عرب فلسطين 1948: بين الصديق الجاهل والعدو القاتل، عبدالله حموده

يقول صالح برانسي في كتابه النضال الصامت:

“نحن العرب الذين بقينا في أرضنا بعد قيام (إسرائيل) وقعنا بين أيدي عدو لا يرحم. العالم العربي تخلى عنا، وصار العرب في الخارج يسموننا (عرب اليهود). لذا أقول إن أول إحساس عندنا كان الإحساس بالضياع. كنا مشتتين، إذ اعتدنا الحياة تحت قيادات وفجأة وجدنا أنفسنا دونها، أضف إلى ذلك أن نسبة المتعلمين من العرب الذين بقوا في فلسطين كانت قليلة جداً إذ أن معظمهم كان من الفلاحين والأميين البسطاء. كل القيادات رحلت، صُدمنا إذ تحولنا من أكثرية إلى أقلية ومن أصحاب الأرض إلى غرباء”.

ويقول صالح برانسي أحد المناضلين الكبار ضد العدو الصهيوني ومن المؤمنين بالقومية العربية والأمة العربية في كتابه النضال الصامت الذي صدر لأول مرة عام 1981 في بيروت:

“إن السياسة الهادفة للإذلال والتي كانت تمارس معنا وكأننا حيوانات عززت إحساسنا بفقدان الكرامة والضياع الكامل”.

ويقول هذا المناضل الكبير:

” وسأبرز أمثلة على المستوى الفردي. فمن التعابير التي كانت تستعمل لتحقيرنا: عربي قذر، عربي وسخ، عربي حقير، محمد مات وخلف بنات …. وهكذا كنا نسمعها دائماً حتى أن العمال الذين كانوا يحصلون على تصريحات للعمل كانوا يضطرون لتغيير أسمائهم من عربية إلى أخرى يهودية لتفادي مثل هذه الشتائم. مثلاً من كان اسمه محمد يصبح موشي، ومن كان اسمه علي يصبح إلي … وهكذا ولم تعد تجد عاملاً عربياً يحمل اسماً عربياً. كان ذلك قبل عام 1967 أي قبل مجيئ عمال الضفة وغزة … وفي النصف الثاني من الخمسينات واستمر حتى الستينات.”

ويضرب مثلاً على كيفية التحقير الصهيوني للعربي في فلسطين 1948 بقوله:

“كان هناك ضابط معروف بالقذارة والعنصرية اسمه (بلوم) مسؤول عن دوريات حرس الحدود في المثلث، من أعماله الوحشية وعنصريته أنه كان يأتي إلى السوق ويأمر من يجده من بشر، أن يقفوا بالصف ويسلموه هوياتهم، ويبدأ بالضرب والإهانة والإذلال، وكان يحمل بيده دائماً عصا يضرب بها على الأنف وعلى الرجل، كان يقف ورجاله على مدخل القرية ويراقب الداخلين والخارجين فيمر أول عابر ويتركه يمر بهدوء. وبعد أن يجتازه يرسل في طلبه ويقول له: “لماذا مررت دون أن تقول (شالوم)؟ ألهذه الدرجة تكرهنا؟ ألهذه الدرجة تكره وجودنا؟ ألهذه الدرجة أنت لئيم؟ وينهال عليه ضرباً وشتماً.”

وعندما يحدث ذلك ويرى المواطنون ما حدث لهذا الإنسان بعدم قول (شالوم) يضطر العابر الآخر لأن يقول (شالوم) عند مروره من أمام ذلك الضابط. لكن هذا لا يشفع، فعندما يقول المواطن الآخر (شالوم) للضابط يستوقفه ويقول له “هل تعرفني حتى تقول لي (شالوم) أم أنك تحاول الظهور بأنك تعرفني لتكسب من خلالي وتصعد بسببي؟ وينهال عليه ضرباً وشتماً”.

بعد فترة غير بلوم أسلوبه، فكان يستوقف المواطن العربي ويطلب هويته، فإذا كان متزوجاً قال له: “أتريد أن تنجب أطفالاً وبشكل كثير في فلسطين ليصبح العرب أكثرية فيها، ومن ثم تحاولون استرجاعها؟”. وإن كان أعزب يقول له : “لماذا أنت أعزب؟ أتدعي أن اليهود يسببون الجوع والفقر لكم وبسبب هذا لا تستطيعون الزواج وأنه ليس لديك عمل وتريد أن تعطي فكرة سيئة عن اليهود؟ ويأخذ بضربه وإهانته”.

في قرية “دافا” دراويش متدينون ومسنون. كان بلوم يستوقف كل من يراه منهم ويمسك بلحيته ويفتحها ويبصق فيها ويقول (تفو على محمد).

هناك الكثير من الأمثلة عن عذابات فلسطينية 1948 ولكنهم بقوا في أرضهم وصمدوا مما دعا بن غوريون أن يقول: “أننا أخطأنا بإبقاء 160 ألف فلسطيني على أرض فلسطين”. ولكن هؤلاء العرب الذين أصبحوا شوكة في حلق العدو والذين وصل عددهم الآن إلى مليون و800 ألف هؤلاء العرب يتمسكون بالهوية  العربية الفلسطينية ويؤمنون أن هذه الأرض أرضهم وأن اليهود غرباء وهم أصحاب الوطن والذين لن يتخلوا عن أرضهم بالرغم من كل الإذلال الذي يعيشونه وعاشوه.

هل يعرف أبناء الأمة العربية خارج فلسطين حجم المعاناة لعرب 1948. ولربما سيأتي يوم يكون أبناء عرب 1948 الأعلى صوتاً والأكثر نضالاً لتحرير فلسطين. فهل نفهم وضعهم ونلتقي معهم وخاصة كل من يؤمن بالرواية العربية لفلسطين ويرفض الرواية الصهيونية لفلسطين. وكل من يؤمن بأن التحرير قادم مهما طال الزمن وهم يختارون مصيرهم مع أمتهم العربية ولديهم كوادر تعرف كيف تناضل ضد العدو الغاصب. إن كل حركات التحرر اعتمدت على شعارين (عدم استقرار العدو) و (مركزية وأهمية العمل في الداخل). ومن هنا يجب أن ننطلق في التعامل مع كل الأحرار من عرب 1948. فهم ينيرون لنا الطريق رغم أنهم في الأسر ورغم أوضاع الأمة العربية الصعبة التي نمر فيها هذه الأيام.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.