ألف “نبي صالح” في فلسطين وألف عهد في كل “نبي صالح”، ثريا عاصي

بالعودة إلى التجربة التي تعرضت لها الشابة الفلسطينية عهد التميمي وإلى الإجتهادات والتأويلات التي ترافقت مع  إفراج السلطات الصهيونية عنها بعد أن أمضت في السجن حوالي ثمانية أشهر، عقاباً على إقدامها على “صفع جندي  إسرائيلي” كان قد أقتحم مع رفاقه منزل عائلتها الكائن في بلدة “النبي صالح” !
لا بد أولاً من التذكير بأن أهل هذه  البلدة الفلسطينية يمارسون بانتظام نوعاً من الإحتجاج “السلمي” ضد إحتلال بلادهم، فهم يتظاهرون أسبوعياً منذ سنوات، وأحياناً يأتي إلى بلدتهم  مناضلون أجانب ويشاركون في تظاهراتهم التي وصلت أصداؤها إلى الدول الأوروبية .
ولكن “سلمية” النشاط لم تُجنِّب أهل “النبي صالح” قمع السلطات الإسرائيلية وعنفها، التي لم تتورع عن استخدام السلاح  الحربي إرهاباً من أجل   منع المسيرات المنددة باحتلال الأرض، هذه المسيرات التي تحولت بمرور الزمن وبتراكم التجارب إلى ما يشبه الطقس النضالي  الفلسطيني ـ الأوروبي الدوري . لقد سقط في هذه المسيرات شهداء وجرحى بالرصاص الحي وتعرض المشاركون فيها للقنابل الدخانية وللإعتقال . ومن النبي صالح خرجت وفود تحمل رسائل باسم المتظاهرين إلى خارج سور السجن الفلسطيني، عن الإستعمار والاحتلال والقمع والمداهمات الليلية والسجن والإستشهاد والإعاقات الدائمة.
مجمل القول إن أهل “النبي صالح” هم المشكلة التي تزعج المستعمر وليست الشابة عهد التميمي، فهذه الأخيرة ولدت في بيئة تعترض الإستعمار، فكانت تسير منذ طفولتها في التظاهرة إلى جانب والديها وأشقائها وأقاربها وجيرانها . رأت رفيقاً يسقط شهيداً وآخر يصاب بإعاقة دائمة . بتعبير آخر تكمن مشكلة المستعمرين الإسرائيليين في تظاهرة أهل “النبي صالح” الدورية، التي بدأت أصداء هتافاتها تصل إلى الخارج . ليس صحيحاً  أن الإسرائيليين إعتقلوا الشابة عهد التميمي لأنها صفعت احد جنودهم . فكلنا يذكر مشاهد العراك الذي جرى بين جندي إسرائيلي تنتابه حمى الجنون ممسكاً صبياً فلسطينياً كاد أن يخنقه وبين عهد التميمي ووالدتها اللتين كانتا تحاولان تخليص الصبيي من براثن الجندي الإسرائيلي المتوحش، فنجحتا بفضل عهد التي عضت على يد الوحش الإسرائيلي حتى أجبرته على ترك فريسته . لم تُعتقل آنذاك الشابة عهد التميمي، ولكنها صارت بامتياز إبنة حركة نضالية بسيطة متواضعة متواصلة غنية بالمعنى الوطني والإنساني، مخيفة للمستعمر لذا قرر مهاجمتها مرة أخرى، فجاء الدور على الشابة عهد التميمي !
أمضت إبنة السبعة عشر عاماً ثمانية أو تسعة أشهر في سجن إسرائيلي ! لدينا في لبنان تجربة “قصيرة” في هذا  المجال، فلقد غزا المستعمرون  الإسرائيليون بلادنا وأخذوا أولادنا، الذكور، الذين كان الكثيرون منهم آنذاك في عمر عهد التميمي، إلى معسكر  التجميع الشهير “أنصار ” . نعلم أن البرنامح الذي أجبر المعتقلون على اتباعه في هذا المعسكر كان يتضمن، الضرب والإذلال أسبوعياً ودون مبرر ! هنا أترك القارئ أن يتصور ما يمكن أن تنسجها المخيلة الذكورية الشرقية عن الأخطار التي تحيق بفتاة وقعت بين أيدي المستعمرين  الإسرائيليين . 
لقد قرأنا عن أساليب التعذيب التي تعرضت لها المناضلات الجزائريات في سجون المستعمر الفرنسي وأغلب الظن أن المستعمر الإسرائيلي  يحذو حذوه . يتوهم المعمرون دائماً أن الأصليين سيخلون بلادهم خوفاً من التعذيب والموت، شرط أن لا يثقوا بأنفسهم وأن لا يعتقدوا بأن النضال  يوصل إلى الحرية وأن لا يتعلموا من تجاربهم ومن أخطائهم فلا يلدغوا من الجحر مرة بعد مرة دون أن يدركوا !
ومن المعروف أيضاً أن المستعمرين الإسرائيليين  يبرعون في الدعاية الهادفة إلى تشويه أعدائهم، او بالأحرى من تبقى منهم، بالإضافة إلى نشر البلبلة في الفكر والمعتقد في المجتمعات التي لا يضمرون لها الخير . ولا شك في هذا السياق في أنهم أرادوا من خلال إعتقال الشابة الفلسطينية، إبنة تظاهرات “النبي صالح”، مدة ثمانية أشهر ومن خلال إخراج عملية إطلاق سراحها حتى تظهر هذه العملية كأنها إعادة أو إرجاع الشابة الفلسطينية إلى حضن السلطة في رام الله أو خداع الناس بان علاقة تربط النبي صالح برام الله .
انا على يقين من أن الف “نبي صالح” في كل منها الف عهد التميمي، يسقطون جدران الفصل العنصري ويحررون الإنسان الفلسطيني ! الف تحية الى متظاهري ومتظاهرات النبي صالح !

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.