فلسطين- عن “صفقة القرن”، و”السّلام الإقتصادي” المَزْعُوم، الطاهر المعز

“صفقة القرن” مشروع أمريكي، كما معظم المشاريع التّصْفَوِيّة المَطْرُوحة منذ خمسين سنة، يهدف إلى تأسيس تحالف عَلَني يقوده الكيان الصهيوني ويتألّف من الأنظمة العربية المشرقية التي أصبحت تُعَبِّرُ علانية عن تحالفها مع الكيان الصهيوني ضد سوريا وضد شعب اليمن، مُعتبرة إيران عَدُوًّا رئيسيًّا والكيان الصهيوني صديقًا وحَلِيفًا، وتزامن مع الهجوم الأمريكي والصّهيوني على الأمم المتحدة (التي شرعَنَتْ احتلال فلسطين) وعلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين وعلى القيادات الفلسطينية الوديعة جدًّا، بل العميلة للإحتلال ووكيلته في الضفة الغربية وغزة، وأَطْلَقَها الرئيس اليميني العنصري، والملياردير المُتعجرف “دونالد ترامب” (كممثل لأعتى قوة إمبريالية ولرأس المال المُعَوْلَم)، ويُرَوِّجُ لها صهره ومستشاره “جاريد كوشنر”، ومبعوثه إلى الشرق الأوسط “جيسون غرينبلات”، وسفيره لدى الكيان الصهيوني “ديفيد فريدمان”، وثلاثتهم من غُلاة الصهاينة، وخلافًا للعادة والأعراف الدبلوماسية، لم يُشْرِك الرئيس في تنفيذ هذه المُؤامرة وزيره للخارجية ولا مجلس الأمن القومي الأميركي، ولم يستشر أو يُخْبِرْ “الحلفاء” الأوروبيين، وبدأت خَطَوات تنفيذ المشروع مع إعلان نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ولم تنخَرِط سلطة أوسلو ولا ملِك الأردن في هذا المشروع، ليس دفاعًا عن القضية الفلسطينية أو بغية تحرير كامل الوطن الفلسطيني المُغْتَصَب، بل لأن الإدارة الأمريكية بالغت في تَبَنِّي المشاريع الصهيونية، وتجاهلت مصالح عُملائها “العَرَب”، كما تتجاهل مصالح حُلَفائها في الإتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي (ناتو)… يُعتبر هذا المشروع (صفقة القرن) تتويجًا منطقيا لهيمنة التيارات اليمينية “المسيحية-الصهيونية” على سلطة القرار في الإدارة الأمريكية، وسبق أن أيّدَ سفير أمريكا في القدس عقيدة “يهودية الدولة” وضمَّ مستوطنات الضفة الغربية باعتبارها “أُنْشِئَتْ على الوطن التّاريخي للشعب اليهودي”، مما يعني إن الشعب الفلسطيني مُقِيمٌ في هذه الأرض، بفضل تَسَامُح وكَرم بني صهيون… ماذا يُفِيد الحوار مع هذا الصّنف من ممثلي التيارات الإستعمارية والعنصرية؟ وإذا تَمّ الحوار، ماذا سيكون هدفُهُ ونتائجه ومفاعيله على أصحاب الأرض الشرعيين؟

 ادّعى “شمعون بيريس” رئيس الكيان الصهيوني ومجرم الحرب (قصف ملجأ قنا في لبنان كان أحد جرائمه) “إن تحقيق السلام الاقتصادي بين الدول العربية واسرائيل سيجلب الرّخاء للمنطقة” ورَوّج ملك المغرب آنذاك (الحسن الثاني) وأسرة آل سعود، إضافة إلى حكام الأردن وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، لفكرة استثمار عائدات نفط الخليج في الإقتصاد الصهيوني، وتطورت هذه الفكرة حالِيّا إلى بناء حِلْف خليجي صهيوني ضد إيران،  وجاء الثّرِي الصهيوني “جاريد كوشنير” صهر الرئيس الأميركي ومستشاره السياسي ليكرر نفس الإدّعاء: “إن الشعب الفلسطيني سيحصل على مكاسب اقتصادية هامة (حديث لصحيفة “القدس” الأحد 24/06/2018)، وما كان للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أو صهْره “جاريد كوشنير” أو أي من المسؤولين الصهاينة في الإدارة الأمريكية أن يتَحَدّوا الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، لولا عَمالَة الحُكّام العرب واصطفافهم وراء الإمبريالية والصّهيونية ضدّنا، وتآمر آل سعود (وأمثالهم) عَلَنًا ضدنا ومن ذلك لقاءات محمد بن سَلْمان مع الأعداء وآخرهم رئيس وزراء العدو في عَمّان، عاصمة الأردن (17/06/2018) وما نُسِبَ له من قول “على الفلسطينيين ان يقبلوا بما يعرض عليهم أو فليخرسوا”، أو تصريحه: “إن لنا مصالح مشتركة مع الإسرائيليين الذي لهم حق في ارض فلسطين، وفي حال التوصل الى سلام في المنطقة، سنُنْجِزُ الكثير من المشاريع والمَصالح المُشْتَركة بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي”، وفق صحيفة ” معاريف” الصهيونية، التي كتبت “إن صفقة القرن تُكَرِّسُ القدس عاصمة لإسرائيل، وإلغاء حق العودة، عبر إنهاء عمل وكالة (الاونروا)”، ويُدْرِك الصهاينة جَيّدًا إن    حق العودة ركيزة أساسية للنضال الفلسطيني السّابق لاحتلال الضفة الغربية وغزة (1967)، وفي مقابل تصفية حق العودة، يُلَوِّحُ الرئيس الأمريكي بطُعْمٍ، هو سراب، يتمثل في “استثمارات ضخمة” ستوفرها السعودية وأخواتها، لتحقيق “السّلام الإقتصادي” والنمو والرّخاء للشعب الفلسطيني، والأردني والمصري، ويُمثل مشروع مدينة “نيوم” لَبِنَة من لَبِنات “السلام الإقتصادي”، بتكلفة 500 مليار دولارا، ضمن خطة “رؤية 2030” على الحدود بين السعودية ومصر (في جزيرتي تيران وصنافير وشبه جزيرة سيناء أو الوطن البديل للفلسطينيين)، والأردن، وادّعى صهر الرئيس الأمريكي “سوف يستفيد الفلسطينيون من ازدهار إسرائيل” (وادي السليكون في الشرق الأوسط، بحسب زعْمِهِ)، ولنا أن نتساءل “ماذا جَنَى شعب المكسيك من ازدهار الولايات المتحدة غير الجدران الفاصلة بين البلدين والمآسي الناجمة عنها؟”… إن أُطْرُوحات ترامب ومُسْتشاريه لمشروع “السّلام الإقتصادي”، هي نُسْخَة مُنَقّحَة من أطروحات قديمة بدأت في خمسينيات القرن العشرين، خلال العقد الأول للإحتلال، وقبل عدوان 1967، ولا يعني “السّلام الإقتصادي” سوى بقاء فلسطين تحت الإحتلال الصهيوني (بدعم إمبريالي قَوِي) واستعباد شعبها وطبقتها العاملة في المصانع المُقَامَة على أراضيهم، وفي مزارع المستوطنين الذين استولوا على أراض فلسطينية، والعيش تحت رحمة الجيش المُدَجّج بأحدث الأسلحة، واختزال قضية الشعب الفلسطيني واحتلال فلسطين وتهجير شعبها في قضايا “ثانوية”، هي نتيجة للإحتلال، ومنها “الوضع الإنساني في غزة” (الناتج عن الحصار والدمار والعدوان المستمر) وحرّيّة تَنَقّل الفلسطينيين في وطنهم، وقضايا البطالة وغيرها…

سبق للولايات المتحدة طرح مشاريع مماثلة، ومنها مشروع “جون كيري” (وزير خارجية الولايات المتحدة من شباط 2013 إلى كانون الثاني 2017) الذي كان يهدف الإلتفاف على القضايا الرئيسية (افتكاك الأرض والإستيطان وطرد أصحاب البلاد، إضافة إلى قضية اللاجئين وحق العودة…)، والتّلْوِيح بحل المشاغل العاجلة، من خلال جمع استثمارات بقيمة أربعة مليارات دولارا، بهدف تشغيل بعض العاطلين الفلسطينيين من خرّيجي الجامعات، تحت إدارة وإشراف شركات خاصة صهيونية أو عالمية، لا تدِين بغير الرّبْح، ولكي تتحقق الأرباح وجب توفير الأمن والإستقرار، وهل يمكن أن يتوفّر ذلك تحت الإحتلال، رغم الحوافز والإغْراءات؟

الدّور الوظيفي لسلطة الحكم الذاتي الإداري: تُصِرُّ سلطة أوسلو على إطلاق إسم “دولة” على جهازها، والواقع أن رئيس هذا الجهاز لا يتمكن من مغادرة محل إقامته بدون إذن الإحتلال (صاحب السلطة الفعلية) الذي يُجدّد دَوْرِيًّا إذْن “إقامة” محمود عَبّاس (وقَبْلَهُ ياسر عرفات) ويُصَرِّحُ له بالتنقّل والعلاج، وتتمثل وظيفة هذه السّلْطة في القيام بدور الإحتلال من داخل المُجْتَمَع الفلسطيني، وقمع أي تحرك مناهض للإحتلال واعتقال من يقاوم، ويَضُمُّ جهاز التّنْسِيق الأمني مع سلطات الإحتلال 80 الف شخصا أو ما يُعادل 44% من العدد الإجمالي لموظفي السلطة من العسكريين والمدنيين، ويستحوذ التنسيق الأمني على 40% من ميزانية السلطة وهو ما يفوق مجموع النفقات على التعليم والصحة، وفق المُمَوِّلِين (أي الإتحاد الأوروبي)، وشَكر الوزير الصهيوني المتطرف “أفيغدور ليبرمان” ضباط التنسيق الأمني الفلسطيني، بحسب الصحف الصهيونية (جروزلم بوست 13/02/2018)، فيما أشارت دراسة صادرة عن معهد الاتحاد الاوروبي للدراسات الامنية (كانون الأول/ديسمبر 2017) إن جهاز التنسيق الأمني يقوم بدور وقاية الإحتلال، حيث ساهم في اجهاض 40% من الهجمات التي كانت خَطّطَها الفلسطينيّون ضدّ الاحتلال، واعتقل الجهاز خلال شهرين فقط (أواخر 2015 وبداية 2016) حوالي 100 فلسطيني، اتهمهم ضباط أمن فلسطينيون بالتخطيط لتنفيذ 200 هجوم ضد العَدُوّ الذي يحتل وطنَهُم وأرضَهُم ومن شَرّد ثُلُثَيْ شعبهم، وأشارت الدراسة الأوروبية (وأوروبا هي المُمَوّل الأول للسّلْطة) إن هذا الحَماس المُفْرِط لقوات الأمن الفلسطينية أضَرّ بالفلسطينيين واستفاد منه المُسْتوطنون الذين ارتفعت هجماتهم على الأفراد وممتلكات الفلسطينيين بنسبة 33% خلال الفترة من 2014 الى 2017، وبقدر ما يجتهد جهاز الأمن الفلسطيني في قمع الواقعين تحت الإحتلال، تتهاون قواة الإحتلال في مجرد الكشف عن هوية المُعْتَدِين، رغم التوثيق والصُّور وأشرطة الفيديو، وسُجِّلت 85% من هجمات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم ضد مجهول، وأشارت هيئة “يوروميد” (الأورومتوسطية) لحقوق الإنسان إن أجهزة سلطة أوسلو اعتقلت سنة 2017 ما لا يقل عن 2363 فلسطيني تعرّضُوا للتعذيب والحجز الإداري دون محاكمة، وسلَّمتْ عددًا من المعتقلين لديها لجهاز استخبارات الإحتلال لاستكمال التحقيق معهم، وأمرت مخابرات العدو أجهزة التنسيق الأمني الفلسطيني بمداهمة منازل موظفين فلسطينيين (بمن فيهم منازل زملائهم من جهاز الأمن الفلسطيني) أو تسهيل دخول جيش الإحتلال إلى مناطق يُفْتَرَضُ إنها تحت سيطرة سلطة الحكم الذاتي الإداري لاعتقال فلسطينيين في منازلهم، ومن بينهم نواب في المجلس التشريعي (الذي لا يستطيع تشريع أي شيء) وصحافيين ومُدَرِّسين وشبّان شاركوا في الإحتجاجات المَشْرُوعة ضد الإحتلال، ونفذت هيئة أوروبي استطلاعًا للرأي في الضفة الغربية سنة 2017 أظْهَرَ إن 81% من الفلسطينيين يعتقدون ان السلطة “فاسدة أخلاقيا وماليا

لقد ورّطَتْ قيادة منظمة التّحرير سكان الضفة الغربية وغزة منذ توقيعها اتفاق أوسلو، دون استشارة الشعب الفلسطيني (وثُلُثاهُ لاجئون) ولا حتى فصائل فلسطينية، باستثناء جزء من قيادة فتح، وأنتج اتفاق أوسلو تخْلِيص الإحتلال من “واجباته” في الإنفاق على البنية التحتية والصحة والتعليم وإدارة الشؤون اليومية للشعب الواقع تحت الإحتلال، وأصبح ما يُسَمّى “المجتمع الدولي” يتكفل بذلك في شكل منح (أو منّة) جُعِلَتْ لإرشاء قيادات إدارة الحكم الذاتي الإداري، وكان يعمل في مزارع ومصانع الأراضي المحتلة سنة 1948 حوالي 130 أو 150 ألف من فلسطينيِّي الإحتلال الثاني (1967)، ولكن الكيان الصهيوني استعاض عنهم بعمال مهاجرين من آسيا وافريقيا وأوروبا الشرقية، وأصبح نفس العدد تقريبًا موظّفًا لدى سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله وغزة، وتتمثل مهمته في السّهر (بالسلاح والعربات الأمريكية) على أمن المُسْتَوْطِنِين وجنود الإحتلال، ومن نتائج اتفاقيات أوسلو أيضًا زيادة الإستثمارات وارتفاع عدد المستوطنين والسّائحين، بينما ارتفعت قيمة العجز وديون الخزينة العامة لسلطة أوسلو، وبلغت نسبة البطالة أكثر من 25% من القادرين على العمل (قرابة 50% في قطاع غزة) وتجاوزت نسبة الفقر 30%…

تستغل الدول “المانحة” (ومنظماتها الحقوقية والخيرية والإنسانية) هذا الوضع، وتستخدم الشغل والقوت وتوفير الضروريات والحاجات اليومية كوسائل للضغط على الشعب الفلسطيني، لأن قيادته تَحَوّلت من قيادة حركة تحرير وطني تعمل على تحرير الوطن (الأرض والإنسان) إلى أداة احتلال داخلي، تضطهد وتقْمَع الشعب الفلسطيني، بالوكالة عن الإحتلال، فيما تُهَدِّدُ الحكومة الأمريكية بقطع “المساعدات”، إذا لم تعترف قيادات فتح والسلطة بالقدس عاصمة للإحتلال، بعد تنازلها عن 80% من أرض الوطن وعن قضايا اللاجئين وحق العودة…

إن الإلحاح على قضية اللاجئين وحق العودة، يشَكِّلُ جوهر القضية الفلسطينية، وما قضية دولة واحدة أو دولتين، وما هي عاصمة الدولة الإفتراضية: القُدس “الشريف” أم مدينة أخرى، سوى هُرُوب من القضية الرئيسية وهي تحرير الوطن المحتل بأي وسيلة مُتاحة وبأي وسيلة يمكن أن يبتكرها الشعب الواقع تحت الإحتلال، ولم يوجد في تاريخ الإنسانية احتلال “سلمي”، لتكون مقاومته “سِلْمِيًّا”، بل لا يكون الإحتلال سوى بالقوة، والقوة العسكرية في معظم (أو كل) الحالات.

لقد خَطّطت الحركة الصهيونية لاحتلال فلسطين، بدعم امبريالي، وخططت لتهجير السكان بالقُوّة، وهدم القرى، ومَنْع المُهَجَّرِين من العودة إلى ديارهم، وحصل ذلك بين 1947 (تاريخ قرار التقسيم) و1949، بعد إعلان تأسيس دولة الإحتلال، ولم يكن ذلك سنة 1967، لتطالب قيادات معظم الفصائل الفلسطينية بِدويلة في بعض الأراضي المحتلة سنة 1967 (غير قابلة للإنجاز وغير قابلة للحياة إذا ما تكونت)، وتأسست منظمة التحرير الفلسطينية قبل عدوان حزيران 1967، من أجل تحرير فلسطين، أي من أجل تحرير النَّقَب والمثلث والجليل، ولا يزال الأمر مطروحًا بهذا الشكل، فالقضية الفلسطينية هي قضية تحرّر وطني، من احتلال خاص، لأنه احتلال استيطاني إحْلاَلِي (إحلال أناس مُسْتَعْمِرِين غُرَبَاء مكان أصحاب البلاد) اقتلاعي (اقتلع شعبًا من أرضه وأطردَه خارجها)، وبدل الدخول في مهاترات تُوهِم العرب والمُساندين الأجانب بوجود “مسار سِلْمي” ومُفاوضات وبوجود دولة وهْمِيّة تُطالب بعضوية الأمم المتحدة، كان من الأجدى بحث وسائل تحرير الوطن المحتل، ولتكن عاصمته (بعد التحرير) حيفا أو الناصرة أو نابلس…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.