ما زال الشهداء… يعلموننا: دراسة في الجانب الاستشرافي من كتابات غسان كنفاني، في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده، حلقة (6)، عادل سمارة

من رفض الدمج إلى أسرلة الآخر!

لم يكن من السهل على غسان أن يتوقع انتقال الصهيونية من حالة “التهرّب” من الدمج إلى حالة التعدي القصوى وذلك بأسرلة الآخر.

في الحوار الذاتي في كتاب موشيه عوز يقتطف بريشيت التالي: “… السكان المحليين… إذ يعني أن عربيتهم يجب أن تُمحى، يجب أن يتم تطهيرهم منها، وتتم أسرلتهم، أو في الواقع أوربتهم” [1]

وكما أشرنا أعلاه، فإن ظاهرتي اﻷسرلة والصهينة لم تقتصرا على مشروع صهيوني لهذا اﻷمر، بل و جدتا لهما في أوساط  المثقفين الفلسطينيين، كما أشرنا أعلاه، من يخدمهما ويبررهما باسم السلام والمساواة والحل النهائي، والتخلص من الحروب…

يقول حسن خضر في تحليل رواية “السيد ماني” ل أ .ب يوشواع

” أما الابن يوسف، فيعتنق أفكارا غريبة يكرس حياته من أجلها، إذ يرى في الفلسطينيين يهوداً نسوا بأنهم يهود، لذا يحاول إعادتهم إلى ماضيهم كيهود حقيقيين، وقد نظر بعض النقاد إلى هذه الفكرة كدليل على وعي يهوشواع قراءة الصهيونية والصراع في فلسطين قراءة سفاردية ( شرقية) مغايرة للرواية الاشكنازية ( الغربية) التقليدية [2]

الخروج ، الهوية، و…العودة!

بمجرد الحديث عن الهوية، فإن غسان ينطلق بالطبع من عوامل تدميرها أي الخروج، وعوامل بنائها وصولا إلى هدف العودة. فالبحث أو الدفاع عن الهوية لا يتم إلا عندما تواجه الهوية تهديداً يطال وجودها، أو عندما يكون تبديدها قد حصل بالفعل.

ليس مشروع بناء الهوية لدى غسان محض مشروع فكري ثقافي. إنه مشروع كفاحي بالتوازي. ولذا ارتبط مشروع الهوية لديه بالنضال والحزب معا. ومن هنا كان غسان حزبياً ﻷن الحزب وليس نظام الحكم (في معظم اﻷحوال) هو المشروع المفترض كمعبر للثورة.

ولكن، ترى ما الذي كان سيفعله غسان لو لم يغتله أصحاب المشروع النقيض ورأى أن الخروج الملعون قد انتهى إلى عودة ملعونة، وان مشروع العودة نفسه قد بدأ بخروج من الخيمة لينتهي إلى عودة إلى الخيمة رغم مختلف التضحيات التي بذلت من أجل الخروج منها وعليها. ان العودة استحالت الى اكتفاء بالخيمة كوطن صوره الاعلام البرجوازي وأعاد إخراجه بتزييف هائل لدرجة انطلاء اﻷمر على الكثيرين ولا سيما من سكان الخيمة اﻷخرى نفسها وكأنه مشروع العودة !!ما الذي كان سيفعله غسان اليوم؟

ما الذي ستقوله شخوص غسان في ” اﻷعمى واﻷطرش” التي سئمت مناولة الناس أكياس الطحين لعشرين سنة خلت آنذاك، ما الذي تقوله وهي التي كانت تحتج لغسان على الظروف والشروط التي أرغمت اللاجئ على الاصطفاف قي طابور “الاعاشة” ، ما الذي ستقوله إذا عرفت أن المطالبة تجري اليوم على قدم وساق لتمديد “وصاية” وكالة الغوث؟ لا أريد أن أفضل الموتى على الأحياء، ولكنني أحاول هز العقول والنفسيات لعقد تفاعل بينهما.

كتب غسان في عائد إلى حيفا:

  “أتعرفين؟ طوال عشرين سنة كنت أتصور أن بوابة مندلبوم ستفتح ذات يوم … ولكن أبداً أبداً لم أتصور أنها ستفتح من الناحية الأخرى. لم يكن ذلك يخطر لي على بال، ولذلك فحين فتحوها هم بدا لي الأمر مرعباً وسخيفاً وإلى حد كبير مهيناً تماماً” [3]

أخذ كل شيء المنحى الآخر تماماً، فقد فتحوا “هم” مندلبوم بطريقتهم ومن جانبهم، وحولوا الخيمة إلى وطن، وأعادوا صياغة فلسطين بتصغيرها إلى أصغر منزلة عشرية، وأعادوا تكبير الاقليمية الفلسطينية لتقترب من الطلاق مع عمقها العربي…

الهوية وإخراج جديد للمخيم

يشكل المخيم نقطة الجذب التي لا يمكن لغسان الابتعاد عنها. فالمخيم هو رمز نفي وشتات الفلسطينيين. وما كتبه غسان من سياسي وثقافي وفني كان بهدف تفجير المخيم لتجاوز المنفى ليعود الفلسطيني كأي إنسان في هذا العالم. وعلى ضخامة هذا المشروع، فإن ما  يريد أن ينتهي إليه غسان هو حصول الفلسطيني على هوية انسان كسائر بني البشر. لذلك، فهو يستخدم الأدب والسياسة والسلاح لتحقيق ذلك. كل هذا ليبدأ غسان من المنفى وصولاً إلى الوطن.

قاتلت الحركة الصهيونية بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي” [4]

ويظني أن هذه العبارة تحمل شكلاً من أشكال النبوءة المبكرة التي تحاول القول… “لقد بذلت كل ما أستطيع… ولكن المشروع فشل. أي كأن غساناً كان يتوقع النتيجة الحالية. وهذا يذكرنا بامرئ القيس:

فقلت له لا تبكِ عينك إنما                                  نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

أو قول عبد الرحمن الداخل حينما عجز عن مقاومة العباسيين:

الله يعـلـم ما تـركت قـتـالـهم                               حتى علوا فرسي باشقر مزبد

فصددت عنهم والأحبة فيهم                               طمـعاً لهم بعقاب يوم مرصـد

أخذ الأمر منحى قسرياً لم يكن بوسع غسان تصوره. ربما كان ما يتصوره غسان واحداً من اثنين، إما عودة منتصرة بقوة السلاح، أو هزيمة أخرى، وبالتالي الاستعداد لمعركة أخرى. الا أن ما حدث هو الحالة الأخطر، حالة استدخال الهزيمة، حالة السلوك والتفكير والوعظ كمهزومين، حالة الما بين، ما بين الاحتلال الاستقلال. ما بين النصر والهزيمة. ما بين العودة واللجوء، ما بين التماسك والتذرير، وأخيراً ما بين الخيمة والخيمة، “موطنة” المخيم، موطنة المنفى، موطنة الخيمة”.

ثلاثة اشتباكات لثلاثة مشاغل مختلفة

حتى اللحظة عشنا اشتباكات ثلاثة مختلفة عن بعضها البعض. لقد رفض غسان الاشتباك الأول لأن فيه تبديد الهوية، (اشتباك اللاجئين في حياة المخيم، الاشتباك لأخذ الطحين، والاشتباك على الرغيف وعلى الدواء..) لأن فيه تبديد الهوية. غسان هو الذي أسس للاشتباك الثاني بحثاً عن الهوية وهو الاشتباك مع العدو، انه حالة المقاومة ما بعد احتلال 1967. الاشتباك الذي رفع اللجوء إلى مرتبة المقاومة، ولكنه لم يرفعه إلى مرتبة الثورة. وربما تمت هنا قراءة غسان بشكل غير دقيق. فإذا كان اللجوء هو البحر الذي عبَّ منه غسان أدبه وابداعه، فهذا لا يعني أنه كان مصاباَ بعجز حصر القضية في حالة اللجوء. ولكنه كان يعرف أن اللاجئ هو الحالة الأكثر تعبيراً ومباشرة عن ضياع الهوية ومحاولة التقاط حطامها واعادة تركيبها.

أما الاشتباك الثالث، فهو الأكثر غرابة وسوريالية. هو أمر أشبه بتلك المدرسة/ المدارس، غير المحددة، المسماة ما بعد الحداثة. ان اشتباك اليوم هو ما بعد الوطن، ما بعد الهوية بل ما بعد كل شيء، انه بعد الما – بعد. نشتبك اليوم في معركة “تصغير” هويتنا المفترضة لتصبح فلسطين هي المنطقة الصغيرة الواقعة ما بين الخليل وجنين.نشتبك حيث يقول البعض هذه مرحلة ويقول البعض الآخر، انها مرحلة ما بعدها مرحلة. نشتبك على فرص العمل في الخط الأخضر حيث تصطف ارتال السيارات القديمة التي تنقل عمالنا الى سوق عمل تمتد لمسافة 650 كيلومتراً يتنافسون فيها للحصول على تصريح عمل تكون نتيجته القاتلة “التنافس على فقدان الأرض باهمالها”. نشتبك على الحصول على وظائف في السلطة لنعوض اعادة تركيب الهوية الوطنية بتركيب الهوية الفردية، هوية الانا، هوية “أصلك نفسي”. هوية :أنج سعد هلك سعيد”. وفي أحسن الأحوال هوية العشيرة سواء بالمفهوم الانثروبولوجي أو السياسي الحزبي. ترى أية هوية سيختار غسان في هذه الحقبة؟ لا بل انه سوف يستمر باتجاه الهوية التي بدأ.

[1]  حسن خضر، هوية الآخر ص188

[2]  نفس المصدر ص58، يحضرني في هذا المجال نقاش مع ضابط مخابرات إسرائيلي في السجن عندما قال، هناك مثقفون وأذكياء بين الفلسطينيين. وأضاف: أعتقد أن أصل الفلسطينيين يهود! وهكذا، فالذكاء محصور في اليهود أو في من هم من أصل يهودي ولكن “ضلوا سواء السبيل”

[3]  عائد إلى حيفا، منشورات المركز الفلسطيني للدراسات والنشر، القدس 1992، ص 10.

[4]  في الأدب الصهيوني، منشورات الشرارة، القدس، بدون تاريخ نشر، ص 21

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.