قراءة في الانتخابات التركية، الطاهر المعز

ملخص الوضع الإقتصادي + لمحة (غير مكتملة) عن المناخ السياسي

 

وردت الفقرة التالية في العدد 434 من نشرة الإقتصاد السياسي، وهي تخص الجانب الإقتصادي، بينما تناول مُلَخّص ملف صحيفة “الأخبار” (بعد هذه الفقرة) جانبًا من المحيط السياسي في تركيا أثناء الحملة الإنتخابية.

تركيا: اعتمد اقتصاد تركيا خلال العقدين الأخيرين على الإستثمارات الأوروبية لتحويل تركيا إلى ورشة لإنتاج بعض ما تحتاجه أوروبا من غذاء ومن ملابس وبعض التجهيزات الأخرى، وكذلك على اقتراض الشركات بفائدة منخفضة للإستثمار في قطاعات الإنشاء والبناء (مع التّذكير أن رئيس الحكومة هو من كبار مقاولي اسطنبول)، ومَكّنت التدفقات الأجنبية والإستثمارات الأوروبية اقتصاد تركيا من النمو السريع بنسبة 7,4% سنة 2017، لكن نسبة التضخم ارتفعت خلال نفس السنة إلى 13%، ولم تُظْهر حكومة المُقاول “بن علي يلدريم” أية بوادر لدفع نمو الإقتصاد، ولوضع حد للتضخم… استفاد اقتصاد تركيا منذ 2008 من الكميات الكبيرة للدولارات والعملات الأجنبية الأخرى التي تضُخُّها المصارف المركزية في الدول الرأسمالية المتطورة في الاقتصادات الناشئة، بفائدة ضعيفة، وارتفعت نسبة النمو سنة 2017، لكن ارتفع حجم الدين الخارجي، وارتفع عجز الحساب الجاري من أقل من 3% إلى أكثر من 5% من إجمالي الناتج المحلي، وبلغ معدل التضخم 13,5% وأدّى تراجع الليرة إلى ارتفاع الدين الخارجي للقطاع الخاص إلى أكثر من 245 مليار دولارًا (ديون قصيرة وطويلة الأجل)، ووعد أردوغان خلال حملته الإنتخابية برشاوى سياسية (حوافز وتخفيضات) بنحو 12,5 مليار دولارا، غير إن الإقتصاد التركي اعتمد على تمويل النّمو عبر القروض الخارجية، وتدفقات رأس المال القصير الأجل، مما يجعل النّمو هَشًّا لأنه لا يعتمد على أسس إنتاجية داخلية متينة… مع انخفاض قيمة العملة المحلية (اللِّيرة) بنسبة 25% خلال خمسة أشهر، وانخفاضها خلال شهر أيار 2018 (خلال الحملة الإنتخابية) من 3,75 إلى 4,92 ليرة مقابل دولار أمريكي واحد، تحولت نقطة قوة اقتصاد تركيا (اجتذاب الإستثمارات الأجنبية) إلى نقطة ضعف، حيث بادر المستثمرون الأجانب إلى التخلص من الليرة واستبدالها بعملات أجنبية، مما زاد من حِدّة تراجع سعر صرف اللِّيرة، ويُصِرُّ رئيس الدولة ورئيس حزب الإخوان المسلمين (العدالة والتنمية) رجب طيب أردوغان على تجاهل الأسباب الإقتصادية التي أَدّتْ إلى انخفاض سعر صرف الليرة وإلى ارتفاع نسبة التضخم، وارتفاع العجز التجاري للبلاد إلى 37,5%، ليُؤَكِّدَ على “تَعاوُنِ أطراف داخلية مع جهات أجنبية تُحيك مؤامرة” تهدف الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، “بتخريب الإقتصاد، عبر استخدام الليرة للتأثير على نتيجة انتخابات 24 حزيران/يونيو 2018 “، وتوعّد بفرض سيطرة كبرى على الاقتصاد عقب الانتخابات (في دولة تتبنّى الليبرالية الإقتصادية وحُرّية التجارة والأسواق)، بينما يعتبر عدد من الملاحظين أن أسباب تدهور الوضع الإقتصادي تعود (في جزء كبير منها على الأقل) إلى التكاليف الباهظة للعمليات العسكرية داخل البلاد وفي سوريا والعراق (نشير بالمناسبة أن تركيا تعمل على تأسيس كيان تركماني شمال سوريا وتستهدف إنشاء مليشيات موالية لتركيا قد تضُمّ في صفوفها 100 ألف مُسَلّح) وإلى ركود قطاع العقارات (وهو قطاع يعتمد على المُضارَبَة، بدل الإنتاج)، وإلى إفراغ جهاز الدولة من كوادره وخبراته إثر انقلاب صائفة 2016، وإلى ارتفاع نسبة التضخم، وإلى إعادة جدولة الديون قصيرة الأجل، وأدى مجمل هذه الأسباب إلى إصدار وكالات التّصنيف التصنيف الإئتماني تقييمات سلبية للاقتصاد التركي، أدت بدورها إلى تخوفات المُستثمرين ورجال الأعمال، ومن جهة أخرى، أدّت سياسة القمع والتّسلط واستغلال محاولة الإنقلاب المشبوه وفرض حالة الطوارئ، إلى إضعاف دور المُنْتِجِين (العمال والحرفِيِّين وصغار المزارعين) ودور النقابات…

يطمح حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وزعيمه رجب طيب أردوغان إلى قيادة مُسْلِمي المنطقة (عرب وإيرانيين وأتراك) عبر توظيف واستثمار القضية الفلسطينية وإلقاء الخطب الحماسية، مع عدم التّفريط، بل تعزيز التعاون الإقتصادي والعسكري والأمني (والمُخابراتي) مع الكيان الصهيوني، وتعزيز التبادُل التجاري، وارتفاع عدد رحلات الخطوط الجوية التركية نحو تل أبيب إلى تسع رحلات يوميا… يَعْتَبِّرُ مُنظِّر حزب العدالة والتنمية، رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو (الذي أزاحه أردوغان، بعد توظيف قُدُراته لصالحه) في كتابه “العمق الاستراتيجي”، إن العلاقات مع الكيان الصهيوني ضرورية لتركيا (عضو الحلف الأطلسي) لخلق “توازن في العلاقات مع إيران والعرب” ولتحسين “العلاقات مع اللوبي اليهودي والغرب”، وأكد أحمد داوود أُغْلُو بشأن الموقف من فلسطين “التركيز على الشكل (القول بمناهضة الصهيونية) وليس على المضمون (الفِعْل بتعزيز العلاقات النّفْعِية والتحالف مع الإحتلال)” عن وكالة “بلومبرغ” (أمريكا) + “غارديان” (بريطانيا) 30/05/18

*****

مُلَخّص آراء من خلال ملف نشرته صحيفة “الأخبار” اللبنانية 22/06/2018 –

ملخص وجهات نظر قوى اليسار التّركي

 

هَبَط وزن اليسار في تركيا، وغابت “الجبهة الإشتراكية المُوحّدة” من حملة الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، بسبب اختلاف أولويات الأحزاب اليسارية في مقاربتها وفي كيفية مواجهة «أحزاب رأس المال»، مثل «حزب العدالة والتنمية» وأحزاب المعارضة التي يعتبرها اليسار “ليست في صراع مع رأس المال»، وإنّما تريد إصلاحه”، وتتوزع مواقف يساريي تركيا بين محاربة الإمبريالية والعمل على استعادة العلمنة من خارج النظام من ناحية، والتركيز مؤقتاً على الوقوف بوجه الحزب الحاكم، من ناحية ثانية، ويشكّل الموقف من أحزاب المعارضة، ومنها حزبي «الشعوب الديمقراطي» و«الشعب الجمهوري»، أيضاً معياراً مبدئياً في تحديد الأحزاب اليسارية لطبيعة صراعها اليوم. 

هناك اتفاق على ضرورة الوقوف بوجه الإسلام السياسي، لكن هناك اختلاف بشأن دعم أو عدم دعم المعارضة المُشاركة في الإنتخابات الحالية، إذ يرى جزء من اليسار أن دعمها ضروري للحصول على الأغلبية البرلمانية ككتلة معارضة قويّة وفاعلة ضدّ السلطة، مما جعل بعض الأحزاب الاشتراكية تدعم «حزب الشعوب الديمقراطي»، بل ترشّح ضمنه بعض رموز اليسار في البلاد، بينما ترى أحزاب أخرى أن العمل على التخلص من الحزب الحاكم لا تعني دعم المعارضة التي لا تتناقض كثيرًا مع جوهر أفكار «العدالة والتنمية»، بل تستعير هذه المعارضة منه بعض شعاراته لكسب الأصوات المحافظة، متناسيةً مبادئ مهمة مثل العلمانية…. 
تتباين مواقف رؤساء أبرز الأحزاب اليسارية، ومن بينهم الأمين العام للحزب الشيوعي التركي، ورئيس «الحركة الشيوعية» (المنشق فسنة 2015 عن الحزب الشيوعي)، ورئيس «حزب الحرية والتضامن»، ورئيسة «حزب العمل»، وبعض التنظيمات الأخرى التي لم تعلن أي اتفاق مع الأحزاب المترشحة للإنتخابات، والتي أعلنت أنها تبحث عن “بديل إشتراكي”، ومنها جناح “النضال ضدّ النظام” الذي يشكّل الامتداد التاريخي لحركة «الطريق الثوري» اليسارية الاشتراكية، والمؤلف من «الحزب الشيوعي التركي» و«حزب الحرية والتضامن»، ويرى هذا الأخير “إن مشروع العدالة والتنمية، أي الإسلام السياسي، قد أشرف على النهاية”، ووجب تسريع هذه النهاية من خلال الانتخابات التي قد تشكل فرصة لإطاحة الإسلام السياسي، وحلفائه من الحركات الفاشية، مثل “الحركة القومية”، ويُدْرِك الأمين العام لهذا الحزب “إن هزيمة النظام الإسلامي في الانتخابات لا تعني حلّ كل المشاكل، ولذلك يعمل الحزب من خارج البرلمان، ويحاول تأسيس وتنظيم معارضة اجتماعية ونضال شعبي موحد”، أما “الحزب الشيوعي التركي” فإنه يرفض المشاركة في هذه الانتخابات، ويتبنى موقف مقاطعة الإنتخابات الرئاسية، ولكنه يدعم  17 مرشحاً مستقلاً للانتخابات البرلمانية، لأن الحزب يعتبر “النظام الرئاسي يروّج لفكرة شخص واحد برجوازي قادر على إنقاذ بلد بأكمله”… تُعتبر «الحركة الشيوعية»، بمثابة الحزب الوحيد الذي اختار المقاطعة الكاملة لعملية التصويت، بسبب التضييق القانوني وحصر القانون الانتخابي للقوى التي بإمكانها الترشح بصورة حصرية، وتُعارض “الحركة الشيوعية” بشدة النظام الرئاسي، أما رئيسة «حزب العمل» فترى في هذه الانتخابات فرصة لتفادي إعادة تأسيس النظام السياسي على قاعدة «رجل واحد – إدارة حزب واحد»، ولذلك ترى ضرورة التصويت لـ«حزب الشعوب الديمقراطي» ليتخطى عتبة نسبة 10% ، والمساهمة في النضال من أجل الديمقراطية، وفق رئيسة حزب العمل… 
يؤمن شيوعيو تركيا واشتراكيوها بفساد المنظومة السياسية في البلاد، وبحصر المنافسة بين حلفين يمينيَّيْن: «حلف الشعب» المؤلف من الأحزاب «الفاشية والإسلامية» (العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية)، و«حلف الأمة» المؤلف أيضاً من أحزاب «إسلامية وفاشية» (حزب السعادة وحزب الخير)، إضافة إلى يمين وسط تابع لـ«حزب الشعب الجمهوري». بمعنى آخر، إنّ هذه الانتخابات تعكس منافسة بين أقطاب النظام، وتستخدم المعارضة «الدين كوسيلة لمخاطبة الناخبين المحافظين»، وتسعى لإصلاح ما تسميه «الضرر الذي ألحقه أردوغان بعلاقة تركيا مع الغرب»، مما يجعل المعارضة وجهًٍا آخر من وجوه السلطة، ولا يمكن تصديق وَهْم “التغيير المنتظر بعد الانتخابات”، وفق الأمين العام لـ«الحزب الشيوعي التركي»… 

قد تتجه فئة من الناخبين اليساريين نحو منح أصواتها لمرشح “حزب الشعب الجمهوري” لأنّه الأقوى في وجه أردوغان في الإنتخابات الرئاسية، فيما يعتقد الحزب الشيوعي إن حزب «الشعوب الديمقراطي» ليس يسارياً! ولا يتفق مع دعم «حزب العمل» له ولا مع وصف رئيسته لهذه “الشراكة مع حزب الشعوب الديمقراطي كجزء من النضال لاستعادة الديمقراطية”
تُحاول الحركة الكردية وحزبها القانوني الهمينة على يسار تركيا، وذلك لأنها قوية شعبياً، ولها جناح مسلح، فيما أصبح اليسار ضعيفًا، ولا بديل له عن الذّوبان داخل منظومة “حزب الشعوب الديمقراطي”، في حالة التحالف معه، ليَفْقِد اليسار تأثيره وليندمج ضمن استراتيجيات الحركة الكردية، رغم الخطابات التي تتحدث عن “الدعم المرحلي” (حزب الحرية والتضامن)، أو عن “توحيد النضال مع الحركات المناهضة للنظام ولو اختلفنا في السياق الأيديولوجي”، فيما ترفض قُوى يسارية “العلاقة الوثيقة لحزب الشعوب الديمقراطي مع الحركة القومية الكردية المتحالفة استراتيجيًّا مع الإمبريالية الأمريكية، خارجيا ومع اتحاد الصناعة والأعمال التركي – توسياد، داخليا، وهي منظمة برجوازية لأرباب العمل”، كما ترفض “الحركة الشيوعية” الدور المشبوه للمنظمات الكردية في سوريا المدعومة من الإمبريالية الأمريكية، وارتباط الحركة السياسية الكردية بالخطط الرامية إلى تثبيت التواجد العسكري للإمبريالية عبر الورقة الكردية في سوريا والعراق، والمساهمة في سياسة التّقْسِيم، ويعتبر الأمين العام للحزب الشيوعي التركي إن حزب الشعوب الديمقراطي “ليس يساريا بل هو جزء من مشروع سياسة التقسيم، فهو حزب قومي ينطلق من قاعدة شعبية كردية، وليبرالي يروّج لاقتصاد السوق ولعلاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي، عدا عن كونه عضواً مستشاراً في الإشتراكية الدولية، وله ارتباطات عميقة مع الإمبريالية الأمريكية في سوريا…”، أما على الصعيد الداخلي التركي، فيعمل حزب الشعوب الديمقراطي على “إقناع البورجوازية والطبقات الوسطى بقدرته على العمل بفعالية وسط النظام الحالي”… يعتقد الباحث فاتح ياشلي “إن بروز حركة سياسية اشتراكية ممكن، إذا ما أصرّ الاشتراكيون على العمل على خطّ سياسي مستقلّ، للإستفادة من الزخم الذي خلقته تظاهرات ساحة جيزي في اسطنبول سنة 2013″، بينما يعتقد الأمين العام للحزب الشيوعي، إن العمل السياسي لا يقتصر على التصويت، بل تكتمل مقاومة النظام من خلال العمل اليومي ونضال المواطنين من أجل خبزهم اليومي وحقهم في العمل، وعبر تحقيق العلمانية ومحاربة الإمبريالية المتمثلة بمؤسسات الناتو والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وبالأخص ضد الإمبريالية الأميركية الناشطة جداً وبشكل عنيف في منطقتنا، من اجل تحقيق الأهداف البعيدة ومنها التخلص من نظام استغلال الطبقة العاملة”… 
ترى معظم القوى الشيوعية التركية أن السياسة الداخلية لحزب “العدالة والتنمية” لا تنفصل عن دوره في “الشرق الأوسط”، فالحزب الإسلامي وحكومته “جزء من خطة الإمبريالية عبر الإرهاب الجهادي واستبدال الحكومة السورية بحكومة تابعة لها، فيما يحتل الجيش التركي مدن الباب وعفرين ومنبج، بما يتوافق مع خطط الإمبريالية الرامية إلى تقسيم سوريا والسيطرة عليها، مما خلق تحالفًا موضوعيا بين الامبريالية والحركات والسياسات الكردية ومصالح الكيان الصهيوني والنظام التركي، بشكل غير مباشر…”، ويرى الأمين العام لـ«الحزب الشيوعي التركي» أن «حكومة أردوغان والولايات المتحدة ودول الناتو وإسرائيل وبعض الدول العربية الرجعية، دمرت سوريا وقَسّمتها”، لذلك يرى أن «مقاومة سوريا وانتصارها على هذه البربرية، هو أمر مهم جداً ليس فقط بالنسبة الى السوريين، بل لكل المنطقة، مع ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا…”.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.