أوروبا في عدد أو أعداد قادمة من نشرة الإقتصاد السياسي، الطاهر المعز

أُحاول من خلال هذه الفقرات الإشارة إلى الصراع بين الإمبرياليات وهيمنة الإمبريالية الأمريكية على العالم، وهذا لا ينْفِي إطْلاقًا شراسة الإمبرياليات الأوروبية، فهي الرّحم الذي انطلقت منه كافة النظريات العنصرية والإستعمارية والفاشية، ومنها الصهيونية، ولا تزال الإمبرياليات الأوروبية تقصف بلدانًا إفريقية وعربية وآسيوية من أفغانستان إلى مالي… في هذه اللمحة فقرة عن سويسرا، والحقائق التي لا تتصدّر أخبار هذا البلد الصغير والشّرس والثّرِي في نفس الوقت، حيث توجد الثروات المنهوبة من البلدان والشعوب المُضْطَهَدَة… الطاهر المعز

 
***

أوروبا

يُسَدِّدُ الإتحاد الأوروبي ثمن تبعيته وعدم استقلالية قراره السياسي تجاه الولايات المتحدة (الإمبريالية الأقْوَى)، وأصبحت أسواق المال الأوروبية ضحية “الحرب التجارية” بين الصين والولايات المتحدة، والتي أَضَرّت بصادرات أوروبا أيضًا نحو أمريكا، بعد إقرار رُسُوم وضرائب جُمْرُكِيّة إضافية (الصّلب والألمنيوم والسيارات…)، وأَدّى الإعلان عن تصاعد إجراءات الحماية التجارية المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين، وإعلان الرئيس الأمريكي فرض رسوم إضافية بنسبة 10% على سلع صينية بقيمة مائتي مليار دولار، وإقرار الصين زيادة الرسوم على سلع أمريكية بقيمة خمسين مليار دولار، انخفضت الأسهم الأوروبية في التعاملات المبكرة يوم الثلاثاء 19/06/2016 بسبب استمرار عمليات البيع (فاق العرضُ الطّلَبَ)، وتَصَدَّرَتْ أسهم شركات السيارات والشركة الأوروبية لصناعة الطائرات (إيرباص) و”سيمنس” للصناعات وأسهم شركات التعدين والتكنولوجيا قائمة أسهم القطاعات الخاسرة، كما انخفضت المؤشرات الرئيسية للأسهم الأوروبية، كما انخفضت أسهم شركة “أديداس” للملابس الرياضية (ألْمانية المَنْشَأ) بنحو 2% في فترة حرجة، خلال كأس العالم “مونديال روسيا 2018″، حيث تنافسها شركة “نابك” أمريكية المَنْشَأ وانخفض مؤشر قطاع التكنولوجيا الأوروبية بنسبة 2,2%… عن رويترز + أ.ف.ب 19/06/18

 فرنسا الإستعمارية

في خضم المعركة الطّبَقِيّة الدّاخِلِيّة بين البرجوازية الحاكمة وعُمّال شركات القطاع العام، أعلنت حكومة فرنسا مشاركة وحدات من “القوات الخاصة” لجيشها في نزع الألغام حول ميناء “الحُدَيْدَة” اليمني، في بداية الهجوم الضّخم الذي تشنه السعودية والإمارات، مع المرتزقة، بهدف السيطرة على الميناء، ولم يسبق أن أعلنت فرنسا مشاركتها في العدوان على شعب اليمن، ولكن المقاومة أعلنت احتجاز زورق تجسس حربي فرنسي على السواحل المحاذية للحديدة، وعلى متنه عناصر من المخابرات العسكرية الفرنسية، مما يُؤَكِّد مشاركة الإمبريالية الفرنسية في كافة الحروب العدوانية التي تَشُنُّها الإمبريالية الأمريكية والحلف الأطلسي في عددٍ من مناطق العالم، من أفغانستان في آسيا حتى “مالي” في إفريقيا. في اليمن، تشارك الأقمار الإصطناعية الفرنسية وخمس طائرات “رافال” منذ شهر آذار/مارس 2015 في عمليات التجسس، انطلاقًا من القاعدة العسكرية الفرنسية في “جيبوتي” ومن قاعدة “الظفرة في الإمارات، وسبق أن دعم الطيران الحربي الفرنسي العدوان السعودي على اليمن سنة 2009، وتُعْتَبَرُ فرنسا تاجر أسلحة، ومشاركة في نفس الوقت في العدوان، وباعت فرنسا السعودية منذ 2015 مدافع وصواريخ موجهة بأشعّة الليزر، والتي جرى استخدامها على نطاق واسع في المدن اليمنية، لا سيما في المراحل الأولى من العمليات في أذار ونيسان 2015، وتم تعديل مدافع قيصر من “نيكستر” وتزويد السعوديين بها، وطائرات بدون طيار ومروحيات وبلغت قيمة الذخائر لوحدها حوالي مليار دولارا، وتُزَوِّدُ الطائرات الفرنسية الطيران الحربي السعودي بالوقود في الجَو، وتُشارك البحرية الفرنسية في حصار اليمن وفي التجسس ورفد البحرية السعودية والإماراتية، وعمومًا قُدِّرت قيمة صفقات الأسلحة الفرنسية للسعودية وحدها من 2010 إلى 2016 بأكثر من ستة عشر مليار دولارا… عن موقع صحيفة “لوفيغارو” + صحيفة “لوموند” + أ.ف.ب 18/06/18

 فرنسا

أعلن وزير الاقتصاد الفرنسي إن معظم الشركات الفرنسية لن تتمكن من البقاء في إيران، بعد تراجع أمريكا عن الإتفاق الدّولي المَعْرُوف ب”اتفاق النووي الإيراني” وبعد إعادة فرض الولايات المتحدة عقوبات وحَظْرًا على التعامل مع إيران، مما يعيد إلى الأذهان النقاش الذي دار في أوروبا سنة 2005، أثناء الإستفتاء عن الدستور الأوروبي (الذي رفضه الفرنسيون بأغلبية هامّة) بشأن ضرورة تأسيس هيئة مالية أوروبية سيادية ومستقلة، لتتمكن من التعامل بغير الدولار ودون الإضْطِرار للخضوع إلى رقابة أمريكا على المعاملات المصرفية والمَالِية الدولية (مثل نظام “سويفت” الذي يوجد مَقَرّه في بروكسل ولكن الولايات المتحدة تتحكم به)، ولا تسمح المؤسسات المالية الأوروبية حاليا بإقامة قنوات تمويل التّجارة والإستثمار بين شركات أوروبية وبقية بلدان العالم، بسبب الهيمنة المُطْلَقَة للدولار على المبادلات التجارية العالمية، مما يجعل من العَسِيرِ على الشركات تجاهل التهديدات الأميركية (شُرْطِي العالم) بفرض عقوبات، لذلك نصحت الحكومة الفرنسية عدة شركات بالإنسحاب من إيران (وفعلت الحكومات الأوروبية الأخرى نفس الشيء)، ومن بينها مجموعة “بي إس آ” لسيارات بيجو وسيتروين ودي إس وأوبل، بعدما قاربت مبيعاتها 450 ألف سيارة وعَربَة سنة 2017 (حوالي 600 ألف سنة 2012، قبل الحظر)، وشركة النفط “توتال” التي ستنسحب من المشروع الضخم في حقل “بارس” الجنوبي للغاز، فيما أعلن ناطق باسم شركة صناعة السيارات “رينو” أن المجموعة سوف تُخَفِّضُ من نشاطها، لكنها ستبقى في إيران… أ.ف.ب 19/06/18

 سويسرا

راجت مَعْلُومات كثيرة زائفة عن “حياد” سويسرا (أو دول أوروبا الشمالية) وعن دفاعها عن حقوق الإنسان والسِّلم وغير ذلك من الأراجِيف، إذ تُعْتَبَرُ سويسرا أحد أكبر ملاذات المال الفاسد والمشبوه لِكبار اللُّصُوص من زعماء العصابات وللحكام وأصحاب الشركات الكبرى (إضافة إلى الفوارق الطبقية الهائلة بين المواطنين)، وهي تحتل أيضًا مكانة مُتقدّمة في ترتيب الدول المُصَدِّرَة للأسلحة، حيث ارتفعت القيمة المالية لمبيعاتها من السلاح سنة 2017 بنسبة 8% إلى حوالي نصف مليار دولارا مُعْلَنًا إلى 64 دولة، رغم انخفاض صادرات السّلع السويسرية خلال نفس العام بنسبة 1% بالمقارنة مع 2016، واشترت دول آسيا حوالي 25% من هذه الأسلحة وإفريقيا 7,3% ولسويسرا علاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني في مجال الأسلحة، لم يذكرها تقرير وزارة الخارجية (التي يحتلها وزير من اليمين المتطرف جدا)، وبلغت مبيعات سويسرا من السلاح إلى الهند تسعة ملايين دولارا وباكستان سبعة ملايين دولارا والسعودية خمسة ملايين دولارا، واحتلت سويسرا سنة 2016 المرتبة الرابعة عشرة في ترتيب أكبر الدول المُصَدِّرَة للأسلحة في العالم، وفْقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام…
يحظر القانون السويسري حتى منتصف 2018 تصدير الأسلحة إلى البلدان المتورطة أو الضالعة في نزاع مسلح داخلي أو دولي، لكن قطاع صناعة الأسلحة تمكّن (بدعم من كافة أنواع اليمين “المتطرف” و”المعتدل”) من “التخفيف من الضوابط المُنَظِّمَة لتصدير الأسلحة”، وأصبح بإمكان السلطات الفدرالية -منذ 15 حزيران 2018- منح رخصة تصدير شريطة “عدم وجود أسباب تدعو للإعتقاد بأن الأسلحة ستُستخدم في النزاع”، وستكون تراخيص التصدير صالحة لمدة عامين بدلاً من سنة واحدة في السابق، “للحفاظ على القاعدة الصناعية للبلاد، ولتحفيز الشركات السويسرية لصناعة الأسلحة والمعدات الحربية، وللحفاظ على الوظائف التي أصبحت مُعرّضة للخطر”… 
أما الخاصية الأخرى لسويسرا فهي ازدهار مصارفها واجتذاب أموال الأثرياء، بفضل “سرية المعلومات” التي كانت تُميز مصارف سويسرا، قبل الحملة الأمريكية ضدَّها خلال الأزمة المالية (2008-2009)، ولا تزال سويسرا من أكبر المراكز المالية في العالم، وتنمو سوقها المالية بنسبة 3% سنويًّا (رغم ضغوط أوروبا وأمريكا)، وتُدير أكثر من 2,7 تريليون دولارا أو ثُلُثَ الثروة العالمية العابرة للقارات التي تنمو بدورها بمعدل 5% سنويًّا، وتعززت مكانتها بازدهار تعاملات أسواق الأوراق المالية التي رفعت قيمة ثروة الأشخاص في العالم بنسبة 12% خلال العام 2017، وتفوقت سويسرا على هونغ كونغ (1,1 تريليون دولار)، وعلى سنغافورة (900 مليار دولار)، ويتوقع تقرير أصدرته “مجموعة بوسطن الإستشارية” الأمريكية تطوير المجموعات المالية السويسرية نشاطها في آسيا، واجتذاب ثروات هائلة، تبحث عن ملاذات تنعم بالإستقرار، مقارنة بمناطق أخرى تعيش في محيط يتميز بحالة من عدم الإستقرار، وتوفّر سويسرا الإستقرار المالي والسياسي والقانوني الذي يساعد على استثمار الثروات وعلى زيادة الأرباح، ويتأتى الجزء الأكبر من الثروات الأجنبية التي تدار في سويسرا من ألمانيا وفرنسا والسعودية، وفق موقع التلفزيون السويسري الناطق بالألمانية… عن رويترز + موقع الإذاعة والتلفزة السويسرية (حكومية) 15 و19/06/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.