في وداع جمال فراج: (1) صباح الخير يا جمال، حمدي فراج (2) إلى حمدي بواسطة جمال فراج، عادل سمارة

(1)

صباح الخير يا جمال
بقلم : حمدي فراج

“صباح الخير يا جمال” ، لن يحول موتك ان اوجهها لك في القبر ، لأنك كنت تعرف ان الموت لا يستطيع احتواء الحياة ، لا يستطيع احتواء خرير جدول يعكف على غسيل ارضه المحتلة ، لا يستطيع احتواء زقزقة عصفور صغير جائع ينشد منقار امه ، ولا جمال فتاة تتفجر انوثتها في ريعان بلوغها ، لا يستطع احتواء افكار الناس و ابداعاتهم وتضحياتهم منذ ان انتصبوا على قائمتين وامتشقوا قلم .
كنت تعرف أن الظلم من الانسان على أخيه الانسان ، انما هو بحد ذاته موت ، وأن الثورة عليه انما هي حياة ، بل هي الحياة ، وأن اي تساوق مع هذا الظلم ، أيا كان هذا التساوق ، تساوما وتحايلا وتقايضا انما هو شكل من أشكال الموت ، يؤجل احيانا ذهابنا الى القبر بعض الوقت لا أكثر ولا أقل . فأخترت انت الحياة (الثورة) منذ نعومة أظفارك كما يقولون ، على هذا الظلم ، الظلم الذي لم يقتصر على شكل واحد او طعم واحد او جنس واحد ، ظلم شامل عابر للقارات والحدود والمحيطات ، عايشت هذا الظلم المركب ، ظلم الفقر واللجوء والجوع والزيف والخداع والتجهيل والفهلوة والسجن والابعاد والمرض ، عايشته من خلال فكرك الثاقب متجسدا في عينيك الجميلتين السوداويتين تسبر ببصيرتك غور حالات مئات المظلومين بل ربما الالاف على امتداد ما يطول بصرك وتصل قدمك وتمد يدك ، رافضا ما يتلفظ به البعض من ان “العين بصيرة واليد قصيرة” ، وسيتفاجأ الكثيرون من مبغضيك ومحبيك على حد سواء بالكثير من موجات مجابهاتك ، ما كشفه الرفيق النوعي ممثل الجبهة في لبنان مروان عبد العال ان الحكيم جورج حبش ، ضمير الثورة وفق رئيسها ياسر عرفات ، وقد سبقاك الى حيث انت اليوم في القبر ، انه – حبش – قد فاخر كل ثورات العالم المعاصرة ان لديه في ملاكه القيادي ثائرا صغيرا تقوم دولة اسرائيل القوية العتية بإبعاده عن ارضه وبيته لانها لم تستطع احتواء خطره ، ويهمس عباس زكي منسق الانتفاضة الاولى :” كان جمال مغلبني ومجنني ، ولكني والله كنت أحبه” ، سيكتشف حتى اقرب مقربيك ، انك وضعت كتابا ثقيلا عن دار الفارابي اللبنانية وهي من اشهر دور النشر العربية – على حد علمي – بتقديم مفكر فلسطيني وعربي بحجم عادل سمارة ، وانت الذي لم تطأ قدمك الجامعة ولا حتى التوجيهي مقياس التعلم والتقدم في بلادنا ، وكأنك اردت ان تقول لنا هذا بطلان ، هذا ظلم ، وها انذا أثور عليه وأفضحه . وهو ما فعله ستيف هاوكنغ بسقمه وابراهيم ابو ثريا الذي كان يسير في مسيرات العودة بدون اقدام .
لا عزاء في مثل هؤلاء ، التي تعج فلسطين بأمثالهم ، لان الموت لن يستطيع احتواءهم وإن رحلوا ، ولهذا يا جمال هب الناس من كل اصقاع فلسطين على مختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية في ثلاثة ايام عزائنا ، يعزون أنفسهم ، ويصبحون عليك في القبر : صباح الخير يا جمال .

(2)

 إلى حمدي بواسطة جمال فراج

عادل سمارة

داهمني قولك في جمال هذا الصباح مداهمة حزن في زمن التصحُّر الممتد ربما باتساع الأفق. حزن يشحن الكهولة فيعود المرء فَتِياً وعَفِيَّاً، حزن شرط تجاوزه في العودة التي ضنَّت المرحلة على جمال بها مشيا على قدميه الحادتين كحد السيف اليمانيِّ فقررالعودة إليها من رحمها.
داهمني قولك في تأبينه كما داهمني شخصه ذات يوم يقول لي بلا استئذان، والثوري محب لا يستأذن أبداً: أنا قادم إلى قريتك ولي فيك طلب. وجاء مع بعض الشباب. كنت اعرفك انت قديما وأعرف نادي وناجح ومريم، لكنه كان أول لقاء به في مكتبتي المتواضعة “القرمطية”. وكان كتابه في التطبيع، بل كان هو مُدْهش كما مخيم الدهيشة نفسه.
أعادتني قرائته إلى شعراء كبار ذوي القصيدة الواحدة “دوقلة المنبجي، والحسن بن زريق…” حيث فاقوا وتفوقوا على العديد من المُكثرين.
كان قد فهم من حقبة التصحُّر هذه أنه لن يعود إليها مشيا على قمم جبالها الحزينة، فقرر أن يترك على ثراها أثراً لا يمَّحي، إنه كتابه في التطبيع. هو حرب مواجهة غِوارية، حرب غِوار الثقافة والفكر، تطاردهم من المحيط إلى الخليج، ليحضرني حين قرأت ما كتبه ناجح نعياً له، بعمر المختار قول شوقي في عمر المختار أيقونة ليبيا القتيلة:
ركزوا رفاتك في الرمال لواءَ…يستنهض الوادي صباح مساءَ
يا ويحهم ركزوا مناراُ من دمٍ…يوحي إلى جيل الغد البغضاءَ

 

لقد ارتحل ولم يرحل.

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.