مشروع قانون ضريبة الدخل ورفع الأسعار، جورج حدادين

مشروع قانون ضريبة الدخل ورفع الأسعار

” القاتل الاقتصادي والقاتل الاجتماعي”

 

المبادرة الوطنية الأردنية

جورج حدادين

2/6/2018

 

ما الهدف من طرح مشروع قانون ضريبة الدخل؟

ما هي الأسباب الموجبة لطرحه؟

ومن هي القوى التي تقف خلف طرحه؟

كيف يتم تبرير استمرار تجميد الدخول والرواتب مقابل استمرار ارتفاع الأسعار وكلف الحياة؟ كيف يتم تبرير تدني مستوى الحياة للمجتمع، وخاصة حياة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة.

نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي،أحكم صندوق النقد الدولي قبضته على القرار الاقتصادي في الأردن، وطرح في حينه ما يسمى برنامج الإصحاح الاقتصادي، بحجة إطفاء المديونية، ووضع المسار الاقتصادي على الطريق الصحيح للتعافي، في فترة عشر سنوات.

ماذا كانت النتيجة؟

ازدادت المديونية من ستة مليارات $ في ذلك الحين إلى أكثر من 38 مليار $ اليوم، وارتفعت نسبة البطالة، وعمت جيوب الفقر كافة الشرائح الاجتماعية، وساد كساد عام، ونمت مؤسسات موازية للمؤسسات الرسمية، ضاعفت تكاليفها من عجز الموازنة العامة، وتم إنفاذ ” توافقات واشنطن” بحذافيرها، لناحية بيع القطاع العام، الشركات الوطنية المنتجة “أبخس الأسعار” بمساعدة لصوص المال العام، بحجة إطفاء المديونية، وتم رفع يد الدولة عن التدخل في آلية السوق، تطبيقاً لمبدأ قدسية “حرية السوق” وتشجيع غرائز الاستغلال لدى السماسرة وكبار التجار، وتم رفع يدها عن دعم السلع الأساسية، ومنع دعمها للشرائح الفقيرة والمعدمة ، فعل القاتل الاجتماعي.

بكلمات أخرى تم تطبيق مبدأ ” القاتل الاقتصادي والقاتل الاجتماعي” الذي يهدف في جوهرة إلى إغراق الدول والمجتمعات في المديونية الداخلية والخارجية، وبالتالي إخضاعها لهيمنة صندوق النقد والبنك الدوليين، أدوات الطغمة المالية العالمية، التي تتحكم في القرار الدولي.

في هذا السياق ما هو الدور الرئيسي للدولة؟

دور الدولة، بالإضافة إلى حماية سيادة الدولة على أرضها وبحرها وسماءها وثرواتها، يكمن في إدارة المجتمع اقتصادياً وقانونياً واجتماعياً وثقافياً ، من خلال صياغة خطط التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات الوطنية، من أجل رفعة المجتمع وضمان تقدمه ورقيه ومنعته وازدهاره وسعادته، في كافة المجالات.

فهل قامت القيادة السياسية والقيادة الاجتماعية بضمان دور الدولة المناط بها هذا؟

الجواب بالتأكيد كلا، لماذا؟

لأنها قوى تابعة، لا تملك ناصية القرار الوطني المستقل، ولأن وظيفتها الرئيسة تكمن في إنفاذ إملاءات الطغمة المالية العالمية، من خلال أدواتها صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية.

لا أحد يقدر أن يتعامى عن الأزمة الشاملة التي يعيشها المجتمع الأردني والدولة الأردنية، ولا أحداً عاقلاً لا يطرح على نفسه سؤالاً عن سبب الأزمة ومسببها.

يمكن الاتفاق على أن سبب الأزمة المستدامة التي تعيشها البلاد، منذ التأسيس ولحد اليوم، يكمن في نهج الحكم القائم على مبدأ أدارة شؤون الدولة والمجتمع بالاعتماد على المساعدات الخارجية، وليس اعتماداً على بناء قطاعات الإنتاج الوطني: الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة. لا بل القيادة الاقتصادية والسياسية تعتمد نهج معاقبة المنتج ومكافئة المستهلك، علماً بأن عناصر التنمية متوفرة، حتى ولو بحدها الأدنى، التراكم الرأسمالي والتراكم المعرفي.

في أي سياق يأتي طرح مشروع قانون ضريبة الدخل وإجراءات رفع الأسعار على مجتمع مأزوم ومفقر.

نظرة فاحصة على النهج المتبع من قبل القيادتين السياسية والاقتصادية، في إدارة الأزمات المستدامة، التي تضرب المجتمع والدولة بشكل دوري، يتضح أنه يعتمد:

  • إعطاء الأولوية للسياسات المالية على حساب سياسة التنمية الوطنية، تنمية قطاعات الإنتاج، وعلى حساب خطط التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات الوطنية، وعلى حساب قوة المواطن ومستوى معيشته، حيث يتم اعتماد زيادة الواردات الضريبة المباشر وغير المباشر، بديلاً عن سياسة تنمية الإنتاج، وزيادة مروحة التكليف الضريبي لتصل إلى دخل شرائح ما تحت خط الفقر، ورفع أسعار المحروقات، ورفع سعر الفوائد على القروض، أي أن إعطاء الأولوية لمعالجة الاختلالات المالية وفقط، أي أن خفض عجوز الموازنات العامة المتتالية، يتم على حساب دافعي الضرائب وعلى حساب الشرائح الفقيرة والمعوزة وعلى حساب التنمية.
  • نتائج هذه السياسات تحتجز تطور القطاعات المنتجة ألتي من المفترض أن تكون هدف الإجراءات الاقتصادية، أي هدف تنمية البنى التحتية كحامل طبيعي وحقيقي لمشروع تطور وتقدم ورفاه المجتمع، فزيادة نسب الضرائب وتوسيع دائرة المكلفين ورفع الفوائد على القروض إجراءات تؤدي إلى تعميق الكساد وتعميق هشاشة المجتمع، وتحرم المجتمع فرص التعافي الممكنة والكامنة.

بناء على كل ما سبق، وبناء على أن كل مختص، مهما كان درجة وعيه، يعرف تمام المعرفة العلمية أن تداعيات هكذا إجراءات، لا يمكن أن يشكل رافعة نهوض، بل سيؤدي إلى نتائج مدمره على الاقتصاد وعلى المجتمع، والإصرار على الاستمرار في السير في هذا النهج، لا يمكن تفسيره إلا بكونه إملاءات خارجية، ورضوخ لشروط من أجل ضمان موافقة صندوق النقد الدولي للسماح للقيادة السياسية والاقتصادية من الاقتراض الداخلي والخارجي، وتوفير المنح لمؤسسات الدولة، بمعنى زيادة المديونية من أجل مزيد من الرضوخ لشروط وإملاءات الطغمة المالية العالمية.

فمن جانب النظام يتم تبني هذا النهج، أما من جانب المجتمع، فيمكن سرد تاريخية ثنائية الفعل ورد الفعل:

  • هبة نيسان عام 1989 رد فعل على رفع أسعار الوقود، إلى ماذا أدت هذه الهبة؟ إلى التراجع عن رفع الأسعار، بالمقابل أدت إلى المصالحة التاريخية بين قوى التبعية في الدولة وفي السوق مع القوى السياسية المعارضة، حيث أدخلت هذه القوى في ماكينة إدارة أزمة النظام، عبر التوافق على الميثاق الوطني، تبع ذلك توقيع اتفاقية وادي عربة، تحت ذريعة حماية الأردن، وتأمين الازدهار للمجتمع، فكانت نتائجه المدمرة ألتي لمسها مجتمعنا على جلده.
  • انتفاضة الخبز عام 1996 على أثر رفع سعر الخبز حصلت انتفاضة جديدة، ماذا أنتجت؟
  • الحراك من عام 2011 الذي استمر أشهر متواصلة، عن ماذا أسفر؟؟

نستنتج من هذا السرد السريع، أن هناك استعداد نضالي عالي الوتيرة لجماهير شعبنا، والدليل هو هذه الانتفاضات المتتالية، والسؤال هو لماذا لم ينتج هذه الحراك ولم يراكم؟

أين هو مصدر الخلل؟

التحدي يخلق الاستجابة، وإجراءات قوى التبعية في الحكم وفي السوق، للخروج من الأزمة يتم باستمرار على حساب الشرائح الكادحة والمنتجة والمفقرة والمعدمة، بينما لا تمس تلك الإجراءات مصالح مسببي الأزمة، هذا التحدي يخلق باستمرار حالة استجابة واسعة من جماهير شعبنا، تخلق حراك أني لا يثمر ولا يراكم.

مجموعة من الأسباب يمكن سوقها لعدم الإنتاجية هذه:

  1. غياب المشروع الوطني الجامع، مشروع التحرر الوطني.
  2. غياب الحامل الاجتماعي لهذا المشروع، أي غياب دور الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، صاحبة المصلحة الحقيقية في إنهاء هذه الأزمة مرة واحدة وللأبد.
  3. غياب الوعي بأهمية الانتقال من نهج الاستهلاك إلى نهج الإنتاج في الدولة والمجتمع.
  4. غياب الوعي التاريخي لكيفية تشكل بنية الدولة والمجتمع، ولكيفية نشؤ التركيبة الاقتصادية الاجتماعية، وما هي العناصر الداخلية وما هي العناصر الخارجية ألتي ساهمت في هذا البناء، بمعنى آخر هل أن قيام الدولة والمجتمع قد تم بناء على صيرورة طبيعية وبناء على تطور طبيعي، أم بفعل قوى خارجية، بفعل قوى الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولي، اتفاقية “سايكس – بيكو” ووعد بلفور، على صعيد المنطقة عامة وعلى صعيد الأردن خاصة، حيث تم جراء ذلك:
  • حجز مهمة إدماج المجاميع الماقبل الرأسمالية البدائية غير المتجانسة: القبلية والعشائرية والإقليمية والطائفية والجهوية والمناطقية والشللية…الخ لتشكل مجتمع حديث منتج.
  • حجز إمكانية بناء اقتصاد وطني منتج، ركيزة بناء المجتمع الحديث الموحد المنتج.
  • حجز بناء ثقافة وطنية جامعة وقيم إنسانية نبيلة.

 

هل أن الأزمة المستمرة الخانقة قابلة للحل أم لا؟

نعم هي قابلة للحل بشرط التحول نحو نهج الإنتاج، بحيث يتم تحرير رؤوس الأموال الموجودة في البنوك وفي الصناديق السيادية وفي صناديق النقابات المهنية والعمالية، والجمعيات المجتمعية، واستعادة الأموال المهربة للخارج، وتوظيفها في القطاعات المنتجة، الصناعية والزراعية والسياحة والقطاعات الخدمية، حيث المردود العالي والذي يمكّن من تسديد المديونية، علماً بأن  تسديد المديونية يجب أن لا يكون له الأولوية، والتوقف عن دفع خدمة المديونية.

نعم الأزمة قابلة للحل بحيث يتم الانتقال من مفهوم معالجة الاختلالات المالية إلى معالجة الاختلالات الإنتاجية.

نعم ممكن بوقف هدر المال العام على رفاهية الدولة ومؤسساتها، أي إنفاذ نهج ترشيد الاستهلاك على كبار موظفي الدولة ، ووقف نهج الفساد والإفساد لصالح بناء قادة اجتماعية لقوى التبعية في الحكم، وتحويل هذه المبالغ إلى قطاعات الإنتاج.  

نعم حل الأزمة ممكن من خلال صياغة مشروع مجتمعي وطني، يقوم على أنجاز مهمات المرحلة، يؤدي إلى تغيير موازين القوى على الأرض، بين الخمسة بالمائة التي تسلطت على ثروات ومقدرات الوطن، والخمسة والتسعون بالمائة في المجتمع الذين يئنون من الفقر والجوع والبطالة وضنك العيش والخوف من القادم، مهمات هي في الوقت ذاته مشروع التحرر الوطني، والمتمثلة ب:

  • كسر التبعية
  • تحرير الإرادة السياسية
  • تحرير الثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية
  • إنفاذ تنمية وطنية متمحورة حول الذات الوطنية، بناء اقتصاد وطني منتج ومجتمع مندمج موحد منتج
  • تحقيق بناء دولة الأمة الموحدة.

 

 

” كلكم للوطن والوطن لكم “

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.