عرب: المناخ الإقتصادي خلال شهر رمضان، الطاهر المعز

اعتادت الحكومات العربية (ربّما باستثناء لبنان) ترديد بعض الأكاذيب قبل وأثناء شهر رمضان، من قَبِيل: “كل السّلع مُتَوَفِّرَة” و”إن ارتفاع الأسعار طفيف”، وإذا ارتفعت الأسعار “فإن المواطن (المواطنة) مسؤول عن ذلك بسبب اللهفة وشراء وتَخْزِين ما يزيد عن الحاجة”، في حين يشتكي المواطن من شُحّ الموارد المالية ومن عدم قُدْرَتِهِ على شراء الضّروريات، فكيف له بشراء أكثر من حاجته؟… في هذه الفَقْرَة، نظرة موجزة وعابرة (غير مُتَعَمِّقَة) على ظروف عيش رمضان 2018 وبعض البيانات عن الوضع في بعض البلدان العربية.، مع التّرْكيز على المغرب العربي وسوريا..

في المغرب، تَضَرّرَتْ ثلاث شركات من حملة مُقاطعة، وانخفضت إيراداتها بنسبة وصَلَتْ 50%، لكن للمواطنين بدائل لشراء الحليب أو الوقود (البنزين) من محلات أخرى، وقد يكون لتصفية الحسابات بين بعض أطراف الحكم دَوْرٌ في التّرْوِيج لمقاطعة هذه الشركات التي يملك إحداها وزير في حكومة الإخوان المُسْلِمِين، لكن يَعْسُرُ مقاطعة المواد الغذائية التي تُمثل نحو 82% من الزيادات التي تشهدها الأسعار خلال شهر رمضان الذي تقدّر الحكومة ارتفاع النفقات أثْناءَهُ ب16,3% لكن هذا التّقْدِير مُجانب للواقع، لأن الإرتفاع يفوق 50% بحسب النقابات ومنظمات المجتمع المَدَنِي وبعض أحزاب المعارضة، التي رصدت زيادة أسعار اللحوم والدّواجن والأسماك والخضار والفواكه… نُشِير أن حكومات المغرب المُخْتَلِفَة تستورد سِلَعًا من الكيان الصهيوني ومنها التّمور، خاصة خلال شهر رمضان، ليفطر الصائمون على تمور مَرْوِيّة بدماء شعب فلسطين، وكثفت الجمعيات المناهضة للتطبيع حملاتها خلال السنوات الماضية، مما أَحْرَجَ حكومة الإخوان المُسْلِمين…   

في الجزائر، تسعى السلطات لطمأنة المستهلكين حول وفرة المعروض من السلع، كما تهدّد بمعاقبة التُّجّار الذين يرفعون أسعار المواد الأساسية كالحبوب والحليب والخضر والفواكه واللحوم، وكتبت الصّحف الجزائرية عن شُحّ المعروض من المواد الغذائية في المحلات التجارية الكبرى قبل يومين من حلول شهر رمضان، مما يُبَرِّرُ ارتفاع أسعارها، وفق قانون العرض والطلب، وادّعت بعض الصحف المُوالِية للحكم “إن المواطنين لا يعيرون اهتماما لارتفاع الأسعار، ويقتنون كل ما هو معروض من منتجات محلية ومستوردة”، خاصة في العاصمة وضواحيها، وقُدِّرَت جمعية التجار ارتفاع أسعار المواد الأساسية خلال الأسبوع الأول من شهررمضان بنحو 30% لكن منظمات “المجتمع المدني” تُقَدِّرُ ارتفاع أسعار المواد الغذائية الضّرورية (الخضار والفواكه واللحوم والدواجن والبيْض) بأكثر من 50%، من جهة أخرى اعتادت السلطات والهيئات المحلية تنظيم بعض نقاط البيع بأسعار منخفضة لبعض المواد (وهو ما يفعله الجيش في مصر أيضًا) لكن عدد هذه الأسواق محدود، وكذلك حجم السلع الموجودة، مما يجعلها بمثابة “ذَرّ الرّماد على العُيُون”، ولا يثمكن مكافحة المضاربة بهذه الطريقة، في بلد انتشرت فيه البطالة والفقر (رغم النفط)، ومن مظاهر الفقر، زيادة عدد الأطفال (في سن الدّراسة) العاملين بسبب الفقر، وكانت وزارة العمل والضمان الإجتماعي قد أعلنت في شهر حُزيران/يونيو 2017 “إن نسبة الأطفال العاملين في الجزائر لا تتجاوز 0,5% من العدد الإجمالي للأطفال في البلاد، لكن عدد الأطفال البائعين لساعات طويلة، في أسواق وأرضفة وطرقات وساحات العاصمة وضواحيها وبقية المدن الكبرى الأخرى، خلال شهر رمضان (الذي حَلّ قبل أن تنتهي السنة الدراسية) يُشير إن  نسبة الأطفال العاملين في الجزائر تفوق بكثير ما أعلنته الوزارة (على لسان وزيرِها)، ونَشَرَتْ شبكة جمعيات “غير حكومية” (شبكة “نَدَى”) نتائج دراسة تُفِيد “إن نحو 69% من هؤلاء الأطفال يعملون في مجال التجارة وإن 59% من الاعمال التي يقوم بها هؤلاء الأطفال، مُضِرّة بِصِحّتهم”…  

في تونس، بلغ عدد العاطلين عن العمل في الربع الأول من سنة 2018 نحو 634,2 ألفا من مجموع السكان النشيطين، أو ما نسبته 15,4% من السّكان “النَّشِطِين” (أي القادرين على العمل)، وبلغت نسبة البطالة في صفوف الذكور نحو 12,5 %، و22,9 % لدى الإناث، بنهاية 2017، وفق دراسة رسمية نَشَرها المعهد الوطني للإحصاء (وهي أرقام غير مُطابقة للواقع في جميع البلدان المشابهة لتونس)، وأدّى ارتفاع بطالة النّساء إلى ارتفاع عدد العاملات في الإقتصاد المُوازي، رغم الهشاشة والمَخاطر والحرمان من الحقوق ومن الحماية الصحية والإجتماعية، ويُعد شهر رمضان موسما لعمل النّساء في القطاع غير المُنَظّم، لإنتاج وبيع المواد الغذائية التقليدية والشعبية، بأسعار تقل عن السوق الرسمية وبجودة أعلى…  دأبت الحكومات التونسية المُتعاقِبَة على دعوة المواطنين “لترشيد الاستهلاك والاكتفاء بشراء الضروريات لتجنب النفقات الإضافية والحد من ارتفاع معدل التضخم”، عند حلول شهر رمضان من كل سنة، لكن أسعار بعض السلع ارتفعت بنسبة 150%، فيما بلغت نسبة التّضَخّم 7,7% خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2018، وارتفعت الأسعار الرسمية للمواد الغذائية بحوالي 10% قبل شهر من حلول رمضان، وفق البيانات الرسمية الحكومية، وتدْعُو بعض المنظمات “غير الحكومية” (التي تُمَوِّلُ مُعْظَمَها حكومات وأطراف أجنبية) إلى “ترسيخ عادات استهلاكية جديدة تراعي الظروف الصّعبة (والعابرة !) للإقتصاد”، فيما تفتّقت ذهنية بعض المنظمات الحكومية وغير الحكومية (في اتفاق على الجوهر واختلاف في الشكل) على أشكال من الدعايات التي تمحو الطبقات والفوارق عندما تُعْلِن: “إن المواطن هو أول مُسْتَفِيد من خفض قيمة الواردات ومن ترشيد النّفقات (أي التّقشّف) ووجب على المواطن ترشيد نفقاته”… لقد قَلّص المواطن نفقاته إلى ما دون الحد الأدنى، بسبب انخفاض الدّخل الحقيقي للعمال والأجراء والمُوظّفين، والفقراء والفئات الوسطى …

في ليبيا، نسِي الشّعب الرّخاء الذي كانت تعيشه فئات عديدة، وأصبحت البلاد مُقَسّمة إلى عدة مُقاطعات، منها ثلاث مقاطعات كُبرى تسمي نفسها حكومات، مما يعني عودة ليبيا إلى وضع عاشته قبل سبعين سنة، وعاد علم الإستعمار والمَلَكِيّة (عائلة “إدريس السنوسي”) الى الإرتفاع فوف المباني الرّسمية، وأعلنت حكومة الإخوان المسلمين (المدعومة من قطر وتركيا) وحكومة بنغازي التي تدعمها الإمارات والسعودية ومصر، مضاعفة حجم العُملة الأجنبية المُخَصّصَة لتوريد السّلع خلال شهر رمضان، “للتّخفيف من أزمة نقص المواد الغذائية” (اللحوم والأرز والطّحين والزيت وغيرها)، بعدما كانت ليبيا تنتج كميات كبيرة من الحبوب والخضار والحمضيات، كما كان الدينار الليبي يساوي حوالي 3,5 دولارات، فأصبحت ليبيا تستورد نحو 85% من احتياجاتها، بينما انخفض سعر الدينار الليبي ليساوي الدولار قرابة سبعة دينارات في السوق الموازية، وأدى انخفاض قيمة الدّينار واستيراد معظم الحاجات في ظل انخفاض أسعار النفط وتعطّل الإنتاج، إلى ارتفاع نسبة التضخم إلى 26%…

في السودان، تعيش البلاد أزمة حادة منذ عدة سنوات (منذ انفصال جنوب السودان واستحواذه على 75% من حجم وإيرادات النفط) وخفضت الحكومة الدّعم عن عدد من المواد الضرورية، ومنها المحروقات، مما رفع الأسعار ونسبة التضخم التي قاربت في ذروَتِها 50%، وتقدر الحكومة قيمة استيراد المواد الضرورية بنحو 750 مليون دولارا شهريًّا، ولكن المصرف المركزي غير قادر على توفيرها، فازدهرت السوق الموازية للصرف، فيما صَدَّرت البلاد سِلَعًا بقيمة 3,1 مليار دولارا سنة 2017 واستوردت سلعًا وخدمات بقيمة 6,7 مليار دولارا، مما يرفع عجز الميزان التّجاري إلى 3,6 مليار دولارا… هذا الوضع كان سائدًا قبل حلول شهر رمضان، ويتوقّع أن تزداد حال المواطن سوءًا خلاله وبعده…

… في الأردن طلبت الحكومة (بأُسْلُوب حَضاري مُتَمَدّن؟) من التّجار “عدم رفع الأسعار، والمحافظة على توازنات السوق المحلي، خلال شهر رمضان، وعدم استغلال ارتفاع معدل الاستهلاك من قبل المواطنين والمقيمين خلال هذا الموسم”

… في اليمن وسوريا، لم تَعُد أغلبية المواطنين تستطيع تأمين حاجتها من الغذاء والدّواء بسبب العدوان العسكري، وبسبب الفقر والنّزوح وارتفاع الاسعار وندْرَة السِّلع، بسبب الحرب (توقّف الإنتاج، ونزوح السّكان)ففي سوريا، أدّت الهزائم المُتَتالية للمجموعات الإرهابية إلى تحسّن الوضع الأمني وكذلك الإقتصادي، وإن كان التّحسن بَطِيئًا، فالبلاد في حالة حرب ضد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وشيوخ النّفط، كما أدّى الوضع إلى ارتفاع قيمة الليرة، مقارنة بالسنوات السابقة، وقدّرت الصحف المحلية زيادة 15% في أسعار أهم المواد الغذائية الأكثر استهلاكاً (الأرز والسكر والعدس والزيوت واللحم…)، خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان، وهي زيادة “متواضعة” مقارنة بالبلدان العربية الأخرى، لأن الأسعار ارتفعت كثيرًا في السابق إلى درجة عجز أغلبية المواطنين عن مُجاراتِها، في ظل ضُعف الرّواتب (لمن لهم وظائف ورواتب) وفي غياب الرّقابة في ظروف الحرب، حيث ارتفع معدل التضخم بنسبة تفوق 570%، خلال الفترة 2010 – 2017 بحسب وثائق المكتب المركزي للإحصاء (حكومي)… عن الصحف العربية المحلّية من 17 إلى 22/05/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.