أوروبا: ديمقراطية رأس المال، الطاهر المعز

صَرّحَ  رئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود يونكر” (وهو، مثل جميع مسؤولي الإتحاد الأوروبي، غير مُنْتَخَب، بل عيّنَهُ مُمَثِّلُو حكومات الدول الأوروبية) في “فيينا” عاصمة النّمسا “إن المفوضية ستتقدم باقتراح جديد حول كيفية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي” في أيلول/سبتمبر 2018، ولم تكن صُدْفَةً أن يُدْلِي بهذا التّصْريح في النّمسا التي يَحْكُمها اليمين المتطرف بمشاركة اليمين التقليدي، وتترأس النمسا الإتحاد الأوروبي خلال النصف الثاني من سنة 2018، في إطار الرئاسة المُتَدَاوَلَة بين مختلف أعضاء الإتحاد، وكان مستشار النمسا (رئيس الحكومة) قد طالب زُملاءَهُ رؤساء حكومات الدول الأعضاء بزيادة التّضْيِيق على الهجرة وحماية الحدود، عبر تعزيز “وكالة حماية الحدود الأوروبية” (فرونتكس)، وهي مؤسسة شبه عسكرية أوروبية لمراقبة الحدود… تأتي هذه التّصريحات في مناخ اتّسَمَ بانتشار الفكر والعقائد اليمينية المتطرفة، التي تُحَوّل أنظار المواطن الأوروبي الكادح والفقير عن مشاكله الحقيقية، وتجعله يُرَدِّدُ شعارات البرجوازيات المحلية (المتحالفة عسكريا وسياسيا مع الولايات المتحدة) ووسائل إعلامها التي تمتلكها الشركات الإحتكارية، ضد من هم أكثر فَقْرًا واضْطِهادًا، وضد من لا يمتلكون وسائل الدّفاع عن أنفسهم وعن حياتهم، وضد روسيا وإيران وغيرها من الدول التي تحاول انتهاج سياسة مُسْتقلّة عن الولايات المتحدة (في إطار النظام الرّأسمالي العالمي، وليس خارجه)، والتي لا يعرف الجمهور عنها شيئًا سوى ما تُرَدِّدُهُ وسائل الإعلام… في إيطاليا حيث يحكم تحالف من ألوان مختلفة من اليمين المتطرف (أطلق الإعلام صفة “الشّعبوي” على نوع من اليمين المتطرف)، نشطت الحكومة في مجال وحيد، وهو الهجوم على المهاجرين وإغلاق موانئ إيطاليا، ومعاقبة المنظمات التي تُسْعِف وتغيث هؤلاء الفُقراء القادمين من بلدان تُساهم جُيُوش أوروبا (ومن بينها جيش وشركات إيطاليا) في تدميرها ونَهْب ثرواتها، ويتهم الإتحاد الأوروبي المنظمات الإنسانية “بتشجيع المهاجرين على القيام برحلة العبور الخطرة من شمال أفريقيا إلى أوروبا من خلال عمليات الإنقاذ التي تقوم بها ويُروج لها بشكل جيد”، وفق وزير الداخلية الإيطالي، وهو من حزب فاشي، ويعمل الإتحاد الأوروبي على زيادة عدد المُعْتقلات في المغرب العربي، ودعم مليشيات ليبيا مالِيًّا لاعتراض المَراكِب المُحَمّلة بفقراء إفريقيا والعرب والزج بقرابة 11 ألف منهم في مُحتشدات تُدِيرها المليشيات المُهَيْمِنَة على غرب ليبيا، خلال النصف الأول من سنة 2018 ، وأعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” إن مراكز الإحتجاز الرّسمية (المُعْتَقَلات) في ليبيا “مكتظة وغير صحية وينتشر فيها الجرب والسل”، والوضع أخْطَرُ من ذلك بكثير في المراكز غير المُعْلَنَة، حيث يُسْتَخْدَمُ المُحْتَجَزُون في العمل المجاني (السّخرة)، ويُشَكّل الضرب والإهانة والضروف غير الإنسانية القواسم المشتركة بين جميع المعتقلات الرسمية (17 مركزا) وغير الرسمية في ليبيا، ويفاوض الإتحاد الأوروبي حكومات المغرب العربي ومصر لإقامة مُحْتَشَدات مُماثلة، تتسع لمئات الآلاف من الفَقَراء الراغبين بالهجرة إلى أوروبا، مع التذير أن ثلاثة ملايين عامل مهاجر كانوا يعملون في ليبيا قبل تخريبها وتقسيمها وإنشاء مجموعات إرهابية على أراضيها وفي البلدان المجاورة… تزامن إغلاق الموانئ الإيطالية أمام سفن الإنقاذ مع انخفاض عدد المهاجرين القادمين من ليبيا بنسبة 85% تقريبًا خلال الأشهر الست الأولى من سنة 2018، لكن معدل وفيات المهاجرين في البحر ارتفع، مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي (2017) من قتيل أو مفقود واحد من كل 43 مهاجر إلى واحد من كل 13 ممن انطلقوا من الساحل الليبي، وغَرق 565 شخصا خلال شهر حزيران لوحده وفق “المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية”…

في ألمانيا التي اعتبر البعض (خَطَأً) حكومتها “إنسانية” و”رحِيمَة” بالمهاجرين، أعلن جهاز المُخابرات الدّاخلية (وفق صحيفة “فونكه” يوم الجمعة 06/07/2018) تَراجُعَ عدد اللاجئين سنة 2017 (مقارنة بسنة 2016)، بعد اكتفاء الشركات من حاجتها من المهاجرين من ذوي الخبرات والكفاءة، كما تَراجَعَ عدد هجمات اليمينيين المتطرفين في البلاد سنة 2017 وانخفض عدد “الهجمات العنيفة” على مراكز إيواء المهاجرين بنسبة 70% بالمقارنة مع سنة 2016، من 700 هجوم مُسَجّل لدى الشرطة خلال النصف الأول من سنة 2016 إلى 174 هجوما خلال النصف الأول من 2017 وإلى 74 “هجوما عنيفًا” خلال النصف الأول من سنة 2018، وكان أرباب العمل والحكومة يُعارضون هذا الشكل العنيف من التعبير عن العنصرية والأفكار والممارسات النّازِيّة، ورفَعَ جهاز القضاء معدّلات  الإدانة والأحكام بالسجن لمدد طويلة على المتهمين بارتكاب هذه النوعية من الجرائم، أما وسائل الإعلام فقد خفضت من الإفتراء على المهاجرين بارتكاب جرائم وهمية (مثل عملية تحرش مُتَخَيَّل للمهاجرين ضد حرائر ألمانيا ليلة رأس السنة الميلادية 2017) أو تضخيمها، لكن أحزاب ومجموعات اليمين المتطرف تُنَسِّق جَيّدًا فيما بينها على مستوى أوروبا، وزاد تهديدهم الإيديولوجي، ويظهر ذلك في نتائج الإنتخابات المحلية أو الأوروبية في كافة البلدان الأوروبية بدون استثناء، داخل وخارج الإتحاد الأوروبي، في ألمانيا وفرنسا وبلغاريا ورومانيا وبولندا وإيطاليا والنمسا وسويسرا وجمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا واليونان وهولندا وجميع بلدان شمال وجنوب وشرق وغرب أوروبا، وفق صحيفة “نويه أوسنابروكر تسايتونج”…

في هولندا، أصبح حزب اليمين المتطرف هو الأقوى منذ بداية القرن الحالي، وفيما يَخُصُّنا كعرب فإن الدولة -سواء كان الحزب الحاكم “اشتراكي ديمقراطي” أو يميني كلاسيكي أو يميني متطرف- هي الأكثر صهيونية في أوروبا إلى جانب ألمانيا، وتنتهج سياسة خارجية موالية جدّا لأمريكا، لذلك اختلقت أعذارًا وهْمِيّة لتطْرِد اثنين من موظفي السفارة الإيرانية (يبدو إن حادثة الطرد نُفِّذت منذ عدة أسابيع)، دون تقديم أي معلومة عن السبب، ولكن الحدث تزامن مع زيارة الرئيس الإيراني إلى أوروبا وتنظيم وكالة المخابرات الأمريكية اجتماعًا ضَخْمًا ومُكَلّفًا (ماليا) لمنظمة “مجاهدي خلق” (التي أصبحت متحالفة مع أُسْرة شاه إيران السابق وشرائح البرجوازية المُوالية لها) وإشاعة وجود “مُخَطّط إرهابي” تمكنت أجهزة مخابرات أمريكا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرها من إجهاضه في الوقت المناسب، أي خلال هذه الزيارة وهذا المؤتمر (ياللصّدْفة !!!)، وفق الرواية المُخابراتية التي يُروّجها الإعلام الأوروبي والأمريكي، بهدف إفشال المحادثات التي تُجريها حكومة إيران مع باقي الدول الموقعة على ما سُمِّي “الاتفاق النّووي”، بعد انسحاب أمريكا وإعادة فرض العقوبات التي رُفِعَتْ جُزْئِيّا قبل سنتين… معظم المعلومات من وكالة رويترز من 04 إلى 06/07/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.