ما زال الشهداء… يعلموننا: دراسة في الجانب الاستشرافي من كتابات غسان كنفاني، في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده- حلقة (2)، عادل سمارة

حلقة (2)

فيما يخص النظرية الثورية، كان غسان من بين تلك القلة الطليعية في حركة القوميين العرب التي انفتحت مبكراً على الماركسية. أما فيما يخص أداة الثورة، فكان الأكثر نقداً للحزب وجموحاً ضد القوالب، كان الأكثر رهافة وانفعالاً، لذا كانوا يسمونه “مجنون الحركة”. كان الأكثر اختلافاً مع الحزب وعنه، ولذا، كان طريد المرحلة. كان أكثر انفتاحاً وتعدداً، ولذا، كان يكتب في صحف: الحرية وفلسطين ملحق المحرر والمحرر والأنوار.

طليعي كمثقف مناضل كان غسان المفكر العربي الأول الذي تسلل عبر الحدود على قاطرة الأدب ليكتشف شعراء المقاومة في الأرض المحتلة 1948 [1]. وبالتالي فقد بشّر برفض تمزق الهوية الفلسطينية الذي حصل في أعقاب الشتات والذي صيغ من قبل دوائر النظام الامبريالي العالمي وما زال مرعياً من قبل هذا النظام. كانت هذه لبنة أساسية في إعادة تركيب الهوية الفلسطينية. هذه المساهمة التي لا تزال مثار جدل، لا بل صراعاً بين غسان وخطه السياسي وبين الذين يعرضون “الأسرلة” كبديل للشخصية الفلسطينية المكتملة في مواجهة الشخصية الفلسطينية التي صيغت بناء على الفهم الاسرائيلي لمن هو الفلسطيني، وهو الفهم الذي يرى فلسطين في بقايا الضفة والقطاع ويرى الفلسطيني أنه من يسكن هذه المناطق أو من تسمح له إسرائيل بالعودة إليها. انه الفهم الذي حملت به التسوية. وهنا يصبح الفلسطيني في الأردن أردنياً وفي إسرائيل إسرائيلياً.. وهذا يحقق نظرية استبدال الدور بين الفلسطينيين واليهود فيصبح ما رفضه اليهود أي “الاندماج”[2] في الشعوب الأخرى، مشروعاً لتصفية القضية الفلسطينية بدمجهم قسراً في مختلف شعوب الأرض، بمن فيهم اليهود الذين استوطنوا وطن الفلسطينيين ونحتوا لهم جنسية اسمها الاسرائيلية.

هل يمكن للشتات أن يبدد الهوية الوطنية الفلسطينية؟. هل الشتات وحده عدو تلك الهوية؟ هل هو الخطر الوحيد؟ أليس الشتات هو الفصل الصهيوني في مخطط النظام العالمي. هناك فصول أخرى لعبت ولا تزال دوراً في تبديد الهوية الفلسطينية. هناك فصل الاقليمية السياسية المستفيدة من مخطط الامبريالية لتجزئة الوطن العربي، وهناك رأس المال الكمبرادوري المستفيد اليوم من تفكيك ما تبقى من هذه الهوية لصالح حصوله في تسوية هشة على فرصة تحقيق الربح الأقصى. وهناك رأس المال التجاري الذي يحول دون التنمية كمدخل أولي لتحقيق الهوية عبر عدم اعتماد رماة الحجارة على علبة اللبن ورغيف الخبز المصنوعين في معامل الصهيونية. هناك معظم شرائح رأس المال التي تحول دون التنمية بالحماية الشعبية ودون فك الارتباط باقتصاد الاحتلال، معيقة للتكامل مع الوطن العربي.

لا شك أن غسان كان يدرك جيداً الدور الذي يقوم به، لذلك بدأ مقدمته لكتابه “في الأدب الصهيوني” بعبارة تحمل قدراً هائلاً من المهابة :”قاتلت الحركة الصهيونية بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي”[3]

يؤكد هذا كم من الاهتمام كان يولي غسان لمعرفة العدو. وليس المقصود هنا معرفة غسان الشخص بالعدو بل الوعي الوطني الفلسطيني عامة بعدو هذا الشعب وهذه الأمة. لذا، يقول غسان في تقييم ثورة 1936، ان الذين كانوا يقاتلون لم يكونوا يمارسون القيادة، مثلما أن قادة العمل السياسي لم يكن لهم غالباً دور في القتال.

وهكذا كان غسان مفكراً مناضلاً يعرف ما يريد ويدرك ضخامة المشروع الذي يناضل من أجله. لا تقف تأكيد طليعية غسان عند تناوله مشروع بحث في الأدب الصهيوني، وإنما في استشراف أمور لم يستشرفها الكثيرون حتى اللحظة بعد.

“وهذا يعني بالطبيعة أن ” الأدب الصهيوني”، كما سنستخدم هذا التعبير، يشمل الأدب الذي كتب بلغات غير عبرية ومن قبل كتاب غير يهود طالما أنه ينضوي تحت الصهيونية السياسية ويخدم مخططاتها”. [4]

قد تكون هذه العبارات ذات معنى عابر لغسان، وقد يكون هدفه التدليل على أنه بذل الجهد المطلوب لإنجاز عمله هذا. أما بالنسبة لنا، وبالنسبة لي شخصياً، فالأمر أكبر بكثير. هذه العبارة ارهاص مبكر جداً يحذرنا من ما يمكننا تسميتها بظاهرتي الأسرلة والصهينة. أما الأسرلة فاقصد بها أن يعرض الكثير من المثقفين والكتاب من فلسطينيي الخط الأخضر أنفسهم بوضوح  كإسرائيليين، وأن يعتبروا مطالب فلسطينيي 1948 ليست في الأرض، ليست جغرافية، وليست الانضمام إلى الضفة والقطاع، وإنما المطالبة بصلاحيات في حدود المجالس البلدية والمطالبة باستقلال ثقافي. وأما الصهينة،  فهي ظاهرة الانتماء الفكري والسياسي للايديولوجيا الصهيونية التي ترى في الاستيطان اليهودي في فلسطين أمراً مسلماً به. وهنا يمكن لكل من يؤيد الاستيطان أن يكون صهيونياً. فإذا كانت الأسرلة بالمواطنة، فإن الصهينة هي بالاعتناق الايديولوجي. لا شك أن غسان لم يتوقع هذا.

وطالما استمرت العلاقات بالصهيونية على هذا النحو، فإن تياري الأسرلة في فلسطين 1948 والصهينة، فيها وفي بقية فلسطين والوطن العربي والعالم سوف يتسعان. فكلا الصهينة والأسرلة لصيقان بمصالح النظام العالمي، يخدمانه ويحققان ما يريد.

 

[1]انظر كتابه “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة”، دار الآداب ، بيروت 1966.

[2]تناول غسان الاندماج بشكل مطول في كتابه في الأدب الصهيوني”الصادر عن مركز الأبحاث، بيروت (الطبعة التي بين أيدينا، منشورات الشرارة، بدون تاريخ نشر).

[3]نفس المصدر ص 21 .

[4]نفس المصدر

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.