تعقيب – طبيعة التحالف بين حكومتي روسيا وسوريا، وضرورة المُساندة النّقدية، الطاهر المُعز

أثار نَصٌّ نَشَرَتْهُ “كنعان” بتوقيعي وبعنوان “سوريا والحليف الرّوسي غير الموثوق” (27/04/2018) عددًا من ردود الفعل، ويُمكن اعتبار النّقد سواء بالتعبير عن الرِّضا أو بالرّفض، ظاهرة صحِّيّة، لأن النّقد يكون نتيجة تَحليل ما وَرَدَ (في موضوع النقد) مما يتطلب جُهْدًا وَوَقْتًا يُخَصِّصُه الناقد للتعبير عن رأي مُساند أو مُعارض، وعلى أي حال فإن أي نص مَنْشُور للعموم يُعْتَبَرُ مِلْكًا للقارئ، فهو الذي يُحَدِّدُ ما يَرْسَخُ في ذِهْنِهِ، ومن حقه أن يُدْلِي برأيه، بعد قراء سريعة أو مُتأنِّيَة للنصوص أو المقالات، وسأكتفي في هذا التعقيب بمناقشة بعض الملاحظات السلبية التي وَرَدَتْنِي من خلال بعض ردود الفعل ، من داخل فريق “كنعان” أو من قُرّاء وأَنْصار وداعِمي “كنعان”، وتتراوح الملاحظات من الإحتجاج والغضب بسبب “مضمون وتوقيت المقالة” واعتبارها تعبيرًا عن “نزوات في التحليل”، إلى طرحٍ أكثر هُدُوءًا (ولكنه ليس أقل غَضَبًا في الجوهر)، يتناول قضايا جوهرية، ومن بينها أهمية وطبيعة التحالفات في ظل ميزان قُوى مُخْتَلّ لصالح الأعداء…

 

إعادة تأكيد مواقف سابقة ومُعْلَنَة:

 

إن استمرار الحرب والعُدوان على سوريا (البلاد والوطن والدولة والشعب والنّظام، فكُلُّهُم مُسْتَهْدَفُون) لفترة تجاوزت سبع سنوات يجعل من العسير الحديث عن سوريا بعيدًا عن التفاعل -ذي الصبغة العاطفية أحيانًا- مع الأحداث اليومية، والقصف الصهيوني والأمريكي والأطلسي، مما جعل بعض الأصدقاء يُثِيرُ “توقيت نشر المقالة”، مع إشارة مُبَطّنَة إلى إن ذلك “لا يخدم سوى الأعداء”، من جهة أخرى فإن الصّمود لفترة تزيد عن السبع سنوات تتطلب موارد وقُدُرات لا تستطيع دولة تتعرض للقصف اليومي والتخريب والحرمان من الموارد، تَوْفِيرها دون الإعتماد على الأصدقاء والحُلَفاء، وهذا مُتّفَقٌ عليه، غير أن الحُلفاء يطلبون مقابل، لكن الخلاف يكمن في طبيعة الحلفاء وشروط الحلفاء مقابل الدّعم وحُدُود هذا الدّعم، وتحديد نقاط الإلتقاء ونقاط الإختلاف، لأن المصالح تلتقي في مرحلةٍ مَا، ثم تختلف، ويعمل كل طرف على حِماية مصالحه، سواء الآنية أو بعيدة المَدى، ومن واجبنا الدّعوة إلى الإعتماد على الذّات (وفق ما هو مُتَوفِّر وما يمْكِن أن يتوفَّرَ) وتقليل الإعتماد على الغير، والتّذْكير (في أي وقت) أن للحليف مصالحه ولا يمكن له أن يَدْعَمنا إذا كان ذلك لا يخدم مصالحه (التي قد تلتقي مع مصالحنا، وقد تختلف)

 

نقد المواقف والمُمارسات الرّوسية:

 

هذا هو جوهر الإختلال، وسأفْتَرِضُ وجود بعض “الغُمُوض” في النّص الأصْلِي -موضوع النّقد- لأؤكّد تحفّظاتي حول الحليف الرّوسي، لأسباب، من بينها:

العلاقات الوِدّية مع الكيان الصهيوني، وفق وسائل الإعلام الرّوسية والصّهيونية، التي تُشِير باستمرار إلى مُراعاة الحليف الروسي “لمصالح” الكيان الصهيوني الذي يحتل أراضي سورية ويَقْصِف البلاد وأهلها ومنشآتها (بالإضافة إلى احتلال فلسطين وأراضي عربية أخرى)، وتأجيل تسليم روسيا منظومة الدفاع “إس 300” للحليف السوري، مُراعاة لاعتراض الصهاينة

معارضة روسيا لتكتيكات الحكومة السورية وجيشها، ونزع الغطاء الجوي عن بعض العمليات العسكرية للجيش السوري، قبل 2015 في شمال غرب سوريا وفي منطقة “حلب” قبل كانون الأول 2016

بالإضافة إلى مواقف روسيا بشأن احتلال تركيا جزءًا من أراضي سوريا، وإدماج تركيا الأطلسية في عملية المباحثات حول مستقبل سوريا (مع إيران)، مقابل مكاسب روسية في قطاع تصدير الغاز نحو أوروبا، والموقف الروسي بشأن مليشيات العشائر الكُرْدِية التي تستهدف الوحدة الترابية للبلاد وللوطن، بدعم أمريكي وأوروبي…

يُمثّل التقاء المصالح شرطًا ضروريًّا للتحالف، وتُمثل سوريا حلقة أساسية لعودة روسيا إلى حلبة الصراع بين القوى العُظْمى، لكن العديد من المواقف والمُمارسات الروسية تدْعُونا إلى اليقظة والتّمَعّن في حدود الدّعم، وفي دواعيه، بدل التغاضي عن أخطاء (أو الإسترتيجيات الخاصة للحلفاء)…

 

المساندة النقدية للنظام السوري:

 

أما بشأن سوريا، فإن النقد الذي وَجّهَه الأصدقاء لمَقَالِي المنشور في “كنعان” اتخذ منحى آخر، سأحاول “تَلْطِيفَه”، عبر تَجاهل بعض الملاحظات المُسِيئة أو المُهِينة، وسأكتفي بالقول أني أحاول قَدْرَ الإمْكان استخدام المصطلحات في موضِعِها (النظام والدولة والحكومة والبلاد والوطن والمجتمع والشعب…) وأُؤكّد أن الحرب العدوانية التي انطلقت سنة 2011 هي عُدوان عالمي، وحرب تستهدف سوريا كَكُل، بدون الدخول في التفاصيل، ولكن سوريا (البلاد بكافة مكوناتها ومؤسساتها) صَمَدَت ومَنَعَتْ تكرار ما حصل في ليبيا من انهيار نظام الحكم والدولة (ومؤسساتها) والوطن، رغم الدّعم القوي للمنظمات الإرهابية من الإمبريالية ومن الأُسَر الحاكمة في الخليج ومن تركيا والأردن وبعض القوى السياسية (الطائفية) اللبنانية، ورغم الإحتلال المُباشر والقصف، وكان الصمود (ولا يزال) بفضل العوامل الدّاخلية وتضحيات أهل البلاد أولاً، قبل دَعْم الحُلَفاء، ولولا الصمود الداخلي لما حصل الدعم الخارجي (من إيران وروسيا) كما أُؤَكِّدُ إنني مَعْنِيٌّ مباشرة بكل عُدوان على أي شبر من الوطن العربي، وهذا لا ينْفي (بل يُؤَكِّدُ) حقِّي في نقد ما أعتقد أنه أخطاء، مثل طُرُق تدخل المصرف المركزي في السنوات الأولى للحرب، لحماية الليرة، أو طريقة تَسْيِير الحياة اليومية في المناطق التي حَرَّرَها الجيش السوري، إضافة إلى نقد ما يُسَمِّيه النظام “اقتصاد السّوق الإجتماعي”، وهو النظام الإقتصادي السّائد منذ بداية الألفية الثالثة، رغم تغيير الحكومات، ولا يزال “عبد الله الدّردري” (وتَيّاره ) الذي ارتبط إسمه بتطبيق هذا البرنامج فاعِلاً ومُؤَثِّرًا، رغم انتقاله إلى العمل في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)، وهو يُشْرِف على معظم الدّراسات التي تُعدّ لمرحلة إعادة إعمار سوريا بعد الحرب، وهي دراسات مستمدة من سياسات البنك العالمي… وبرزت في دمشق وغيرها مظاهر نُفُوذ “أثرياء الحرب”، ومظاهر الثراء السريع، والإستهلاك المُفرط (رغم الحرب أو بسبب الحرب) وإقصاء الفُقَراء، وغيرها من المظاهر التي تُشِير إلى تَعَمُّق الفجوة الطبقية في زمن الحرب…

 

الدعم المشروط، مقابل الدعم المطلق:

 

هذا النّقد ضرُورِي الآن، قبل نهاية الحرب وقبل بداية مرحلة الإعمار، بالتّوازي مع دعْمِ مظاهر الصّمود وتضحيات الجيش والمواطنين والحلفاء، أمّا الدّعم المُطْلَق (بدون أي نقد، بذريعة انتظار التّوقيت المناسب) فهو مُضِرٌّ ولا نَفْعَ لَهُ إطْلاَقًا، وعمومًا فليس هناك توقيت مناسب للنقد أو لإظْهار السّلْبِيّات…

 

لقد دعم أصْدِقاء المقاومة الفلسطينية صُمُودَها منذ وُجُودِها ولكنهم وجّهُوا نَقْدًا لاذِعًا لقيادتها، بسبب طريقة أدائها الصّراع، في أوج عدوان النظام الأردني (1970 و 1971) وفي أوج عدوان القوى المُعادية لها في لبنان، وكذلك أثناء الغزو الصهيوني لِلُبْنان، ونَقَدَتْ فصائل عديدة من الشُّيُوعيين مواقف (وممارسات) الإتحاد السُّوفييتي سواء بشأن برنامجه الإقتصادي الذي يعطي الأولوية للحوافز المادية أو بشأن مواقفه من قضية فلسطين ومن تأسيس الكيان الصهيوني وغيرها من المواقف كالمسألة القومية واعتبار العرب “أمة بصدد التكوين”، كما دعم القومِيُّون والتّقدّميون العرب والأجانب صمود مصر الناصرية في وجه الإمبريالية (العدوان الثلاثي 1956 وعدوان حزيران 1967) لكنهم نقدوا أطروحة “إزالة آثار العُدْوان” بدل تحرير الأراضي المحتلة، كما نقدوا موقف النظام المصري، لما قَبِل ما سُمِّي “مشروع روجرز” (وزير الخارجية الأمريكي) في أوْج “حرب الإستنزاف”…

 

خاتمة:

 

في خاتمة هذا التعقيب، أُذَكِّر بمقالات سابقة كُنْتُ نَشَرْتها عن سوريا أو روسيا، وعارضتُ من يعتبر روسيا (أو الصين) في نفس درجة العدوانية مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، في المرحلة الحالية على الأقل، لأن روسيا (وكذلك الصين) لا تَشُن العدوان تلو الآخر على البلدان الأخرى، بل تُعاني من حصار قوات الحلف الأطلسي على حدودها، كما تُعاني من العُقوبات الإقتصادية والحَظْر التجاري والمَصْرِفي، ويندرج دعم إيران وروسيا (والصين بدرجة أقل) لحكومة وجيش سوريا في باب التقاء المصالح وفي أهمية سوريا الإستراتيجية في المشرق العربي وفي غرب آسيا، كما يندرج في إطار دفاع إيران وروسيا عن حدودهما ومصالحهما وبرامجهما على المدى القصير والمُتوسّط…

أما بخصوص سوريا، فإن دعم النّظام والحكومة لا يجب أن يحجب عن أعيننا مُعاناة الفُقراء والنّازحين والمُهَجّرِين، في مقابل ما تُخلّفه الحرب من إثراء غير مشروع وفساد وتهريب، يُشارك في إدارته والإشراف عليه بعض المُقَرّبِين من النظام، وأحيانًا بعض رُموزه، سواء على مستوى مركزي أو على مستوى محلّي في المحافظات، ومن غير المناسب إنكار ذلك أو السكوت عنه، بذريعة إن وسائل الإعلام المُعادية تُبالغ في إبراز بعض الجوانب السلبية، وتضخيمها، بل تُمْعِن وسائل الإعلام “الغربية” في الكذب واختلاق “وقائع” وهْمية أحيانًا، والدعاية المُتَكَرِّرَة والممجوجة لأطراف مُعادية مثل مرصد حقوق الإنسان أو إرهابية مثل “الخوذات البيضاء”…

تدل المؤشرات ان المسار الذي بدأه الجيش السوري في حلب أواخر سنة 2016 سيؤدّي إلى هزيمة المنظمات الإرهابية الإسلامية (والمدعومة امبرياليًّا وصهيونيا وخليجيًّا وتركيًّا) في الغوطة الشرقية  وفي جنوب العاصمة دمشق، وفي المناطق المُحيطة بحمص وحماة، ليقتصر وجود المنظمات الإرهابية المُسَلّحة (إسلامية وكُرْدية) على المناطق الحدودية مع تركيا في الشمال، وشرق الفرات، بدعم من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، وفي الجنوب (درعا والقنيطرة) بدعم أمريكي وصهيوني وأردني، مما يشير إلى نقلة نوعية في الحرب، بهدف تفتيت سوريا وعزل الحدود، بواسطة تركيا شمالا وأمريكا شرقا والكيان الصهيوني جنوبًا، ومن الأهمية بمكان أن نتباحث في دعم الجبهة الدّاخلية لمزيد من الصّمود، ولكن ذلك لن يتم عبر “المساندة المُطلقة” (أو غير المشروطة) للحكومة السورية وجيشها، بل عبر الدعم لما هو إيجابي والنّقد لما هو سَلبي…   

في الختام لا يسَعُنِي سوى تِكرار التعبير عن قناعتي بأن تحرير الأرض المحتلة هو مهمة أصحابها بالدرجة الأولى، ويقتصر دور الحُلَفاء على الدّعم، وليس على محاولات فَرْضِ دستور أو حلول تُقَوِّضُ مُقومات الدولة والحضارة والتاريخ والثقافة، وتُعَدّ صلابة المقاومة سُدًّا في وجه الأطماع الخارجية والداخلية، ومؤشّرًا على حُسْن إدارة مرحلة ما بعد الحرب، أو مرحلة “إعادة الإعمار”…     

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.