ما زال الشهداء… يعلموننا: دراسة في الجانب الاستشرافي من كتابات غسان كنفاني، في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده، حلقة (4)، عادل سمارة

حلقة (4)

الهوية.. هويتنا وهوية الآخر

يبدأ غسان مشروعه في إعادة بناء الهوية الفلسطينية من الأسرة شأنه شأن عالم الاجتماع الذي يرى في الأسرة الوحدة الاجتماعية الأولى بعد انتقال البشرية من المشاعية البدائية إلى النظام الطبقي. ولكن، ربما ليس هذا هو هدف غسان المباشر، فهو إذ يبدأ من الأسرة، إنما يفعل ذلك بناء على واقع الشتات الذي أصاب الشعب الفلسطيني، إن الشتات هو حالة أصابت كل أسرة فلسطينية بالتفكيك والتشريد والافقار، وفقدان مختلف أنواع الملكية والانتهاء إلى مخيمات اللجوء. وليس عمل غسان، عائد إلى حيفاإلا نموذجاً واحداً على هذه الحالة. إن العلاقة اليومية بين غسان واللاجئين هي التي بلورت مشروعه في إعادة بلورة الهوية، بصفتها مشروع العودة نفسه، مشروع الاستقطاب والتعبئة وبالتالي النضال من أجل العودة. إنه مشروع يبدأ بالأسرة، لينتهي بالطبقة، فالمجتمع بأسره.

لقد لاحظ غسان الاندماج بين وضع الأسرة الفلسطينية والنظام العالمي عبر الشتات الفلسطيني، وهذا ما جعل الفلسطيني حالة أسرية، وطنية قومية وعالمية معاً. وهو ما دفعه لتناول الأسرة النووية الفلسطينية كأساس لأدبه، وهو الأساس الذي تقوم عليه العوامل الأخرى لمشروع الهوية وهي تبديد الشخصية الوطنية، التفكيك الجغرافي والديمغرافي والاجتماعي والطبقي ولاحقاً القومي. ومقابل غسان هناك المشروع الآخر، مشروع العدو، وهو مشروع “تصنيع” هوية بلا مقومات. مشروع هوية من مدخل مبنى النظام العالمي، وخاصة مركزه الامبريالي. هوية مقحمة تبتلع فلسطين وتحلم بالوصول إلى الفرات والنيل. إنه مشروع رجعي استيطاني واقتلاعي بالضرورة والنتيجة.

وعليه، ليس من عبث أبداً ان النظام الامبريالي العالمي قد ربط منذ البداية وحتى اليوم وسوف يستمر بين اغتصاب فلسطين وبين “ضرورة” تجزئة الوطن العربي تجزئة متواصلة. لذا، نشهد اليوم انتقال المركز الامبريالي من سياسة “فرق – تسد” في الوطن العربي إلى مشروعه الجديد وهو “تركيز المركز وتذرير المحيط” وهو ما نراه اليوم في محاولات تقسيم العراق ومصر والجزائر ولبنان وحتى بقايا الضفة والقطاع إلى كانتونات. وهذا يعني أنه من أجل ابقاء الهوية الفلسطينية مبددة، لا بد من تبديد الهوية العربية نفسها عبر تلزيم الوطن العربي “كعطاء” للقوى والطبقات التي تعيش بالتجزئة والتبعية، وحتى الاحترابات الداخلية.

المكوّن الرأسمالي في الهوية القومية

تحتاج الهوية القومية إلى عناصر ثلاثة أساسية لتكوينها وهي اللغة والأرض والتاريخ المشترك. بالنسبة لليهود، فإن اللغة لم تكن ذات يوم مشتركة حيث انحصرت في الشعر الديني وبعض النصوص اللاهوتية ولم تتحول إلى لغة للحياة اليومية إلا بعد الاستيطان في فلسطين. [1]

أما عنصرالأرض فكان غائباً طوال حياة التجمعات اليهودية في العالم، وعندما جرى التوجه إليه تعددت المواقع التي فكر اليهود في اغتصابها لتكون أرضاً لهم. وحيث لا توجد أرض مشتركة، فإن الأمر ينطبق كتحصيل حاصل على التاريخ أيضاً.

ونظراً لغياب عنصر التاريخ المشترك نظر مؤسسو الصهيونية إلى الديانة اليهودية باعتبارها المرجعية الثقافية الأولى والأساسية للهوية الإسرائيلية.. ومع ذلك جلبت المرجعية البديلة من المشاكل أكثر مما تصدت لحله. فالدولة المركزية ليست هدفاً من أهداف اليهودية بالمعنى اللاهوتي، المركزية الوحيدة هي الله، والعلمانية شرط الدولة الحديثة، لا تستقيم مع اليهودية الأرثوذكسية المعترف بها في إسرائيل.[2]

على أنه من المفيد في هذا الصدد أخذ دور النظام الرأسمالي العالمي في الاعتبار. فمن ناحية عامة يعتبر الاقتصاد أحد العوامل الأساسية في تحديد وبلورة وأهم من ذلك انضاج الهوية القومية لشعب معين. ويلخص آخرون الأمر في السوق القومية أو السيطرة عليها. وفي حالة الصهيونية فإن للنظام الرأسمالي مفعولين مترافقين هما: الأول: ان السوق الرأسمالية قد لعبت دوراً في تحديد الهوية الاسرائيلية وبلورتها كأي بلد آخر. والثاني: أن النظام الرأسمالي العالمي جعل من خلق إسرائيل أحد مشاريعه ذات الأولوية القصوى على صعيد عالمي، بل وجعلها مشروعاً استراتيجياً أكثر مما هي مشروع اقتصادي مجد. وبالطبع، فإن جدواه الاقتصادية كامنة في دوره الاستيراتيجي، أي تثبيت التجزئة وبالتالي تخليد فرص نهب الثروات العربية.

وكمشروع استراتيجي يتم الانفاق عليه من الخارج ولا يعتمد على مقوماته الانتاجية، فإن هذا الأمر قد لعب درواً بالغ الأهمية، لا بل دوراً حاسماً في تثبيت الوجود الإسرائيلي، وجلب واستيراد المهاجرين في إسرائيل. ومن هنا، فإن إسرائيل كمشروع اقتصادي مصطنع قد اعتمدت على النظام الرأسمالي العالمي إلى حد حاسم في وجودها واستمراره. وهذا الوجود والاستمرار ،معاً، هما اللذان سهّلا بقاء إسرائيل، وبالتالي تبلور ما تسمى بالهوية الإسرائيلية.

وسواء كانت اسرائيل اليوم هوية في طور التكوين أم لا، فإنها مدينة بذلك للعامل الرأسمالي العالمي أكثر من أي عامل آخر. أي أكثر من العوامل التي تشكل مكونات الهوية في المجتمعات طبيعية التكوين. لا بل ان التطور الرأسمالي هو ما جعل بلورة الهوية أمراً ممكناً إذا ما وضعنا بالاعتبار غياب العناصر الأساسية الثلاثة. وهكذا فإن هذه الهوية ملفقة كما يصفها حاييم بريشيت:

 “لذا لم ينظر إلى المشروع الصهيوني في البداية كحركة تحرر وطني في ظل صعود القومية الأوروبية، بقدر ما نظر إليه كتلفيق لأمة من مخزون قطع الغيار الثقافية ليهود أوروبا الشرقية بصورة أساسية، على أن يتم تحقيق هذا الأمر من خلال استيطان فلسطين، ذلك البلد الذي ينتمي إلى العالم الثالث ويحظى باهتمام كبير من جانب الأوروبيين” [3]

لعل السمة الأكثر التصاقاً بالهوية الاسرائيلية ليست تلفيقها بمقدار ما هي “تصنيعها أو اصطناعها”. يقول بريشيت نفسه: “كان على الهوية الجديدة أن تكون ذات خلفية أوروبية. ويتضح من يوميات هيرتسل أن أمة جديدة في الشرق الأوسط يجب أن تكون توليفاً من مرح باريس وفيينا، وكفاءة لندن وعظمة برلين العسكرية”.[4]

من المآخذ على الهوية الثقافية لإسرائيل هيمنة الثقافة الاشكنازية عليها منذ بدء الحركة الصهيونية. ولعل ايلا شوحاط، أول من عالج هذا الأمر بمشروعها الفكري المتقدم بهدف إحياء دور وثقافة اليهود الشرقيين (العرب) وذلك في دراستها المميزة ” المزراحيم في إسرائيل:الصهوينة من وجهة نظر ضحايا اليهود”[5]الصادرة منذ عشر سنوات. ولا شك أن هذه الدراسة قد استثيرت ولو لا مباشرة من قبل انتفاضة اليهود الشرقيين بقيادة الفهود السود، وثورة وادي الصليب.

تؤكد دراسة ايلا شوحاط هذه أن الثقافة الاشكنازية، بما هي مشروع حزب العمل واليهود الغربيين عامة، إنما قامت بعملية “إبادة” لثقافة اليهود الشرقيين، وجعلت منهم “أكثرية” اثنية مضطهدة على مختلف المستويات، وجعلت السبيل الوحيد أمام أي منهم “لتحسين” وضعه هو فقط في الاندماج “الدوني” في الثقافة والمؤسسة الاشكنازية، تهمنا الاشارة هنا إلى أن هذا المشروع الثوري من قبل بروفيسورة ايلا شوحاط ووجه بتقصير من قبل اليسار الاسرائيلي بعامة ومن قبل مختلف القوى التقدمية الفلسطينية والعربية، حيث أخفقت في أن تجعل منه مشروعاً لنضال ثقافي طبقي واجتماعي ضد الصهيونية.

ولكن، تجدر الاشارة هنا، إلى أن الثقافة الاشكنازية وان كانت قد واجهت مؤخراً تحدياً اثنياً سواء من اليهود الشرقيين أو من القوى الدينية الصاعدة في إسرائيل، وهو الصعود المترافق مع صعود اليمين الرأسمالي، الا أن الطابع الاشكنازي ما زال مهيمناً فيها، ولا يوجد هناك ما يوحي بتقويض هذه المهمنة قريباً.

هنا يصبح من المهم الاشارة إلى أن كلا من الاشكنازية العلمانية لحزب العمل، والقومية اليمينية المتطرفة لليكود تتنافسان على السلطة، ولكنهما تمثلان الرأسمالية الاحتكارية (المالية والمضارباتية) في إسرائيل، وتتنافسان على التموضع كأفضل ممثل ومنسجم مع النظام العالمي ولا سيما في مشروع الخصخصة، والدولرة، والتعويم.. وبما أن كلا منهما تتوافق مع متطلبات النظام العالمي، فإن هذا يعني التوافق غير المعلن من قبل الليكود على الثقافة والعلمانية (العمالية). ولعل هذا ما يؤكد محدودية قدرة الليكود على تجاوز الشكل الذي أسسه العمل للدولة اليهودية. ومن هنا يكون ما قام به مناحيم بيجن من احتواء اليهود الشرقيين ليس أكثر من تكتيك سياسي محنّك، ولكن محدوديته التاريخية واضحة، اذا ارتفع اليهود الشرقيون الى مستوى وضع برنامجهم الاثني والثقافي الخاص، و/أو اذا ارتفع الوضع العربي إلى درجة تقديم مشروع ثوري (اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً) بحيث يقنع اليهود الشرقيين بأن هذا الخيار حضاري وثوري إلى درجة تجعلهم يحسون انتماءهم إليه وليس إلى الصهيونية.

 ومن هنا يصح ما يقوله حسن خضر:

“نستنتج مما تقدم أن الهوية القومية الاسرائيلية ما زالت بالمعنى التاريخي هوية ناقصة، يعتبر عنصر اللغة أهم عناصرها بينما تتنبأ العناصر الأخرى بتطورات يصعب التنبؤ بها” [6]ولكن، كان لا بد أن ينتبه حسن خضر إلى أن الحاضنة لهذه الهوية لم تصبح اللغة بمقدار ما هو المختبر الرأسمالي العالمي.

أصبح من الممكن اليوم وضع الهوية الاسرائيلية تحت الاختبار، ولا سيما من قبل المدرسة المسماة ما بعد الصهيونية. وهذا توجه يوجب علينا اختباره قدر الامكان. تطرح الحركة الفكرية اليهودية الجديدة التي تسمي نفسها ما بعد الصهيونية أموراً جديدة وتستحق النقاش. ولكن تناولنا لها، لا يخرج عن حدود استكشاف واختبار تخطيها للموقف الصهيوني من الحق الفلسطيني في الأرض، والعودة والمصادر والموارد. التي يقول أحد كتابها، مناحيم برينكر، الاستاذ في الجامعة العبرية أن الصهيونية قد أدت غرضها وانتهت، لذلك يدعو إلى إلغاء قانون العودة، والسماح بعودة يهود في ضائقة فقط. لكن هذا لا يلمس الحق الفلسطيني المذكور أعلاه من قريب أو بعيد. لا شك أن توقف استيراد المهاجرين سوف يسهم في إطفاء التوتر في المنطقة. فهو يقلل “سياسياً” من الضغط الديمغرافي داخل اسرائيل، كما أنه يخرج على أسس الصهيونية الداعية إلى حشر يهود العالم في فلسطين. ولكنه لا يجيب على الحق الفلسطيني. أما افيشاي مرغليت فيقول:” لا أعتقد أن اسرائيل هي المكان المناسب الوحيد لحياة اليهودي، ولا الوسيلة الوحيدة التي يحقق بها يهوديته، وما يعنيني من أمر هذه الحركة هنا، ما ذكرته الجيروزالم بوست في 29 سبتمبر 1995 أن ما بعد الصهيونية حركة فكرية يصفها دعاتها كل حسب هواه… لكن الشيء المؤكد الوحيد بشأنها أنها انتقلت في الآونة الأخيرة من الأوساط الأكاديمية إلى الشارع”. [7]

والحقيقة أن تفكيراً ملياً ونقاشاً مستفيضاً يجب أن يجريا على هذا الأمر. فانتقال ما بعد الصهيونية إلى الشارع بهذه الطريقة وهذا المدى، أمر فيه ربما قدر كبير من استعجال الأمور. ومن جهة ثانية، فإن أكثر ما يهمنا كعرب وفلسطينيين نخضع للسيطرة الاستيطانية والاقتلاعية للصهيونية ممثلة في دولة اسرائيل، هو موقفها من حقوق الشعب الفلسطيني في العودة قبل أي شيء آخر. هل حصل تطور على هذا الأمر أم لا؟ أم اكتفت ما بعد الصهيونية بالحديث عن “دولة ثائية القومية” يستولي فيها اليهود على الأرض والمصادر ويديرون جهازاً حربياً هائلاً، “ويسمحون” للفلسطينيين بالعيش بين ظهرانيهم لا لشيء، إلا لأنهم لا يريدون “لأرض اسرائيل” أن تنقسم. [8]

خلق دعاة ما بعد الصهيونية ودعاة الدولة ثنائية القومية لهم فريقاً في الأوساط الفلسطينية حيث يطالب عرب فلسطينيون بمثل هذه الدولة موافقين على الشرط اليهودي المعروف أن لا يتحكم العرب بالأرض ولا تكون لهم مطالب جغرافية اقليمية، كما يطرح د. عزمي بشارة عضو الكنيست!. [9]

 __________

[1]أنظر هوية الآخر، إعداد حسن خضر، منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، 1995

[2]نفس المصدر ص9

[3]انظر حاييم بريشيت: “صورة الذات والآخر في الصهيونية، في (كتاب هوية الآخر)، إعداد حسن خضر، ص 163 المصدر السابق. اود الاشارة هنا الى أنني أعرف بريشيت حيث ساهمنا مع آخرين في اصدار مجلة خمسين في لندن، وهو يهودي غادر إسرائيل حيث وجد أنها ليست مكانه، وهو الأمر الذي اتفق معه تماماً. فإما أن يغادر اليهودي الماركسي فلسطين،أو أن يناضل بوضوح من أجل حق العودة وحق الفلسطيني في الأرض والموارد. كنت ناقشت موضوع الهوية مع حاييم بريشيت أثناء دراستي في لندن 1984-1987 وكان يعبر دائماً عن الفرق بين نضال الفلسطيني من أجل الهوية بكل ما في ذلك من مهام ومعاني، وبين “مأزق” الاسرائيلي فيما يراه أن اليساري الاسرائيلي يفتقر إلى مشروع مشجع أو حافز للعمل. كان يرى أن الاسرائيلي في حالة من الضياع وعدم الوضوح، في حين أن الفلسطيني يناضل من أجل مشروع محدد وواضح. ولكن، ترى ماذا يقول بريشيت اليوم عن الفلسطيني؟

[4]Herzel, Theodor, The Complete Diaries of Theodor Herzel, The herzel press and Thomas Yoseloff, London 1960

في: حسن خضر، نفس المصدر ص162

[5]Ella HabibaShohat. Mizrahim In Israel: Zionism from the Standpoint of its Jewish Victims,. This article first published in Social Text Theory, Culture & Ideology (vol. 19/20 Fall 1988)- a special issue devoted for colonial discourse – and reprinted in News From Within, (vol.XIII no1 Jan 1997)

وستصدر في عدد 88 من مجلة كنعان التي تصدر عن مركز إحياء الثراث العربي، الطيبة/ فلسطين.

[6]حسن خضر، نفس المصدر، ص 10

[7]نفس المصدر ص 12

[8]انظر بهذا الصدد ما قاله الحاخام اليهودي مناحيم فرومان بان الدافع الاساسي في دعوته للدولة ثنائية القومية “هو تقديس أرض اسرائيل وتفضيل الولاء للأرض وليس الولاء للدولة”، لذا، فهو مع دولة للشعبين كي يضمن عدم تقسم الأرض (أنظر مقالة يئير شيلج “دولة واحدة لشعبين” المنشور في صحيفة كول هعير 31-1-1997 والمترجمة الى الانجليزية في مجلة News From Within vol. XIII No, March 1997. والمقتطفة في مقالة عادل سمارة: ثنائية القومية والحكم الذاتي والثقافي، ودولة لكل مواطنيها – مشاريع صهيونية، مجلة كنعان العدد 85 ربيع 1997.

[9]انظر عادل سمارة، نفس المصدر السابق.

 * كاتب عربي من فلسطين

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.