مشروع تغيير وطني للحوار، المبادرة الوطنية الأردنية

حلقة 1

يعيش الأردن أزمة ممتدة على كافة الصعد: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، منذ التأسيس ولغاية اليوم، تظهر بشكل حاد تارة وبشكل مستتر تارة أخرى، لماذا؟

خلال سنوات الوفرة ( تدفق المنح والمساعدات الخارجية) يخبو النقاش حول الأزمة، ثم يعود للاشتعال خلال سنوات الضيق.

أوقات اشتداد الأزمة تجهد النخب ذاتها في البحث عن حلول لها، مقاربتان يتم تداولهما في هذا السياق، مقاربة الإصلاح ومقاربة التغيير، تستند الأولى إلى رفض الواقع والسعي لإصلاحه وحسب، وهي مقاربة جرّبت على مدى الزمن، منذ التأسيس إلى اليوم، فلم تنتج ولم تثمر حلول وذلك لأسباب تتعلق بغياب الوعي التاريخي لقوى الحراك، من جانب، وقوة قبضة المركز الرأسمالي على الدولة وعلى المجتمع، من جانب آخر.

هناك مقولة زائفة باتت من مقدسات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي، لدى النخب الأردنية ولدى المجتمع الأردني، ناهيك عن القيادة السياسية والقيادة الاقتصادية !!

 المقولة:

“لا يوجد بديل، وهذا الواقع لا يمكن تخطيه، السبب محدودية الموارد والإمكانات، وأكثر ما يمكن فعله هو تحسين شروط الواقع القائم: من خلال إجراء إصلاحات متدرجة على صعيد المنظومة الاقتصادية – الاجتماعية والسياسية السائدة ” حيث عملت قوى التبعية في الحكم وفي السوق وفي صفوف النخب بقوة على تثبيت وتحويل هذه المقولة إلى مقدس لدى العامة، على الرغم من حراكات شعبية تحدث بين الفينة والأخرى، وبسبب تشويه وتزييف الوعي الجمعي هذا فأن هذه الحراكات لا تراكم نتائج فعلية على أرض الواقع ولا تنتج حلول.

هل تصمد هذه المقولة – عدم القدرة على تغيير الواقع – أمام المحاكمة العلمية؟

الأزمة التي تعيشها البلاد، منذ التأسيس، سببها المباشر والرئيس هو نهج التبعية الذي يعتمد المساعدات الخارجية والمنح لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، وحجز الثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية عن فعل فعلها في بناء الدولة الوطنية المنتجة المستقلة والمجتمع المنتج المنتمي.

الأزمة تكمن في كون الدولة مستهلكة والمجتمع مستهلك، وكما هو معروف فأن المستهلك غير منتمٍ، بينما وحده المنتج بطبيعته منتمٍ، والدولة المستهلكة بالطبيعة هي دولة غير مستقلة ولا تملك قرارها، لأن الذي يدفع للزمار هو من يحدد اللحن.

الأزمة القائمة هي أزمة حكم وأزمة مجتمع، أزمة مؤسسات الحكم وأزمة مؤسسات المجتمع، هي أزمة نهج  فرض على الدولة والمجتمع، من قبل دول الاستعمار والهيمنة، بريطانيا سابقاً ثم الولايات المتحدة لاحقاً، لخدمة مصالح ومخططات المركز الرأسمالي العالمي، على حساب مصالح شعبنا وأمتنا العربية.

مارست مجموعة التبعية الحاكمة عبر كل هذه العقود ، سياسة القمع وخنق الحريات العامة، وسيطرت الأجهزة الأمنية بشكل مطلق على إدارة شؤون الدولة والمجتمع، حيث اتبع سياسة معاقبة الوطنيين المخلصين من أبناء هذا الشعب، وتم إبعادهم عن صنع التنمية الوطنية وبناء مستقبل البلد، في حين تم بناء شريحة انتهازية ذيليه وسلمت مواقع ومفاصل الدولة.

ومارست الأجهزة الأمنية قمع العمل السياسي  وقامت بالاستيلاء على النقابات العمالية ونصبت قيادات خاضعة تماماً لسيطرتها ، وتم التغوّل على حقوق العمال لصالح أرباب العمل، ونجحت في حرف النقابات المهنية عن دورها في خدمة منتسبيها والمساهمة في صياغة خطط التنمية الوطنية الحقيقية، حيث تم منع السفر والعمل للشرفاء من أبناء هذا الوطن، ولكن مجموعة التبعية الحاكمة لم تعتمد فقد على أساليب القمع لا بل نجحت باستمرار في تزييف الوعي الجمعي وفرض تصورها لشكل وصيرورة المجتمع، كما ونجحت في تحديد سقوف المطالب وطبيعة الحراكات، كما وفرضت وحددت أطر المطالب وحصرتها في مجال الحريات اللبرالية والتشريعات والقوانين والأنظمة، أي في البنية الفوقية، وحجبت السبب الجوهري لهذه التحركات ألا وهو رفض التبعية ورفض حجز التنمية الوطنية الحقيقية المعتمدة على الذات، أي البنية التحتية.

” كلكم للوطن والوطن لكم”

حلقة  2
الكل يبحث عن حلول، ولكنها لا تأتي ، لا بل تتعمق وتتعقد الأزمة لتشمل كافة مناحي الحياة، فعلى المستوى السياسي تتعمق تبعية البلاد إلى الخارج وتزداد عزلته عن واقعه العربي، ويزداد الفقراء عدداً ويزداد الأثرياء ثراءً، وتتنامى معدلات البطالة، ويتعمق ظلم توزيع الثروة الوطنية المنتجة بجهد وعرق الكادحين، وتزايد وتيرة تفكيك الدولة وتفتيت المجتمع لصالح مشروع “كونفدرالية الأراضي المقدسة” مقدمة لإنفاذ مشروع ” تكتل البحر الأبيض بحر العرب” أي إدماج دولة الكيان الصهيوني في محور الاعتدال العربي، من اجل مواجهة محور المقاومة في المنطقة.

الوضع القائم اليوم يشكل، أكثر من أي وقت مضى، خطراً على مستقبل وطننا ومجتمعنا وعلى مصير أمتنا، ونرى في صياغة مشروع تحرر وطني قادرعلى بناء حالة وطنية مقاومة لكل هذه المخططات التي تستهدف شعبنا وأمتنا ووطننا الصغير والكبير، ضرورة ملحة وطريق نجاة وحيدة.
التمكن من صياغة مشروع وطني من أجل تحقيق هدف بناء الدولة المنتجة الوطنية المستقلة والمجتمع المنتج المنتمي، يتطلب التوافق على عناصر واليات عمل من اجل إنفاذه، ووعي مضمون المفاهيم التي تشكل قاعدة ارتكاز أساس ومنها، البنية، الوظيفة، الحامل الاجتماعي والمشروع الوطني: 
• البنية منظومة من أطر وآليات وقوى اجتماعية “كتلة تاريخية” صاحبة مصلحة حقيقية في إحداث التغيير، بحيث تتواءم مصالحها مع الوظيفة المناط بها، البنية تتحدد من خلال الوظيفة تحديداً وتضبط آليات تشكلها وعملها ً. 
• الوظيفة مشروع تغيير الواقع القائم المأزوم، مأزوم بسبب الهيمنة والتبعية للمركز الرأسمالي العالمي، التبعية التي تكبل البلاد وتحجز تطورها، لتكون الوظيفة الرئيس إنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني المتمثلة في : كسر التبعية، تحرير الإرادة السياسية، تحرير الثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية، تحقيق تنمية وطنية متمحورة حول الذات، وتحقيق وحدة الأمة العربية.
• الحامل الاجتماعي قوى التغيير، التي تتشكل من شرائح وطبقات صاحبة مصلحة حقيقية في التغيير، أي أن مشروع التغيير يلبي مصالحها المطلبية الخاصة ومصالحها الوطنية العامة.

منذ الإنتقال إلى مرحلة الرأسمالية – المركز إنفجر صراع دامٍ على شكل حروب بين دول الرأسماليات القومية ذاتها، بهدف اقتسام أسواق دول المحيط ( المستعمرات وشبه المستعمرات في تلك الحقبة من الزمن) ، ومع تزايد حاجة الصناعات إلى مواد خام أولية رخيصة، بسبب التطور التكنولوجي المذهل الذي أدى إلى غـزارة في إنتاج السلع والبضائع، وزيادة الطلب على المواد الخام، اشتد التنافس والصراع بينها، ونتيجة الحاجة الماسة للتوسع في أسواق جديدة لتصريف البضائع والسلع المنتجة، إشتدت وطأة النهب الإستعماري للثروات الطبيعية والمقدرات، واشتد استغلال مجتمعات دول المحيط التابعة. 
مع الإنتقال إلى مرحلة الإحتكارات وتعمق تمركز رأس المال ، وتحكم الطغمة الرأسمالية في القرار الدولي وعلى كافة الصعد، ودخول الرأسمالية مرحلة الإمبريالية، بزغت الثورة البلشفية العظمى وبزغ معها فجر الإتحاد السوفياتي كمنظومة نقيضة للمنظومة الرأسمالية، أفسح هذا الحدث التاريخي المجال واسعاً أمام إمكانية تبلور حركات تحرر وطني في دول المستعمرات وشبه المستعمرات، أخذت – هذه الحركات – على عاتقها مهمة إنجاز التحرر من ربق الإستعمار المباشر، وإنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني، المتمثلة في إنفاذ مشروع الاستقلال الناجز، عبر متلازمة “مشروع التحرر الوطني ومشروع التحرر الاجتماعي”.
تدل تجارب الشعوب التاريخية أن بعض من هذه الحركات قد أنجزت مهمتها وبعضها الآخر فشل، مثلا الجزائر مصر العراق سوريا اليمن اندونيسيا … الخ، الفشل يرجع إلى عدم الالتزام بقانون تلازم الوطني والاجتماعي، بينما نجحت حركات أخرى، كوبا كوريا الشعبية مثلاً وحمت ثورتها، بسبب تبنيها هذه المتلازمة.
التناقض بين مشروع التحرر من طرف ومشروع الهيمنة ( بديل الإستعمار المباشر ما بعد الحرب العالمية الثانية) من طرف آخر، هو تناقض تناحري يحتم إلغاء طرف للطرف الآخر، حيث لا مجال للمواءمة مابين النقيضين: التحرر والهيمنة، ولا مكان للتعايش ما بين قوى التحرر وقوى التبعية، ولا خيار لدى قوى التحرر غير تبني خيار مصالح الشرائح الإجتماعية الكادحة والمنتجة وتبني القيم الإنسانية النبيلة، ولا مصلحة حقيقية لقوى التحرر غير تبني الديموقراطية الشعبية بديلاً عن الديموقراطية البرجوازية ( بالرغم من وهم قوى إصلاحية بإمكانية إحداث التغيير عبر تدرج خطوات الاصلاح ومن خلال البرلمان) وشرطية بناء حامل اجتماعي لمشروع التغيير، يتشكل من الشرائح الكادحة والمنتجة القادر على إنفاذ مشروع التحرير الوطني وحمايته من الفشل) .
الهيمنة على دول المحيط من قبل المركز الرأسمالي، لا تتم بطريقة مباشرة، أي من خلال عسكري، كما كان عليه الحال في مرحلة الإستعمار المباشر، بل تتم من خلال قوى ومجموعات محلية تابعة للمركز في السلطة وفي السوق وفي صفوف النخب: سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، تنفذ كافة إملاءات المركز الرأسمالي المفروضة من قبل أدواته صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وعبر تعميم تشريعات وقوانين وأنظمة تخدم مصالح المركز الرأسمالي من خلال تعميم أيديولوجيا وثقافة وقيم وسلوكيات استهلاكية على كافة الصعد، بما فيها تسليع البشر ذاتهم وعلى حساب قيم الإنتاج: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والقيم الإنسانية النبيلة.

 

” كلكم للوطن والوطن لكم “

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.