ما زال الشهداء… يعلموننا: دراسة في الجانب الاستشرافي من كتابات غسان كنفاني، في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده، حلقة (3)، عادل سمارة

حلقة (3)

إذا كان لكل طبقة أو شريحة اجتماعية دورها وتشابهاتها الداخلية مما يميز حضورها عن الطبقات الأخرى ويجعل هذا التميز شرط وضعها وموقعها في المجتمع، فإن شريحة المثقفين في هذا الشأن تتميز عن الشرائح الاجتماعية الأخرى بخصوصية التوزع بين الاندماج في والخروج على المباني الطبقية والسياسية والتنظيمية. ومن جهته يتميز المثقف نفسه في علاقته بالطبقة والأمة والمشروع السياسي وحتى الحزب. على أن ما يميز المثقف الثوري، غسان مثلاً، ليس رفض الالتزام الحزبي بل اعطاءه معنى آخر يحقق للإنسان حرية الابداع التي يجري تسخيرها للالتزام  بالمجموع. فإذا كانت حدود الانضباط لدى المثقف، الذي نقصد، أقل منها لدى الأعضاء من الطبقات الأخرى، فذلك من أجل قيام المثقف بدور نقدي عال وليس من أجل تميز فردي وخاص للمثقف. وهنا تبلور لدينا القاعدة التي يجب القياس عليها في هذا الشأن، وهي: هل يمارس المثقف انضباطاً أدنى مدفوعاً “بالروح الحلقية” من أجل “امتيازات أكثر”، أم يمارس الانضباط بحده الأدنى ليمارس الاجتهاد والابداع كآليات نحو تعميم القدرة على النقد والوصول بالنتيجة إلى التزام وانضباط حزبيين ليسا من طبيعة عسكرية لكنهما يعطيان نفس النتائج بل وأفضل منها بالضرورة؟ فليس الانضباط أبداً في الوقوف في الصف كالمسطرة، وليس الأداء في اتقان التحرك كعقارب الساعة. فالحركة الاجتماعية ليست ميكانيكية وبالتالي، فإن حسابها وتقييدها أمران ليسا قيد الامكان ما لم يكونا قائمين على حرية الإنسان.

إن الانضباط الواعي والانضباط بوعي هما اللذان يمكنان الفرد الحزبي من أن يكون وسيطاً يرتق الفجوة بين الحزب وبين الجماهير، فلا تعود هناك حدود قاطعة مانعة بين المواطن والحزب. وعندها فقط يكون الحزب طبقياً وجماهيرياً وقومياً معاً. هنا يتميز الحزب بكونه مشروع وعي وليس معسكراً، وهنا تتحدد وتتبلور عضوية الحزبي في حدود وعيه وليس في حدود جنديته، وهنا يعاد إلى الحزبية رونقها الحقيقي. وهنا أيضاً يمكن للحزبي أن يخرج على مشروع بال، أو قيادة غادرت مشروعها الذي لم يتقادم، بل لأنها هي نفسها التي شاخت روحها الثورية.

يطالب تشي جيفارا الثوريين بمضاعفة وعيهم الشخصي بما يحيط بهم من أفراد وواقع.

تذكرت هذه العبارة وأنا أتجوّل في مخيم الأمعري حيث ممرت برجل وامرأة عجوزين وقد طرحا على الأرض بضعة كيلو غرامات من الحمص الأخضر ليرتباها في ربطات صغيرة، ربما كي يبيعها الرجل “حاملة” في سوق المدينة. كانا يجلسان على حافة الزقاق، وقد أخذا هما والحاملة نسبة الربع منه. لكنهما كانا يبدوان في وضع طبيعي جداً. جزء عادي تماماً من اللوحة الكليّة لمخيم اللاجئين. هكذا تكون حياة المخيم بكل هذا الاندماج بالموقع والوضع. وبين ما يقوله تشي جيفارا وحالة الرجل وزوجته العجوزين في المخيم تحضر سلسلة طويلة من شخوص غسان التي هي بكل بساطة، الناس.

هذه هي شخصيات أدب غسان وهذا ما يريده لهم، وهو قريب منهم على أية حال سواء وهو في لبنان لا سيما بيروت، أو الكويت، بل أي مكان لأن الفلسطينيين في كل مكان.

لعل الفاصل الأساسي بين مثقف غسان ومثقف السياسة الرسمية هو في طبيعة العلاقة بين المثقف والناس. فكلما حقق المثقف تكاملاً أكثر بين  وعيه وعلاقته بالناس كلما نفى المعادلة النقيضة وهي تحقيق وعي آخر بهدف التميز على الناس ورفض المساواة معهم لاعتقاد المثقف بأنه بثقافته إنما يملك سلعة نادرة يجب أن يستخدمها لاستحلاب الربح. وعليه، كلما اقترب المثقف من السلطة لمجرد كونها سلطة وهي هنا سلطة الدولة أو الحزب، أو رأس المال، حوّل الثقافة إلى سلعة، وزاد تسليعها ليجعل منها طبقة أو نخبة أو حتى زمرة فوق المجتمع.

 ولكن حين يتعلق الأمر بأين ينحاز غسان، أين يقف حقاً؟ فهو ينحاز إلى المواطن المناضل وليس إلى المواطن المثقف. وهذا ما يتضح جيداً في عن الرجال والبنادق. ولا شك أن غسان ليس بكل تلك البساطة بحيث لا يلتقط الفارق البيّن بين المثقف المناضل، وبين المثقف المنعزل عن النضال وعن الناس كمناضلين والمتعالي على الأمة وأهدافها وأمانيها، حاصراً أمانيه في ذاته ومصغّراً دائرة الحياة لتحيط بذاته وحسب.

إدراك مبكر لاستهداف الثقافة.

يقول غسان: “يعترف مدير المعارف بعد 13 سنة من الاحتلال البريطاني لفلسطين: “لم تتكفل الحكومة منذ الاحتلال حتى اليوم بنفقات كافية لبناء أية مدرسة في البلاد.. كانت تراقب الكتب وتعارض كل صلات ثقافية مع العالم العربي”[1]لعل في هذا توضيحاً للدور الذي لعبه الاستعمار البريطاني في فلسطين. فالأمر لم يتوقف عند تكريس التخلف وشل البنية الانتاجية ولا تعميق الأمية، بل وصل أيضاً إلى فك الارتباط القومي لفلسطين. ونعتقد أن هذا مرتكز أساسي لفهم جوهر الصراع، وهو الأمر الذي لم يغب عن غسان منذ الصفحة الأولى للدراسة، ولكن يجري تغييبه اليوم عبر التعميق المصطنع والمخطط له للاقليمية والقطرية الفلسطينية بل والعربية عامة.

إن الثقافة في وضع فلسطين منذ ثورة 1936 وحتى حقبة المقاومة واليوم وغداً، هي مرتكز أساسي في النضال الفلسطيني لا سيما في علاقته بالبعد والعمق العربيين. هنا تقف الثقافة بوضوح في مواجهة التخلف واحتجاز التطور وتطوير اللاتكافؤ أيضاً. فإذا كان للسوق القومية ذلك الدور الهام في تعميق ضرورة الوحدة العربية، فإن التجزئة وتعميق التخلف، والتطور اللامتكافئ في الوطن العربي وتعميق “وتطوير” اللاتكافؤ بين اقتصادات أقطار وكيانات هذا الوطن، فإن لهذه جميعاً دوراً في جعل الوحدة أمراً مستبعداً وغير ضروري وغير ملح. وهنا تبرز الثقافة المشتركة لتلعب دوراً تعبوياً واقناعياً وتعليمياً يؤكد على ضرورة الوحدة، ومركزية التنمية في عملية الوحدة نفسها. ربما لهذا السبب أدرك الاستعمار البريطاني أهمية فك الرابط الثقافي بين الفلسطينيين والعرب وبالتالي عمل على تدمير التعليم ومحاصرة المثقفين. وفي هذا الصدد يكون في عقلنا مكان سام للمفكر العربي قسطنطين زريق الذي كان من المبادرين للتركيز على البعد الثقافي في مسألتي الوحدة والقومية العربية.

تزداد الثقافة أهمية هنا لأنها هي “العلاقة” المنقولة والمتنقلة بين فرد وفرد وطبقة وطبقة وقطر وقطر. تزداد أهمية نقلها وتنقلها كلما أدركنا ضعف تنقل البضاعة بين قطر عربي وآخر، سواء لضعف البنى الانتاجية أو للعوائق التي تضعها أنظمة الكمبرادور. ففي السابق كان ضعف التبادل البيني العربي ناتجاً عن التجزئة المفروضة، وعن ضعف البنى الانتاجية، واليوم هو ناتج عن قرار سياسي من الكمبرادور الحاكم باعاقة التبادل لأنه يحمل معه تبادلاً قومياً، وناتج أيضاً عن ضعف البنى الانتاجية. لعل الفارق أن الثقافة العربية لم تتدهور كما تدهورت الاقتصادات، وان نقلها أكثر سهولة. أما اليوم فقد أصبح نقل الثقافة إلى حد كبير خارج يد السلطان. [2]

المثقف والتطبيع

يقول غسان :”لا نعرف كاتباً أو أديباً واحداً في الفترة التي نحن بصددها لم يخض غمار الدعوة المناهضة للعدو الاستعماري بهذه الدرجة أو تلك وعلى هذا المستوى أو ذاك، وقلة من الشعراء لم تكتب عن المسألة الوطنية”[3]

ربما لا نجد في هذا القول شيئاً جديداً أو متميزاً لولا ما يحصل اليوم فلسطينياً وعربياً أيضاً. قد لا تكون كافة جوانب الصراع وأهداف الصهيونية واضحة في فترة ثورة 1936. دعونا نفترض جدلاً، أن شيئاً من عدم الوضوح كان ممكناً ولا سيما لدى قطاعات أو شرائح اجتماعية معينة. ولكن ما من أحد ينكر اليوم أن الأمور أكثر وضوحاً. ومع ذلك، فإن الكثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب يروجون للتطبيع مع الصهيونية بأكثر مما كانوا يروجون “للثورة”!. فهل الأمر مجرد تساوق مع الموقف الرسمي أم هو عمل وظيفي يقوم به هؤلاء لقاء مقدار من الدراهم (كبر أم صغر… لا خلاف)، أم هو قحط فكري وصل بهؤلاء الى الانتماء للعدو وتقمّص ايديولوجيته، فتصهينوا وتأسرلوا مأخوذين بحلم “الانتصار أو التساوي بالمنتصر” من خلال الاندماج فيه!!، أم هو “التغربن” نفسه الذي يقود إلى هذه جميعاً؟ اذا كان اسكندر الخوري البيتجالي قد أدرك خطورة وعد بلفور منذ عام 1925 حيث قال بلفور:

يا لورد ما لومي عليك                          فأنت أصل الفاجعة

لـومي على مصـر تـمد                           لنــا أكـفاً صافـعة

 

ترى، هل نميل إلى معتقدات العجائز فنقول بأن لا شيء يتغير في العالم، فكل ما يحصل اليوم يكون قد حصل قبل عشرات آلاف السنين أو أنه مدوّن في “الانسيكلوبيديا الأولى” كتاب “الجفر” للإمام علي. ما الفرق بين القبول بأوسلو والقبول بوعد بلفور؟ أليس الثاني تأكيداً للأول! وما الفرق بين مصر الرسمية فترة بلفور ومصر التي بدأت كامب ديفيد، وترعى المفاوضات في ظل اتفاق أوسلو أي الاستيطان والغاء عودة اللاجئين… الخ.

لم يكن لغسان أن يتوقع تبلور جبهة من المثقفين الفلسطينيين والعرب التي تلعب دور “مقرئي” الايديولوجيا الصهيونية وايديولوجيا الانكلو-ساكسون ولا سيما الايديولوجيا البرجوازية العدوانية للولايات المتحدة الأمريكية، وكل  ذلك بهدف تلقينها للطبقات الشعبية العربية لتمارس التطبيع مع الصهيونية والنظام الامبريالي العالمي لتنسى في ذلك وتتنازل عن ثقافتها وبالتالي حقوقها.

ولا شك أن التطبيع من قبل المثقفين يبدأ بإعادة شرح الصهيونية بعقل وقلب غير اللذين بدأ بهما غسان. كان غسان المثقف الذي رأى في الأدب الصهيوني كتابة سياسية ايديولوجية وعدوانية بالطبع. ولأنه كان ثورياً وطليقاً بالطبيعة فقد نقد مانحي جائزة نوبل للكاتب الصهيوني عجنون. والمقتطف التالي هو نموذج على اعادة قراءة الصهيونية بهدف تسويقها بين العرب.

يقول لاري ديرفنر في مقابلة أجراها د. عزمي بشارة عضو الكنيست :

لقد قرأ بشارة كتابات المفكرين الصهاينة، بمن فيهم جابوتنسكي، واكتشف أن هذه الحركة ليست كلية التناغم، أي أنها مستبدة الطابع بقصد كما تراها وجهة النظر العربية التقليدية…”[4]

أما د. عزمي بشارة نفسه فيقول في نفس المقابلة:

“تعودت أن أراها كحركة استعمارية بذاتها أو جوهرياً، ولكن من خلال قراءتي للأدبيات الصهيونية فأنا متأكد أنها أكثر تعقيداً من ذلك، فهي تنظر لنفسها كحركة نهضة، كحركة تحرير، ولذلك فإنها كانت في حالة توتر بين تصورها عن نفسها وبين ممارساتها” [5]

[1]ثورة 1936 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وأبعاد، منشورات الوكالة الفلسطينية للصحافة والنشر (بدون تاريخ نشر) ص 38-39

[2]حول دور التكنولوجيا الحديثة في احداث ضعف نسبي لقبضة القمع الرسمي العربي على نشر الثقافة العربية، انظر مقالة عادل سمارة: عزيزي القارئ… لحظة خيانة من فضلك، جريدة القدس 18-5-1997

[3]ثورة 36 ص 43-44

[4]في مقابلة مع د. عزمي بشارة في جريدة Jerusalem Post 28-2-1997

[5]نفس المصدر 

 

  • كاتب عربي من فلسطين

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.