قراءة في صناديق الإقتراع !! ثريا عاصي

إن  الإنجاز البارز في معسكر المقاومة هو إنضمام فئات إلى هذا المعسكر  لا تتفق في الواقع مع حزب الله وحركة أمل إلا في مسألة «المقاومة»، أي بكلام آخر إنضمت كما يبدو فئات من العلمانيين والتقدميين، إنتخابياً، إلى معسكر المقاومة، بالرغم من أنهم على طرفي نقيض من حزب الله وحركة أمل، في ما يخص سلوكهما في حقلي السياسة والفكر، سواء في الوظيفة الرسمية  أو  في المجتمع.
هذا الإنضمام الإنتخابي، هو في جوهره إنعكاس   لوعي بالأوضاع التي تبطن أخطاراً وجودية على البلاد وعلى أهلها شديدة وهائلة. بمعنى آخر  أنه إنحياز للمقاومة، بما هي أسلوب ووسيلة للدفاع عن النفس، ومن المحتمل أن نقرأ في ذلك أيضاً إستعداداً لمساهمة هذه الفئات في المقاومة بما هو أكثر  من الإقتراع! الذي كان ضرورياً من أجل تحصين هذه المقاومة على الأقل في الساحة السياسة اللبنانية حيث، لا أخلاق ولا مبادئ ولا كرامة!
أتمنى أن لا أكون مخطئة في هذه الرؤية، وأتمنى أيضاً أن تأخذها المقاومة بعين الإعتبار. ففي مراحل التحرر الوطني، يقود الإستئثار بالقرار النضالي والسياسي، والإعتداد بالذات وبإمتلاك الحقيقة حصرياً، حتماً إلى مأزق خانق عاجلاً أم آجلاً. اللهم إني بلغت!
أعتقد في هذا السياق أن ظاهرة الإنضمام الإنتخابي إلى معسكر المقاومة، هي شبيهة إلى حد ما، وقد تكون هي نفسها، لما يمكننا ملاحظته في معسكر  تيار المستقبل . يتمثل ذلك في نفور بعض الفئات التي رافقته في مرحلة من المراحل، خاصة في عهد الرئيس رفيق الحريري الذي أتبع في سبيل تحقيق مشروعه نهجاً توافقياً نسبياً، لبنانياً وعربياً، بالضد، من تطرف تيار المستقبل   بعد إغتيال الرئيس الحريري وتحديداً المواقف المتشنجة التي يعبر عنها بعض ممثليه . يتكشف ذلك بوجه خاص من خلال التحالف مع القوات اللبنانية والحماسة اللامحدودة التي يبدونها في خدمة المملكة السعودية.
فلا شك في أن مسألة الإختيار بين  سورية وما تمثل قومياً من جهة وبين المملكة السعودية وما لا تمثل قومياً من جهة ثانية، لا تخضع إلا مؤقتاً وظرفياً للحسابات المذهبية والسياسية، فهي من وجهة نظري مسألة محسومة لصالح سورية لدى الكثيرين من اللبنانيين، كون هؤلاء عروبيين ليس بدافع العصبية أو المذهبية ولكن لأن مصير لبنان، عقلانياً ومنطقياً، مرتبط بمصير  سورية. بل أذهب استطراداً في هذا الموضوع إلى أبعد من ذلك فأقول أن الرأي عندي في المأزق الخانق الذي يشد على أعناق العراقيين واللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والأردنيين، هو أنه ناتج عن فشل هذه الشعوب جميعاً في الإتحاد في إطار كيان دوَلي واحد، مقابل كيانات إقليمية، بنفس الحجم مثل تركيا وإيران. ولكن هذا موضوع آخر .
أعود إلى الإنتخابات النيابية لأواصل استعراض  هذه الملحوظات . أصل الآن إلى العلاقة بين القوات اللبنانية من جهة وبين التيار الوطني الحر من جهة ثانية لأقول بأني كنت أرى دائماً منطقة مشتركة بين الفريقين، يصعب ضمن حدودها التمييز بينهما. فليس مستغرباً أن تسترجع القوات بعض المقاعد النيابية من التيار الوطني، والعكس يمكن أن يحدث في ظروف مختلفة. هذا لا يهم كثيراً، إذ أن المسألة باتت ذهنية وعقائدية، استناداً إلى التجارب الكثيرة التي مر بها اللبنانيون حيث شكل ذروتها، مرارة وقلقاً، الإحتلال الإسرائيلي 1982 ومحاولة فرض إتفاقية تطبيع مع المستعمرين الإسرائيليين في 17 أيار 1983 .
لا مفر هنا من الإشارة إلى أن السعوديين تبنوا في السنوات الأخيرة أي بالتلازم مع ثورات الربيع العربي، وبوضوح أكبر  منذ ظهور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، جل مواقف القوات اللبنانية التي كانوا قد اتخذوها أثناء الإحتلال الإسرائيلي . لاشك في أن تقارب وجهات النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، أنتج تحالفاً بين الطرفين.
ليس مستغرباً بناء عليه أن نلاحظ هذا التناغم والإنسجام بين السعوديين من جهة وبين القوات اللبنانية من جهة ثانية، في لبنان وفي سورية أيضاً بكلام أخر، أكثر صراحة أقول باقتضاب أن القوات اللبنانية إختارت الإنحياز الى معسكر يضم الخليجيين والسعودية ومصر والإردن، متوهمون جميعاً أنه بالإمكان العيش بسلام مع المستعمرين الإٍسرائيليين في مقابل فريق كبير من المسيحيين رفضوا هذا المسار أو تراجعوا عنه تحت قيادة الرئيس ميشال عون إنطلاقاً من قناعة بأنه يستحيل العيش بسلام مع المستعمرين، وبأن مصير لبنان لا ينفصل عن مصير سورية والعراق.
ينبني عليه أن لا جديد بالنسبة للقوات اللبنانية  فتقدمها نسبي جداً كمثل خسارة التيار الوطني  لبعض المقاعد. ومن المحتمل أن تكون «شطارة» بعض قادة التيار الوطني الحر قد سهلت الطريق أمام القوات اللبنانية. وفي مختلف الأحوال فمن المعروف أنه يغلب على الخطاب السياسي في لبنان بوجه عام، التملق والمساومة أي ذهنية صاحب الدكان، الأسعار غير محدودة! فهي بحسب الزبون.
وفي الختام لا بد من الإشارة أن مدينة صيدا العريقة هي أجمل عندما يكون أسامة سعد نائباً عنها بدل السيد فؤاد السنيورة وأن مدينة طرابلس الشام الفيحاء يتضوع منها مسك العروبة أكثر كلما ابتعدت عن  السعودية!

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.