ومناصريها، هي البيئة الحاضنة للحداثة وتجاريبها الغرائبية، ومن حلقاتها التفاكرية والتنظيرية راحت القصيدة الحداثية تحلق، بأجنحة رنانة وبرياش ملون، في فضاء الشعرية العربية. ومن المعلوم أن الوعي بالتحول وبالتغيير والمغايرة هو ما يميز الحداثة. ولكن، ( خصوصية هذا الوعي تقترن بإشكاليته، وإشكاليته تقترن بإدراكه المتوتر للحظة تاريخية يتحول فيها كل شئ)1.
بل، يمكننا أن نمضي أبعد فنقول بمثل ما قال به مفهوم بودلير للحداثة ( أعني بالحداثة ما هو عابر سريع الزوال )2. وهنا، نقصد تحديدا الفهم الذي يتجوهر حول فكرة الزمن اللحظي المتغير بإستمرار، فيكون في التجاوز، يتجاوز نفسه بالذات فيصعب الإمساك به، أو لنقل أن كينونة الزمن هنا مرتبطة بوعي الإنسان بها، فالوعي بها وعي بالإنسان ذاته، وما ينطبق عليها، ينطبق أيضا عليه، لأن ( الإنسان الحداثي داخل الحداثة، وعي عابر متغير وسريع الزوال، بحيث يتجاوز نفسه بصورة يصعب معها العثور علي كينونته )3. بهذا الفهم، نلاحظ أن الحداثة تكون في تصور المبدع مجرد إمكانية، علي قول هايدغر. فنري، والحال كذلك، أن الماضي ينتفي من الوعي الحداثي إنتفاء جدليا لا يعني موته، بل يكون في الحياة بصورة وشكل جديدان. ولعلي هنا، في لحظة الوعي هذه، ولحظة الشعر أيضا، لا أغالي حين أقول أن الوعي الحداثي بالقصيدة ينطوي علي شعور حاد بالهوة بين الشاعر واللغة والعالم، وبين العالم نفسه والوعي، وهنا أيضا، تؤمض لحظة إنفجار ينبع من بؤرة الوعي ذاتها، وينتج عنه، في ذات الوقت، إنفجارا في المعرفة. ومن مظاهر هذا الإنفجار في الوعي وفي المعرفة وفي الواقع: الاكتشافات العلمية والتطور التقني الهائل وتطور الحركة الجماهيرية،و( تنضيد الناس والأشياء داخل منظومة يطبعها عقل لا مرئي، وكلي الحضور )4. وأراه، هنا، في عموم سماته وملامحه، هو العقل الرأسمالي التبعي الذي تحكمه وجهات التفكير الإمبريالي في عمومياته. الحداثي العربي، إذن، يعي، بهذا القدر أو ذاك، هذا الفخ المشرع، ولهذا نراه في السعي، دائما، ليبتعد مسافة ما بحثا عن فهم خاص وبلغة مختلفة للقصيدة. وهكذا، يمكننا أن نلاحظ ذلك الإنصات الملحاح للآخر.هكذا، وجد الماغوط نفسه في هذا الخضم الفوار، في النزوع الحاد للتجديد في القصيدة، وظل في تلك المقاساة المحرقة جراء موهبته المتفجرة و وعيه الذي يلح عليه إلحاحا ليكون في الجديد وفي الثورة علي الواقع. فشرع يكتب قصيدته الخاصة، علي نسق مغاير وبلغة هي الأخري مغايرة وصادمة، ولم تكن، في ظني، ثورته تتم في قصيدته بمنطق الثورة المعلومة واشراطها وأهدافها وآمالها في الغد الأفضل الذي سيأتي. ولفرط أن يعيش الثورة، بمفهومه هو وبمعية من يتعجلون الثورة تأتي بالبندقية، مثما كان مظفر النواب في بعض مراحل حياته، فيكتب( العنق الأعزل لا يستطيع الإنتصار علي سكاكين المفترسين، تماما، مثلما تعالت بعض الأصوات عندنا تدعو إلي الإنتفاضة المحمية بالسلاح.

وجها جديدا للقصيدة.

جلس الماغوط في بيته، مثل رهبان المعابد، يدخن بشراهة لا تكف، يصنع قهوته ويصنع ألهته الخاصة، يصورها كيفما يشاء ويشكلها في النسق الذي تأتي به رؤياه، يبجلها حينا، ثم يعود يلعنها في السر والعلن، ثم يصوغها، بمحض رغباته، علي نحو مغاير لشكل القصيدة وشئونها اللغوية السائدة وقتذاك، فيبدوا غريبا وسط الغرباء ووحيدا وأن كان بمعية الآخر. كسر الماغوط ألف قاعدة وتجاوز ألف حد. ذو كبرياء وعناد عظيمين، منعزلا، ويهاب الإختلاط بالناس، لكنه، وهذه أحدي مزاياه، ينصت، ملء كيانه ووعيه، إلي الناس، إلي حراكهم اليومي المحموم، إلي فقرهم وكدحهم وإلي حياتهم البائسة. لم أعرف له إيمانا إلا ذلك الذي ينبع من اعماقه هو. فيأخذ يصرخ به:

( وطني أيها الذئب الملوي كالشجرة إلى الوراء
إليك هذه ( الصور الفوتوغرافية)
لماذا تنكيس الأعلام العربية فوق الدوائر الرسمية ،
و السفارات ، و القنصليات في الخارج ، عند كل مصاب ؟
إنها دائما منكسة !
اتفقوا على توحيد الله و تقسيم الأوطان!
مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه!)…

في سنواته الأخيرة، ظل كثيرا جدا يحدق في الموت، في موته هو، فلا يرتعش منه أو يخشاه، بل يزداد شراهة في التدخين، يتعاطي العقاقير ويعاني من السعال،فيكتب:
( الموت ليس هو الخسارة الكبري، الخسارة الأكبر هي ما يموت فينا ونحن أحياء!).
ومن محارق عزلته المجيدة ومرضه، يريد أن يكون في روح العصر، مثلما قصيدته التي غدت علامة ملتصقة، بلمعان وخفة، علي مسار شعرنا، فيصرخ ( آه، لو كانت الحرية ثلجا لنمت في العراء ). لكنه، برغم كل معاناته، مع الشعر والحياة معا، كان ملحا في طلب الحرية، أراد أن يسود الحب، وأراد الوطن، ورفض كل ماهو علي غير ذلك.

هوامش:

1 – جابر عصفور، معني الحداثة في الشعر المعاصر، مجلة فصول العدد الرابع 1984م
ص ( 51 ).
2 – ت.س.إليوت: عن مقال ( الشاعر العربي المعاصر ) مجلة فصول العدد الرابع 1984م
ص ( 14 ).
3 – أحمد القنديلي – الحوار المتمدن، محور الأدب والفن 26/3/2018م – 5826.
4 – جابر عصفور، المصدر السابق ص ( 51 ).

:::::

http://tamaden.org/show.art.asp?aid=597061

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.