لا اليهودية قومية ولا فلسطين وطناً له، موفق محادين

بالإضافة للأبعاد الأخرى لقرار الكنيست الصهيوني حول ما يُسمّى بالقومية اليهودية وقبلها يهودية الدولة، وهي الأبعاد المُتّصلة بصناعة الفوضى في الشرق الأوسط، وضرب فكرة الدولة العربية لصالح كونفدراليات الكانتونات الطائفية التي تدور حول (أورشليم الجديدة).

بالإضافة إلى ذلك، سنناقش الأفكار الصهيونية حول هذه القومية ووطنها المزعوم، وما ترمي إليه وذلك من الزاويتين النظرية والتاريخية:

على تنوّع واختلاف المنظورات العديدة حول المسألة القومية، فجميعها لا تعترف بالدين كمكوّنٍ أساسي من مكوّنات القومية، وحتى تلك التي تستخدم مفهوم الأمّة بالمعنى الديني، فإنها تميّز بين الأمّة وبين القومية.

وتتّفق غالبية النظريات على أن القومية، مفهوم مُستمدّ من تفاعُل مجموعة من العناصر الأساسية هي الأرض واللغة والتكوين الثقافي الاجتماعي والتاريخ المُشترك، فهل ثمة ما يساعد على اشتقاق مفهوم قومي يهودي من هذه التوليفة:

1- أين هو عنصر الأرض الرئيسي بالنسبة ليهود ولِدوا وعاشوا على مدار قرون طويلة في بلدان مُتعدّدة؟

2- اللغة ليست صناعة على طريقة العبرية الألمانية، لخدمة هذا المشروع السياسي أو ذاك، بل مُحصّلة تفاعلات اجتماعية ثقافية تاريخية، في إطار إقليم مُستقر مُحدّد منذ قرون.

3- التكوين الثقافي الاجتماعي، ليس رغبة أو إقحاماً، بل مُحصّلة أيضاً للتفاعُلات السابقة، ويظهر في العادات والتقاليد والأغاني والطعام والملابس وغيرها من مؤشّرات الوحدة الاجتماعية.

فهل نحن إزاء تكوين واحد موحّد ليهود العالم، أم إزاء خليط مُتنافِر من كل ذلك يعكس البيئات القومية المختلفة لهؤلاء اليهود؟

4- ما هو التاريخ المُشترَك ليهودٍ عاشوا ضمن بلدانٍ وسياقات وثقافات وأنظمة شديدة التنوّع؟

أما من زاوية المزاعم اليهودية في فلسطين فدونها الحقائق والمُعطيات التالية:

– إن الغالبية الساحِقة من اليهود الذين يحتلّون فلسطين العربية منذ عقود، هم يهود أتراك، ينتسبون إلى قبائل الخزر التركية، التي تهوّدت في منتصف القرن السابع الميلادي، وأقامت ما يُشبه الإمبراطورية التجارية، مُستفيدة من تحوّل طُرق التجارة إلى هذه المنطقة.

وعندما وجد كبير خانات هذه القبائل، الملك بولان، أنها محاطة بإمبراطوريات قوية هي بيزنطة المسيحية، والدولة الإسلامية بين أواخر العهد الأموي وبدايات العهد العباسي، بالإضافة لموجات المغول الأولى، وللأمراء الروس في بداية صعودهم، اختار بولان اليهودية من بين الأديان الأخرى، لانسجامها مع قبائل المُحاربين – المُرابين في تلك المنطقة وتلك المرحلة.

ولهذا السبب أيضاً، كانت إمبراطورية الخزر التركية المُتهوّدة هدفاً لجيرانها ولأمراء روسيا وموجات المغول التي أطاحت بها وشتّتت سكانها في كل أرجاء أوروبا الغربية والشرقية.

وستمر قرون طويلة على هذه الحادثة، قبل أن تتوصّل وزارات ودوائر الخارجية والمُستعمرات في البلدان الأوروبية الصناعية الصاعِدة، وخاصة بريطانيا وفرنسا إلى أهمية وضرورة بناء كيان عازِل شرق المتوسّط، يمنع العرب من الإنبعاث والسيطرة على القوس المصري الشامي، بعد أن أطلق محمّد علي الكبير في مصر شرارة هذا المشروع، مُستفيداً من انحدار الاحتلال العثماني وسقوط تركيا في فترة آخر السلاطين بيد القناصل الأجانب.

وقد تبلورت الإستراتيجية الأوروبية المذكورة، في ما عُرِف باستراتيجية كامبل بنرمان، رئيس الوزراء البريطاني، الذي أوصى بالكيان المذكور والذي بدأت ملامحه عملياً في النصف الثاني من القرن الـ19، وكانت الصهيونية غير اليهودية في البداية هي التي اخترعت كذبة الوطن القومي لليهود في فلسطين.

ومن اللافت للانتباه هنا، أن الزعيم السوفياتي، ستالين، هو أول من انتبه لذلك 1927 قبل أن يُغيّر موقفه 1947 مُقابل سيطرته على أوروبا الشرقية.

فقد تبنّى ستالين ومعه الكومنترن، مكتب الأممية الشيوعية، عام 1927 مشروعاً لإقامة كيان يهودي في المنطقة، التي خرج منها يهود أوروبا، وهي منطقة أبيدجان الخزرية، لكن اليهود وبتحريضٍ من بريطانيا وفرنسا رفضوا ذلك.

ويُشار هنا أيضاً إلى أن المصادر التي تؤكّد الجذور التركية الخزرية لغالبية يهود أوروبا، الذين تدفّقوا على فلسطين وطردوا غالبية سكانها العرب واحتلوها بعد مجازر جماعية، مصادر تعود لإثنين من المؤرّخين اليهود الكبار وهما:

– بنيامين فريدمان كما وردَ في دراسة صادرِة عن دار النفائس في بيروت 1988، وقد عادت الدراسة إلى الموسوعة اليهودية الصادرة عام 1903 وتضمّنت وثيقة منسوبة إلى المؤرّخ اليهودي هـ. غرايتس 1894.

– المؤرّخ والأديب والفيلسوف اليهودي، آرثر كوستلر، الذي اندفع مع موجات الاستيطان اليهودي الأولى إلى فلسطين وانخرط في الحفريات التي حاولت تأصيل ممالك يهودية مُتحضّرة في هذا البلد العربي، ثم اكتشف هذه الكذبة وغادر فلسطين وأصدر كتابه الشهير حول إمبراطورية الخزر.

وقد أكّد في هذا الكتاب كما بنيامين فريدمان، على الأصول الخزرية التركية لغالبيّة يهود العالم، وألا علاقة لهم من قريبٍ أو بعيدٍ بفلسطين.

أما بالنسبة إلى مرامي قرار الكنيست، فهو تسويغ مشروع يهوديّة الدولة كمركزٍ عنصري لمحيط عربي أقرب إلى الغوييم، ويمتد هذا المحيط من الدائرة الأردنية الفلسطينية إلى الشرق العربي كله في إطار صفقة القرن، الإسم الجديد لمشروع الشرق الأوسط الكبير.

ويبدو مشروع العدوان الصهيوني الأميركي حول تهويد القدس، كمشروعٍ لإعلان هذه المدينة كأورشليم الجديدة وعاصمة لما يُسمّى في العقل اليهودي بـ كونفدرالية الأراضي المُقدّسة (شرق الكانتونات الطائفية من كل الأديان).

:::::

“الميادين”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.