إيلان بابيه صهيوني: بين أسد لم يوقع والميادين التي وَقَعت ووقَّعت، الحلقة الثانية، د. عادل سمارة

إيلان بابيه صهيوني:

بين أسد لم يوقع والميادين التي وَقَعت ووقَّعت

د. عادل سمارة

حلقة 2

ابعد من تطهير عرقي

جرى تهليل وتضخيم كبيران لوصف إيلان بابيه الاغتصاب الصهيوني لفلسطين ب “التطهير العرقي” وكتب كثيرون مدائحاً لهذا الطرح حيث وجدوا فيه خلاصاً ما، وهم بين من لم ينتبه لخطورته وبين من في قلبه مساحة خاصة لمحبة الصهيونية.

ملاحظاتنا على هذا الطرح هي التالية:

1) بمعزل عن أن اغتصاب فلسطين هو مشروع استعماري أبيض نظَّر له باكرا مارتن لوثر وتبنته في الحقبة الميركنتيلية الإنجيليتان بريطانيا وهولندا بوحي من مصالح شركات الهند الشرقية حينها. اي لم يكن المشروع الصهيوني لاغتصاب فلسطين دينياً يهوديا ولم تكن الحركة الصهيونية السياسية غير الاندماجية قد تكونت بعد. والمهم هنا أن هذا المشروع بدأ تبنيه صهيو-يهوديا منذ 1897 بهدف معلن مُستقى من مصالح الاستعمار. ولتنفيذه كان لا بد أن يُقدِّم هيرتسل الكيان المتوقع كخادم للغرب الاستعماري. أي :

أ ) تكوين بنية عسكرية استيطانية مكونة من عبيد للغرب من رئيس الوزراء وحتى آذن المدرسة مقابل خلق وحماية الكيان غربيا. ولكنه كيان يعمل بنيوياً وأداءً بشكل علمي وثوري. هذا الوصف لا يُعجب “المتخلفين” لأنهم لا يرون العقل والعلم سوى في جهلهم.

ب) اغتصاب فلسطين، اغتصاب الأرض وإعلان الهدف لاغتصاب أرض عربية من النيل إلى الفُرات، حتى لو عجز الكيان عن ذلك في زمن ما. وهو الهدف الذي لم يتغير قطعيا حتى كتابة هذه السطور، ولا تتم محاولات إخفائه لمن لديه جرأة القراءة والتفكير.

لسنا  إذن أمام  مجرد تطهير عرقي،  بل اقتلاع وطرد شامل ومتسع لما هو أبعد من جغرافيا فلسطين. وهذا ما حصل تنفيذيا على الأرض ولم يتوقف حيث جرى تدمير/اقتلاع فلسطين جغرافيا واقتصاديا وبشريا وطبقيا وإنتاجيا. ولم يبق مشتركا بين الفلسطينيين سوى الهدف الوطني القومي سياسيا كجامع لهم. ورغم تهالك الوضع العربي المحيط بفلسطين، إلا أنه لعب دوراً في بقاء النضال ضد الاغتصاب سواء باللجوء الفلسطيني إليه أو بوجود قوى وأنظمة تشارك في هذا النضال بغض النظر عن النتائح. يناقض هذا الوضع انظمة وقوى عربية هي صهيونية تماما. وهذا يفتح على نكتة. فإذا كان تحرير فلسطين هو رمي اليهود في البحر كما يزعم اهل التطبيع والصهاينة والغرب العدو بمجمله، فماذا نفعل بالصهاينة العرب؟ هل نرسلهم إلى السماء! أم نجمعهم في فلسطين على اعتبار أن الصهيوني العربي ألطف قليلا، ربما، من الصهيوني غير العربي!

وهذا يفتح على أمر خطير هو تورط كثير من الفلسطينيين في اعتبار الحل هو في  “تخلي الصهاينة عن صهيونيتهم”.  وهذا هروب علني من التناقض الحقيقي، أي اغتصاب الوطن. هذا الطرح المتهالك مجرد حلم طوباوي من جهة وكارثي عمليا من جهة ثانية بمعنى أن يقول الصهيوني: “أقسم بشرفي وعِرضي أنني لم أعد صهيونياً”! (طبعاً سينهض متخلف ليقول، هم لا يؤمنوا بالعِرض. طيب بلاش يا شاطر).

وحينها يبقى الصهيوني متربِّعاً على الأرض ونحن نشتغل عنده كخواجا. هذا مجمل ثرثرات سلامة كيلة، وصبري إمسلم ويحيى غدار وماجد كيالي وأحمد قطامش وأضرابهم وأدواتهم. (تجدون تفنيد كل هذا في كتاب الرفيق محمود فنون “بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية” الذي يصدر قريبا).

2-    يحصل التطهير العرقي بين مجموعتين/شعبين في أرض/وطن، ولا أقصد مكاناً بل وطناً، سواء وصلوا مرحلة الدولة القومية أم لا بعد، وغالباً ما تكون هناك قومية أو إثنية كبيرة /اكثرية مقابل إثنية/ات قومية/ات صغيرة/أقلية. والمهم والحاسم أن جميع هذه القوميات والإثنيات لها في الأرض المعنية حقاً. وهذا لا ينطبق على اليهود سواء صهاينة أو “شيوعيين” باستثناء اليهود “الوطنيين”. لذا، ما قام ويقوم به الكيان الصهيوني ليس تطهيراً عرقياً، لأن هذا الكيان لا يملك الأرض وليس من المكان ولا من البيئة، بل ما قام ويواصل القيام به هو اقتلاع لأهل الأرض وتدمير لوجودهم التاريخي والديمغرافي.

فالمستوطنون، بما هم مستوطنون، ليسوا شعبا ولا قومية وليسوا من أهل البلد وليست لهم حقوقا فيها ليست لهم حصة في الأرض. هم عبارة عن تجميع قطع غيار من مئة قومية استوطنوا بقوة أسلحة العدو الغربي وهم في خدمة الغرب قبل خدمة انفسهم، لذا، أكرر،  هم بنية عبيد لسيد هو النظام الرأسمالي العالمي. وإذا كان لكل استيطان رأسمالي أبيض متروبول من دولة استعمارية غربية واحدة، فإن متروبول الكيان هو كامل النظام الرأسمالي العالمي. لذا، لا تنخدعوا بمظهرهم وعنجهيتهم، هم بنية عبيد، كثيفة وعالية التسليح، من رئيس الوزراء حتى آذن المدرسة. هذه مهمتهم ومهنتهم. لذا قال لي حاييم بريشيت في لندن: أنا أحسدكم كفلسطينيين، أنتم لكم قضية تقاتلون من أجلها. أنا ليست لي قضية مع أنني لست صهيونياً. قضية “إسرائيل” هي قُطَّاع طرق بالأجرة وقوة السلاح.

إذن لا يصح زعم إيلان بابيه بان ما يحصل في وطننا هو تطهير عرقي وكأنه صراع بين طرفين لكل منهما حقاً في الأرض.

3) يحصل التطهير العرقي في فترة معينة هي صراع حاد بين شريكين في الأرض بعدها يتم إما انفصال وتكوين كيانين:

أ) إما أن  يقبل كلاهما بالآخر كما حصل في مؤامرة الناتو في تفتيت يوغسلافيا؛

ب) أو تحصل مصالحة ما؛

ج) أو يتم خلق حالتين/حالات في صراع دائم يكون غالباً  لصالح الإمبريالية كما هي حالة الهند وباكستان.

 أما في فلسطين فما يحصل هو طرد وإبادة متواصلة منذ قرن ولم تتوقف . ولا أعتقد أن اي فلسطيني أو عربي بوسعه إنكار أن الكيان يطالب بالجولان العربي السوري المحتل ويستوطن في أربيل، رغم زيارات نايف حواتمة لها!!!

وعليه، فإن طرح إيلان بابيه بأن ما يحصل في فلسطين هو “تطهير عرقي” ليس سوى قبول بالاستيطان الصهيوني بشرط توقف التطهير من جانب الكيان الذي أصبح ، طبقاً لقناعته، موجود فعلياً، ومن ثم يصبح موجود طبيعيا، أي أنه بعد إقرار الفلسطينيين والعرب بذلك ، يمكن الحديث!

وبغض النظر عن دقة وصوابية نقدنا لمسألة التطهير العرقي، كان لافتاً تهافت كثير من المثقفين والمؤرخين الفلسطينيين في كيل المديح لأطروحة إيلان بايه الذي شارك هو نفسه في توقيع “صرخات/عرائض” تدعو للدولة الواحدة. وهذا ما يؤكد أن بقاء الكيان بالنسبة للسيد إيلان بابيه هو حجر الأساس. وحين نقرأ أن هذه الصرخات تكتفي بان يتخلى الصهيوني عن إيديولوجيته هذه، يصبح كل شيء على ما يُرام لدى هؤلاء ومنهم إيلان بابيه. 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.