نماذج من “مَرْكَزَة” الثّروة العالمية لدى بعض الشركات الإحتكارية، الطاهر المعز

تتصدر ترتيب الشركات العالمية الكُبْرَى من حيث المداخيل والأرباح شركات الإتصالات والتقنية والتجارة عن بُعد وغيرها (آبل وغوغل ومايكروسوفت وآمازون…)، وتعمل جميعها في قطاعات غير حيوية ولا تنتج مَأكلَاً أو ملبَسًا أو سَكَنًا أو عقاقير لعلاج أمراض مُسْتعْصِيَة، بل تحتكر قطاعات اقتصادية جديدة (التجارة الإلكترونية والحواسيب والهواتف المحمولة)، واحتياجات خلقتها الرأسمالية نفسها لتحقيق المَزِيد من الأرباح، ولهذه التقنيات الجديدة تطبيقات (غير ظاهرة للجمهور) في مجال الأمن والتّجَسُّس ومراقبة المواطنين وغيرها، مما يَزيد من أهَمِّيّة برامجها وأجهزتها وخَدَماتها، لكن إفلاس أو زوال هذه الشّركات الضّخمة لن يكون سَبَبًا في حُدوث مجاعة في العالم أو في انتشار الأوبئة والأمراض، ومع ذلك فقد أثار انفجار “فُقّاعة” شركات التكنولوجيا – قبل سنوات- أزمة عالمية، بسبب هيمنة هذه الشركات على سوق الأسهم الأمريكية… 

أعلنت شركة “أبل” الأميركية العملاقة للإلكترونيات، يوم الثلاثاء 31/07/2018، ارتفاع حجم مبيعات هاتف “آيفون” خلال الربع الثاني من سنة 2018 بنسبة 1%، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، لكن إيرادات هذه المبيعات زادت بنسبة 20% لأنها طرحت في الأسواق نسخة جديدة، غير مختلفة كثيرًا ولكنها أعلى ثمنًا، وباعت خلال الربع الثاني من سنة 2018 نحو 41,3 مليون هاتف “آيفون”، بإيرادات بلغت 29,91 مليار دولار، وتلجأ الشركات الكُبْرى لطرح منتوجات تَبْدُو جديدة (ولكنها غير ضرورية)، تَسْبقُها حملات إشهارية و”تَسْرِيبات” لا تستهدف سوى زيادة الأرباح، وتمكّنت “أبل” – بفضل هذه الطريقة- من زيادة أرباحها، وتحقيق زيادة الإيرادات بأكثر من 10% للربع الرابع على التوالي، وارتفعت الإيرادات خلال الربع الثاني بنسبة 17% إلى 53,27 مليار دولار، فيما بلغت الأرباح (خلال ربع سنة) 11,52 مليار دولارا… وكانت شركة “أمازون” (البيع بالتجزئة عن بُعد، أو ما تُسَمّى التجارة الإلكترونية)، ارتفاع قيمتها في السوق المالية إلى 902 مليار دولار، وهي إحدى الشركات المنافسة ل”أبل” وقيمتها تبلغ 935 مليار دولارا في أسواق المال والمُضاربة بالأسهم، وكلاهما أمريكية، وتتنافس “غوغل” (والشركة الأم “ألفابت” بحوالي 745 مليار دولارا) ومايكروسوفت (حوالي 760 مليار دولارا) على المرتبة الثالثة… 

ما الغرض من استعراض مثل هذه الأخبار وأرقَامها الفَلَكِية؟

إن عَظَمَة الإمبريالية الأمريكية وقيادتها للنظام الرّأسمالي العالمي هي ترجمة لهيمنة شركاتها (أمريكية المَنْشَأ) على الإقتصاد العالمي (سبعة من مجموع أكبر عشر شركات عالمية)، في عدد من المجالات، وتَدْعَمُ أي حكومة أمريكية (من الحزب الجمهوري أو “الديمقراطي”) هذه الشركات، رمز الهيمنة الأمريكية، عبر إرغام الدول على فتح أسواقها للشركات الأمريكية، باسم حرية التجارة، وعبر فَرْضِ غرامات باهضة وعقوبات ضد أي شركة (أو مصرف) بدأت تُنافس الشركات الأمريكية في السوق الداخلية الأمريكية الواسعة، وعبر اختلاق “خُرُوقات” للقوانين أو للبيئة أو أي تعليل آخر (مصارف أوروبا وشركات اليابان وصناعة السيارات…)، وفي المُقابل تَمُدُّ هذه الشركات الأمريكية الحُكُومَةَ ومخابراتها بمجموعة هامة من البيانات عن الدُّوَل وعن المواطنين وعن الشركات الأجنبية، وتتعاون معها لاستخدام بعض التطبيقات في الميادين الأمنية والعسكرية…

قد تكون الإمبريالية الأمريكية في حالة انهيار، ولكنه انهيار بطيء، قد يدوم قَرْنًا أو نصف قَرْن، وهو انهيار لن يُفيد الطبقة العاملة في أمريكا أو غيرها ولن يُفيد الشُّعوب الواقعة تحت الإستعمار والإضطهاد، إذا انهارت الرأسمالية الأمريكية وحَلّت محلّها دولة رأسمالية أخرى وقوة إمبريالية أخرى، ستتصرّف وفق ما تتَطَلّبُهُ وتُمْلِيه قواعد النظام الرّأسمالي ! 

من جهة أخرى تُمَثّل هذه الأرقام الضّخْمَة التي أوْرَدْنا بعضها أحد أسباب تعميق الفجوة الطبقية داخل الولايات المتحدة والفجوة في متوسّط الدّخل بين مواطني الدول الرأسمالية المتطورة والبلدان الفقيرة، كما تُبَيِّنُ أيضًا الفارق بين إيرادات الصناعات التي تُبْعِدُها الدول الرأسمالية والشركات إلى آسيا وإلى بعض البلدان الأخرى الفقيرة، وإيرادات قطاعات التكنولوجيا المتطورة، وخاصة ارتفاع هامش الربح بفضل القيمة الزائدة المرتفعة في هذه القطاعات التي تبقى في أوروبا وأمريكا واليابان، ولا يقع إبْعادُها، لأنها قطاعات استراتيجية، ومعظمها تتطلب تطورًا في قطاعات البحث العلمي والتّقني (وهو شبه مُنْعَدِم في الدول العربية، على سبيل الذكر)، كما تُنَبِّهُنا هذه الأرقام الفلكية إلى الفارق بين أرباح هذه الشركات (أرباح وليس إيرادات) وميزانية العديد من الدّول، لأنها تفوقُها بكثير، كما وجَبَ التّذْكِير بانخفاض رواتب العمال (عُمال التجارة والخدمات) في الولايات المتحدة، وظروف العمل السّيّئة والعقود الهشة والعمل بدوام جُزْئي، واستغلال المُهاجرين (في كافة الدول الصناعية) لتحقيق مثل هذه الأرباح الضخمة، فضلاً عن انخفاض رواتب عُمّال فيتنام وبنغلادش والمغرب والحبشة، وغيرها، من أجل زيادة أرباح المَالكين لأَسْهُم هذه الشركات العملاقة، ومن اجل طرح الملابس والغذاء ومختلف التجهيزات في أسواق أوروبا وأمريكا بأسعار مُتَدَنِّيَة، تسمح للعمال والفقراء بتلبية الإحتياجات الدّنيا، بأسعار مُنْخَفِضَة نسبِيًّا، مما يُساهم في إخماد الغضب، أو تأجيل انفجاره…  

ألا تَكْفِي هذه الأسباب لإثارة الرّغبة في تغيير هذا النظام، وإقامة نظام عادِلٍ مكانه؟

البيانات من رويترز + موقع مجلّة إيكونوميست + صحيفة واشنطن بوست من 18 إلى 31/07/19

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.