جنوب افريقيا نموذج للتأمل واستخلاص الدّروس، الطاهر المعز

  • مائة سنة على ميلاد “نلسون مانديلا”
  • تقييم مرحلة ما بعد انهيار نظام الميز العنصري

احتفلت جنوب إفريقيا بالذكرى المئوية لولادة “نلسون مانديلا” (18 تموز/يوليو 1918 – 05 كانون الأول/ديسمبر 2017)، السجين السياسي السابق (1961 – 1990) وكان أول رئيس للبلاد بعد انهيار نظام المَيْز العُنْصُرِي من 1994 إلى 1999، ويحكم حزْبُهُ “المُؤْتَمَر الوطَني الإفريقي” البلاد منذ 1994 إلى الآن (2018)، ويرأس جمهورية جنوب افريقيا حاليا رجل الأعمال الثَّرِي “سيريل رامافوزا”، ويُثِير وجوده على رأس الحزب الحاكم (حزب مانديلا) بعض التّساؤلات المَشْرُوعة حول الإرث السياسي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي وبرنامجه الإقتصادي والإجتماعي، بعد مرور ربع قرن على سقوط نظام الفصل العنصري، وبحسب تقرير للبنك العالمي (2018)، تُعَدُّ جنوب افريقيا إحدى أكثر البلدان التي تعمقت فيها الفجوة الطبقية وانعدمت فيها المساواة، مع انتشار الفساد والفقر والميز الإقتصادي، حيث لا تزال النُخَبُ البرجوازية الأوروبية (البيْضاء، أو مجموعة “البوير”) تَحْكُم البلاد اقتصادِيًّا، مع ارتقاء فئة قليلة العدد من البرجوازية الإفريقية في السُّلّم الطّبَقِي، ولم يستفد فُقراء وعُمّال ومزارعو البلاد سوى من حُرّيّة التّنقّل والحركة التي كانت مُقَيّدة خلال مرحلة حكم الميْز العُنْصُرِي، ولا تزال رواتب الموظفين السّود أقل قيمة من رواتب زُملائهم الأوروبيين البيض، وتعيش نحو 2,9% من أُسَر المواطنين البِيض في فقر مُدْقَع مقابل 20% من أُسَرِ المواطنين السُّود، والتحق ثلاثة ملايين جنوب افريقي بصفوف الفُقراء خلال الفترة من 2011 إلى 2015 وفق التقرير المذكور أعْلاَهُ الصادر عن البنك العالمي، وارتفعت نسبة البطالة من 20% سنة 1994 إلى 26,7% سنة 2017، وتصل هذه النّسبة الى 52% بين الشباب المولودين بعد انهيار نظام الميز العنصري، والذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما، ولئن ارتفعت نسبة النمو الإقتصادي من 3,2% سنة 1994 إلى 5,6% من إجمالي الناتج المحلي سنة 2006، فإن العُمّال والفُقراء السود لم يستفيدوا من هذا النّمُو الذي تراجع خلال الأزمة الإقتصادية والمالية العالمية إلى معدل سَلْبِي (-1,5%) سنة 2009 ولا يُتَوَقّعُ أن يتجاوز 1,5% سنة 2018، مما يُؤَشِّرُ إلى ارتفاع نسبة البطالة والفَقْر والتّفاوت الطّبَقِي، في ظل انتشار الفساد إلى مُسْتَويات غير مسْبُوقة، خصوصا في ظل رئاسة “جاكوب زوما” (2009-2018)…

انخفض شعور المواطنين بتحَسُّن العلاقات بين البيض والسود من 72% سنة 2000 إلى 45% فقط سنة 2014، وزادت التعليقات والتّصَرّفات ذات الصّبغة العنصرية في الفضاء العام وفي شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الفَصْل الجغرافي الطّبقي بين الأحياء في مدن البلاد التي لا يزال طابعها المعْمَارِي يخضع للتقسيم العُنْصُرِي (إضافة إلى الطّبَقِي)، حيث يقْطُنُ أبناء وأحفاد المُسْتَوْطِنِين المُسْتعمرين البيض (البوير) قرب المراكز المهمة، تحت الحراسة الأمنية والإلكترونية، في مجمعات سكنية آمنة جدا، خلف جدران تعلوها الاسلاك الكهربائية والكاميرات وتحت حماية الحراس المسلحين، ويقْطُنُ السّود (أصحاب البلاد الشرعيين) في الأطراف البعيدة…

على الصعيد الإجتماعي، انخفض معدّل الجريمة من 74 جريمة قَتْل يوميًّا سنة 1994 إلى 52 جريمة قتل يوميا سنة 2017، وهو مُعدّل مرتفع جدّا (تقاس المعدلات بعدد القَتْلى لكل مئة الف نسمة)، ولكن يبقى المعدّل مرتفعًا جدًّا، وتُعْتَبَرُ النِّساء أوّل ضحايا العنف والجريمة والقتل، وتحدث في البلاد ما لا يقل عن مائة حالة اغتصاب يوميا، وتموت امرأة واحدة، نتيجة عُنْفِ أحد الأقارب، كل ثماني ساعات…

بعد مرور ربع قرن على انهيار النظام العنصري، لا يزال ملايين الفُقَراء يحتجون يوميا على انعدام شروط الحياة “العادية”، ويُطالبون بتوفير العلاج والأدوية والماء الصالح للشُّرْب والكهرباء والصّرْف الصّحّي، وبلغ عدد المُصابين بوباء نقص المناعة “إيدز” 7,1 ملايين نسمة، أو قرابة 18,9% من السّكّان البالِغِين، وانخفض متوسط معدّل الحياة (متوسط العمر المُتَوَقّع عند الولادة) من 62 عامًا سنة 1994 إلى 52 عاما سنة 2006، قبل أن تُقِرَّ السّلُطات اكبر برنامج في العالم للعقاقير المضادة للفيروسات، فارتفع متوسط العمر إلى 63 عاما سنة 2016

إن الإهتمام بالوضع الحالي في جنوب إفريقيا له علاقة وثيقة بقضايانا العربية وبالقضية الفلسطينية، إذ يُقارن العديد من العرب والأجانب الوضع في فلسطين بالوضع في جنوب إفريقيا، وهو خطأ فادح، لأن المواطنين الأصليين في جنوب إفريقيا بقوا في وطنهم، رغم العُزْلَة والعُنصرية، أما الفلسطينيون فكانوا ضحية مخطط طرد جماعي، ومن بقي أصبح أَقَلِّيًّا في وطنه (بخلاف جنوب إفريقيا، حيث كان المستوطنون أقلية)، ولذلك لا يَصُح رفع شعار “صوت واحد لكل إنسان”، ومن جهة أخرى لم يكن النضال سلميا، إذ اضطر المؤتمر الوطني الإفريقي إلى استخدام السِّلاح بعد فَشَل النّضال السّلمي، كما كل حالات الإستعمار، بدون استثناء، وإذا افترضتا جَدَلاً تطابق الوضع، فإن النتائج سيئة جدًّا، حيث كان رأس المال “الأبيض” يُهيْمن وحده ويمارس العنصرية، فأصبح يُهيمن بمشاركة أقلية إفريقية (من المواطنين السود) مما فتح لرأس المال والشركات أبواب العالم، فيما ارتفعت نسبة الفقر وزاد الإستغلال والقمع، ولا يزال أهل “سويتو” -الذين انتفضوا سنة 1976 ضد نظام الميز العُنْصُرِي- ينتظرون الماء والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمَراكز الصّحّيّة، فيما يناضل عُمال المناجم وعمال البناء من أجل تحسين ظروف العمل وزيادة الرواتب ليتمكنوا من الإرتقاء إلى مرتبة “بني آدام” في الحياة … المعلومات الواردة من: البنك العالمي + أ.ف.ب + منظمة الصحة العالمية (بتصرّف) 15/07/18

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.