أحرار أوروبا وصهاينة العرب، الطاهر المعز

خطوة إيجابية أوروبية:

 يُقِيم “المعهد الفرنسي” (مؤسسة حكومية فرنسية) في حزيران/يونيو 2018 مهرجانًا بعنوان “موسم فرنسا وإسرائيل” بالتعاون مع حكومة العدو الصّهيوني، وأطْلَقَ المُثَقَّفُون والفنانون التقدّميّون والديمقراطيون الفرنسيون (ثمانون توقيعًا يوم العاشر بين الرابع والعاشر من أيار 2018) عريضة تدعو إلى مُقاطعة هذا المهرجان، ومما جاء في نص العريضة “إن التظاهرة الفنية المرتقبة تصوَّر كحدث للتبادل الثقافي، فيما يهدف هذا الجهد إلى القيام بدور الواجهة” للكيان الصهيوني الذي يُمارس “سياسات متطرّفة على نحو متزايد تجاه الفلسطينيين…”، واتهمت وسائل الإعلام الرّجعي والمنظمات الصهيونية هؤلاء المثقفين (من بينهم المُخرج جان لوك غودار، والكاتب ألان داماسيو، والكاتبة والأكاديمية آني إيرنو، ورسّام الكومكس جاك تاردي، والشاعرة ناتالي كنتان، وآخرين) ب”معاداة السّامِيّة” (وهو اتهام تقليدي وأوتوماتيكي) وب”التمييز ضد الدولة اليهودية والديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط”، كما اتهم الصهاينة الموقّعين على العريضة ب”تجاهل الثقافة الفلسطينية المعادية للسامية، والتي تستخدم الموسيقى والمسرح ودور السينما والمدارس لنشر الكراهية”… اشتهر “جان لوك غودار” بالتزامه الفكري والسياسي وبمناصرته قضايا التّحرّر، وأخْرَجَ شريط “موسيقانا” (2004) الذي جعل الصهاينة والصحف الفرنسية والسويسرية (بلاده الأصلية)، يتهمونه “بمعاداة السامية، وبمُناصَرة الإرهاب الفلسطيني”، وردّ آنذاك بأنه “مُعادٍ للصهيونية”، ومع ذلك، حلَّ ضَيْفًا على “المهرجان الدولي الثاني عشر لأفلام الطلاب” في تل أبيب سنة 2008، مما أثار دهشة بعض السينمائيين الفلسطينيين (من بينهم “آن ماري جاسر” و”هاني أبو أسعد”) وحرّروا رسالة مفتوحة وجّهتها إليه “الحملة الدوليّة للمقاطعة الثقافيّة والأكاديميّة لإسرائيل” (PACBI) لإقناعه بالعدول عن الحضور…

 

خطوات سلبية عربية:

تأتي مبادرة المُثَقّفِين والفنانين الفرنسيين بمثابة الإمتداد لحملات المقاطعة الثقافية والأكاديمية والفَنِّية والرّياضية في أوروبا والولايات المتحدة وفي البلدان غير العربية، في مقابل التطبيع العلني للحكومات العربية في كافة المجالات من المغرب إلى تونس ولبنان، أما عن الأُسَر الحاكمة في مشْيخات الخليج فَحَدِّثْ ولا حَرَج، بالإضافة إلى حكومتي الأردن ومصر، وسلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله، وهو تطبيع رسمي، طبْقًا لاتفاقيات دَوْلِية (كمب ديفيد ووادي عربة وأوسلو…)، والمنظمات الإرهابية في سوريا (“ثوار الناتو”) وعشائر الأكراد في كردستان العراق، مما يجعل القائمة تَطول، مع تسارع خطوات تطبيع حُكّام الخليج وتعدد تصريحاتهم بأن الصهاينة أصدقاء، بل حُلَفَاء، وإنهم مستعدّون لإنفاق مزيد من أموال النفط لتمويل الحروب الأمريكية والصهيونية ضد البلدان العربية (سوريا ولبنان) وضد إيران…

كان موقف حكام الخليج (ومعظم الحكام العرب) من العدوان الثلاثي ثم العدوان الصهيوني على سوريا آخر نموذج للتطبيع الخليجي والرّسمي العربي، وجَسّدَتْهُ تعليقات قناة “العربية” (سعودية تَبُثُّ من الإمارات) التي تتَبَنّى بدون أي تَحَفُّظ بيانات الناطق الإعلامي باسم جيش العدو، التي تعتبر إن المواجهة حصلت بين جيش إيران وجيش الإحتلال، ولا علاقة للجيش السوري بها، وهي نمُقَدّمة لتبرير أي عدوان صهيوني وأمريكي (بتمويل ودعم سعودي إماراتي) على إيران وعلى سوريا وربما لبنان (لأنهم يعتبرون حزب الله جزءًا من إيران، وليس قوة سياسية لبنانية وعربية)، وتتبنّى قناة “العربية” الرواية الصّهيونية بالكامل، وبدون تحفّظ، وتجاهلت “العربية” و”الجزيرة” كما “سكاي نيوز” و”فوكس” أخبار اعتراض وسائل الدّفاع السورية ما لا يقل عن نصف الصواريخ الصهيونية، وتجاهلت أخبار القصف الصاروخي السّوري لأهداف عسكرية صهيونية في الجولان والجليل المُحْتَلّيْنِ، وبثت وسائل الإتصال الإجتماعي العديد من الوثائق المُصَوّرَة عن القصف داخل فلسطين المحتلة وداخل سوريا، وأظْهَرت بعض الوثائق ارتفاع معنويات المواطنين السّورِيِّين، فوق أسطح البنايات والمنازل، وخوف المُسْتوطنين المُسْتَعْمِرِين الصهاينة، الذين يعلمون (وهم أول من يعلم) أنهم ليسوا في بلادهم، بل يحتلّون بلاد الغير (الإغيار، أو الغوييم)، وأن لا أصدقاء لهم في المنطقة، غير بعض الحُكّام، ولذلك هرعوا إلى الملاجئ…

 

عرب الضّفّة الأُخْرى، عرب أمريكا أو صهاينة العرب:

كان النّاطقون باسم حكومات العرب يُكَذِّبون ما يَتَسَرّبُ من أخبار عن لقاءاتهم مع الصهاينة، ويَدّعُون إنها مجرد “إشاعات مُغْرِضَة”، وكانت وسائل الإعلام الصهيونية تنشر بعضًا من هذه الأخبار، إمعانًا في فَضْحِ وإذْلال هؤلاء العرب، بهدف إبْراز درجة الإندماج الصهيوني في المنطقة، لكن هذه اللقاءات والمُحادثات أصبحت مُتَعَدِّدَة وعلنية، ومَصْحُوبَة بتصريحات رسْمية من الأُسَر الحاكمة في كافة دُوَيْلات الخاليج، أما في المغرب العربي وفي لبنان فتعدّدت التّظاهرات التي يحضُرها ويُشارك فيها الصّهاينة (تظاهرات رياضية وثقافية وأكاديمية…) والمُطَبِّعون من مُخرجين وموسيقيين وفنّانين، ومن قادة “المُجْتَمَع المَدَني”، أي المنظمات “غير الحكومية” المُمَوّلة أجْنَبِيًّا، من الإتحاد الأوروبي (وبالأخص من ألمانيا وأوروبا الشمالية) وغيرهم…

على الصّعيد الرّسمي ادّعى وزير خارجية البحرين (وهي مَشْيَخَة تحتلّها السعودية) وكذلك بعض الرّسميين من السعودية وقَطَر والإمارات “إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، ضد الهجمات الخارجية”، وهو ترديد حَرْفِي بدون زيادة أو نُقْصَان لتصريحات مُمَثِّلي الكيان الصهيوني وحكومات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، أما حاكم السعودية الفعلي، محمد بن سَلْمان (ابن الملك، الحاكم الصُّوري) فقد صَرَّحَ في لقاء أجْرَتْهُ معه مجلّة “ذي اتلانتيك” الأمريكية ونشرته في نيسان/ابريل 2018، أي خلال المجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني يوميا ضد أبناء الشعب الفلسطيني “إن للسعودية مصالح مُشْتَرَكَة” مع الكيان الصّهيوني، الذي مَنَحَهُ ولي العهد السعودي “الحق بالعيش في دولة مستقلة” على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وليس لمحمد ابن أبيه “أي اعتراض على أي أحد آخر” سوى على تصرفات القيادة الفلسطينية التي وجب عليها قبول الأوامر الأمريكية والصّهيونية “أو فليخرس المسؤولون الفلسطينيون”، ونشرت بعض المواقع القريبة من الصهاينة الأمريكيين ومنها موقع “أكسيوس” وقائع لقاء محمد بن سلمان مع المنظمات الصهيونية في نيويورك (أثناء زيارته الطويلة جدًّا)، وتصريحه “وجب على الفلسطينيين قبول مقترحات السلام الأمريكية والتفاوض مع الإسرائيليين… فليخرسوا وليتوقفوا عن الشكوى… إن الأولوية المُلِحّة للحكومات وللرأي العام في السعودية ودول الخليج  هي مواجهة النّفوذ الإيراني، وليست القضية الفلسطينية”…

 

من الدّعم السياسي إلى تمويل العدوان:

كان الكيان الصهيوني والسعودية من أوّل المُصَفِّقِين والمُبْتَهِجِين لقرار الرئيس الأمريكي بالخروج من الإتفاق الدولي مع إيران بشأن برنامج الطاقة النووية، وهو قرار خطير، عارضته بعض الحكومات الأوروبية الأكثر قُرْبًا من الإمبريالية الأمريكية مثل ألمانيا وفرنسا، ويبدو أن الرئيس الأمريكي أثار مع حكام الخليج مسألة نمويل أي عُدْوان صهيوني-أمريكي مُحْتَمَل ضد إيران، لأن السعودية تعتبر تدمير إيران أولوية قُصْوى، وكانت الصّحف الأمريكية والبريطانية قد نشرت وثائق تُثْبِتُ تمويل السعودية وقطر (والإمارات بدرجة أقل) منذ 2012 صفقات السلاح التي تُشْرِفُ على نقلها وكالة الإستخبارات الأمريكية من أوروبا الوُسْطى والشّرْقِية إلى المجموعات الإرهابية في سوريا، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ابتز السعودية وقطر والإمارات في صفقات ضخمة لشراء أسلحة أمريكية لا تتماشى مع حاجتها ولا مع قُدُرات جيوشها، وتؤْوِي كل مكنها قواعد أمريكية ضخمة، كان مبَرِّرُ وُجُودِها “الدّفاع” عن الأُسر الحاكمة في دُوَيْلات الخليج، ثم طلب دونالد ترامب من عُملاء الخليج تمويل العدوان الأمريكي والأطلسي ضد الشعب السّوري…

سبق أن أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في بداية شهر نيسان 2018: “إن التّدَخُّل الأمريكي في سوريا مُكَلف، ولذا سنخرُجُ من سوريا… إذا رغب منا حكام السعودية البقاء في سوريا، يتعيّن عليهم أن يدفعوا الفاتورة بقيمة ثلاثين مليار دولار، بدل أن ينفقوها على النساء والغلمان وطاولات القمار…” وفق مجلة ( The American Conservative ) التي تلوم ترامب على تحويل الجيش الأمريكي إلى جيش مُرْتَزَقَة عبر “تأجير خدمات الجيش الأمريكي للزبائن المستبدين مقابل قدر كافي من المال”…  

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.