إرتحل الرفيق المفكر سمير أمين، إرتحل الجبل، عادل سمارة – الأرض المحتلة

 

 

لم أجد أمام هذا الموقف الخلودي معنى لقول الرثاء أعلى من أن تحضرني ربما الجملة الأولى في أسطورة جلجامش: “هذا الذي رأى كل شيء، فغنِّي بذكره يا بلادي”. استعيد هذه الجملة الأبدية البقاء حيث تليق بالرفيق والزميل المفكر سمير أمين، ولكن تصدَّني حالة بلادي، لا مستقبلها . سوف يذكر سمير أمين إنتاجه الفكري العميق والرصين.
تصدَّني حالة بلادي ديالكتيكيا بالضبط والتحديد، جدل الرؤية التي اضاء بها امين هذا العالم وخاصة عالم وطننا العربي، والصدُّ في مواجهة ذلك من طبقات الكمبرادور وقوى الدين السياسي التي ترمي الوطن بقطع من الليل/العتمة. لهذا بالتحديد لم يرحل سمير أمين بل ارتحل لأن فكره يقاتل طبقياً بعده إلى ما شاء الكون أن يستمر. وسيستمر. ويصدني حال الكوكب الذي تحرقه نار الرأسمالية بل الثورة المضادة التي عاش وارتحل سمير أمين وهو يقاتلها. لم يُلقي سيف الفكر من دماغه.
سمير امين، ليس الماوي الأخير، لأن الفكر ليس سلعة صناعية معمِّرة حيث الأطول عمرا منها عشر سنوات. الفكر يعيش إلى الأبد وخاصة الفكر الشيوعي الإنساني ومنه تاجه المساهمات الماوية.
سمير امين قاتل فكريا وميدانيا من أجل الاشتراكية بل الشيوعية. كان أكثر مفكري الشيوعية الذين اضطر أهل الفكر البرجوازي/ أي ادوات الاستعلال والحرب والموت للرد عليه، وكذا مفكري التحريفية السوفييتية. وسمير أمين قرر أن يبقى في العالم الثالث دون الانقطاع عن العالم بأسره. لم تتمكن أكاديميا الغرب المركزاني من اختطافه ببريقها فعاش في إفريقيا ولم يبتعد عنها حيث غاص في رحمها وحسب. هو انتقال بمسافة متر واحد. وسيحرس فكره هذا الجدث المقدس إلى الأبد. بقي على الأرض وفي الأرض مبتعدا عن وجه التراب مترا واحدا، وظل مبتعداً عن الطبقات الحاكمة بُعد النقيض التناحري عن نقيضه.
عاش وارتحل مع الثورة وللثورة، ورأى جيداً ان قوى الدين السياسي ليست الغد بل هي الأمس مستميتة لتكسب صبحاً جديداً فكان منها الليل والدم والموت والفقر والتبعية.
وإذا كان البعض من أعماله قد نُقل إلى العربية أو وُضع بالعربية، فإن ثروته التي لا تقل أهمية هي في مجلة مونثلي ريفيو Monthly Review التي منها تعرفت إلى إنتاجه بعد خروجي عام 1972 من سجون الكيان الصهيوني وتتلمذت على هذه المدرسة ومنها سمير أمين.
ليس هنا مقام الحديث الطويل، نظريا علميا او عاطفياً، نعم لنا عواطف ومحبة ايضاً بل نحن الأجدر بها لأن سمير امين الشيوعي الذي عاش للناس لا لذاته. وهذا معيار الشيوعية الحقيقية لأنها الناس وهي الناس، هي الطبقات الشعبية في صراعها ضد الاستغلال والفساد واللصوصة والدم والحرب والعسف والعنف الذي يأكل جسد البشر وثنايا تاريخه.
التقيت سمير امين في مؤتمر في باريس عام 1995، وأسعدني ما دار بيننا من حوار وأحرجني تواضعه حيث أصر على ان يترجم حديثي الطويل في ذلك المؤتمر العالمي.
وأحتفظ له بما هو أهم حين قال لي ذات يوم، بعد كارثة اتفاقات اوسلو، مغتبطاً: “أنا قادم إلى جامعة بير زيت”. فوجئت، فقلت له لكنها تحت الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي ومجيئك تطبيعٌ. قال: اللهْ مفيش استقلال! قلت له ومن قال لك أننا لسنا تحت النعال! ألغى الرجل الرحلة، ولم يكن لي سوى التقاط خطورة مروجي استدخال الهزيمة وخبثهم. كان من السهل خِداع سمير امين وغيره من المفكرين الذي لا يهرمون نضالياً لكن قوة إعلام وأكاديميا اللبرالية والتبعية يمكن ان يضلل كثيرين.
كنت سعيداً بما دار بيننا من حوار حول أكثر من مسألة كان دائماً على الدرجة الأعلى من الشرف النظري الثوري. وإذا لم يكن بين الثوريين نقاش وخلاف وجدل، فما معنى الزعم بأن مسار الديالكتيك إلى الأعلى، مسار التاريخ إلى الأمام، او قول ناظم حكمت:”إن أفضل سِنِيْ العيش حتما هي التي ستاتي” وإتيانها الفكري الأكيد هو في الجدل والحوار.
في القول في ارتحال سمير أمين يحضرني المتنبي لا شك بقوله:
نُعدُّ المشرفية والعوالي…وتقتلنا المنون بلا قتالِ
ونرتبط السوابق مُسرجاتٍ…وما يُنجينَ من خبب الليالي.
ولكن إحذروا السطو على فكر سمير أمين، سرقة مواقفه وخاصة من ثعالب مطلية بالأحمر الذي تكشَّف عن تواطؤ مع المحافظين الجدد والوهابية النفطية الريعية والصهيونية، ولم ينكشف بعد كل شيء.ألم يتم السطو على مواقف تشى جيفارا ممَّن خانوا كوبا وفنزويلا وإبداع ناجي العلي من قاتليه!
سيبقى فكر سمير أمين يضيء الليالي العتيمات، إقرؤوه واحموه وانقلوه إلى الآتي زمناً وبشراً.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.