بيئة- رأس المال ضد صحة الإنسان، الطاهر المعز

يُعْتَبَرُ “غليفوسات” (من تصنيع شركة “مونسانتو”) من أكثر المبيدات الفعالة المستخدمة للقضاء على الأعشاب الضارة، وتُسَوِّقُهُ “مونسانتو” تحت الإسم التّجاري “رونداب”، و”غليفوسات” هو عبارة عن مادة كيماوية تدخل في تركيب المبيدات التي تقضي على الأعشاب الضارة فقط دون التأثير على المحاصيل، ولهذا يتم استخدامها بشكل واسع منذ سبعينات القرن الماضي، ولكن مع الاستخدام المكثف تقل فعاليته ضد بعض الأعشاب التي تصبح مقاومة له ولا تتأثر به، ما يدفع المزارعين إلى زيادة كمية المبيد، وهو ما يزيد من مخاطره الصحية على البشر وعلى النّبات والمحاصيل الزراعية، وأشارت نتائج دراسات عديدة إلى “مخاطر احتمال إصابة الإنسان بمرض السّرطان”، ومن بينها دراسة أجرتها وكالة دراسات السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية (الأمم المتحدة)، واستنادًا إلى هذه الدراسات، صَنّفت منظمة الصحة العالمية (في نشرتها الصادرة في آذار/مارس 2015) مادة “غليفوسات” ضمن المبيدات المسببة للسرطان، وأفادت تقارير حديثة اكتشاف مادة غليفوسات في 14 نوع من الجعة (البيرة) في ألمانيا، وفي عدة أنواع من النبيذ الذي تم إنتاجه في كاليفورنيا، بما فيها النبيذ المنتج من عنب كروم حيوية يفترض أنها لا تستخدم أسمدة ومواداً كيماوية، بحسب موقع “ايكو ووتش” الأمريكي، وقد تصل هذه المادّة الخطيرة إلى جسم الإنسان عبر مياه الشُّرْب والمواد الغذائية أو العمل في المَزَارِع، وتتسرب هذه الالآثار السلبية إلى الجسم بطيء ويستمر تراكمها على مدى أشهر وسنوات، وتؤثر بشكل مباشر على البكتيريا الموجودة في الأمعاء، بحسب دراسة نشرتها مؤسسة “هاينريش بول” الألمانية…

تأسست شركة “مونسانتو” في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة، وتُشَغِّلُ أكثر من 23,3 ألف عامل وباحث وموظف، وتفوق عائداتها السنوية 15 مليار دولارا، واستحوذت عليها الشركة الألمانية “باير” للعقاقير والكيماويات في حزيران/يونيو 2018 مقابل 63 مليار دولارا، وشركة “مونسانتو” شركة ضخمة ومتعددة الجنسية (ذات مَنْشَأ أمريكي) ولها من المال ومن الخبرات والعلاقات ما يُطِيحُ بحكومة، فما بالك بتقرير يُصْدِرُهُ عُلماء في مختبر أو منظمة، ولو كانت هذه المنظمة عالمية وتُسمى منظمة الصحة العالمية… خَصَّصَت “مونسانتو” مبالغ هامّة لشراء ذمم عُلماء مَشْهُورين وَقُّعُوا تقارير علمية أعدتْها مونسانتو، للتشكيك في نتائج الدراسات التي تُظْهِرُ مَخاطر مادة “غليفوسات”، وشَهَّرَتْ “مونسانتو” ببعض العُلماء والباحثين، وتسببت في طَرْدِ بعضهم من العمل، وتمكنت من التفاوض مع مراكز بُحُوث وجامعات عديدة بهدف إصدار تقارير تدعو إلى “التّريّث” وتُؤَكّد “الحاجة إلى    المزيد من الدراسات والأبحاث لتأكيد ما توصلت إليه الدراسات السابقة، عن مخاطر غليفوسات وتسببه في مرض السرطان”، وبلغ عدد البحوث والدراسات التي تُشَكِّكُ في صحة الأخطار التي يسببها حوالي 800 بحث مدفوعة الأجر، على مدى أربعة عقود، ينجزها في العديد من الحالات موظفوا مُخْتَبَرات الشركة ويُوقّعُها علماء بأسمائهم، مقابل مبلغ بمعدل 25 ألف دولار عن التقرير الواحد…   

أكّد بحث صدر في دورية ( Entropy ) وجوده مُبيد “غليفوسات” في العديد من الأغذية، كما أَكّد إمكانية تأثيره على الأمراض المزمنة والحديثة عبر تثبيطه عمل إنزيم ( Cytochrome P450 )، ولكن الشركة شَكّكَتْ بنتائج هذا البحث بتهمة “التحيز والتمييز”، وبلغت القوة بالشركة (ذات الذراع الطويل) حَدَّ التَّشْكِيك في نتائج بحوث منظمة الصحة العالمية، لكن تَكاثرت وتراكمت الحُجَج العلمية التي تُدِين مُنْتجات الشركة، حتى في الولايات المتحدة، مما اضطر إدارة الأغذية والعقاقير ( FDA ) إلى تنفيذ حملة واسعة لفحص المنتجات الغذائية، والتّثَبُّت من إمكانية احتواء العديد من المبيدات ومنها “غليفوسات”، على مواد مُضِرّة بالصحة أو مُسَرْطَنَة، ولكن نُفُوذ شركة “مونسانتو” كان أقوى وأكبر من نفوذ الوكالة الحكومية التي اضطرت لوقف الحملة…

تُواجه شركة “مونسانتو”، منذ بداية شهر تموز/يوليو 2018، مئات الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة (منها شكوى أكثر من 400 مُزارع) بعد أن أعطى القضاء الأمريكي الضوء الأخضر لقبول الدعاوى، بعد أسابيع من الدراسة وسنوات من النزاع القضائي، ويَدَّعِي مُقَدِّمو الشكاوى “إن مونسانتو على علم منذ مدة طويلة بأن المبيد يسبب سرطان الغدد الليمفاوية (لاهودجكن)، ولكنها لم تحذر المستخدمين”، بل بقيت تُرَكِّزُ على السعر الرخيص وعلى فعالية المُبِيد في القضاء على الأعشاب الضارة دون الإضرار بالمحاصيل الزراعية، وأقرت محكمة أمريكية بمدينة “سان فرنسيسكو” يوم الجمعة 10 آب/أغسطس 2018، وذلك لأول مرة، وبعد ثلاث سنوات من التّحَرِّي، بمسؤولية مبيد “غليفوسات” المستخدم في الزراعة، في إصابة البستاني الأمريكي، السيد “ديواين جونسون” بالسرطان (وعمره 46 سنة)، وقضت بتسديد الشركة المصنعة “مونسانتو” 290 مليون دولار كتعويض للضحية، بسبب إخفاء خطورة المبيدات التي تصنعها على صحة الإنسان، مما جعل السيد جونسون يُصاب بسرطان يصيب الجهاز اللمفاوي ولا ينفع معه علاج، وقد يفتح هذا الحكم الباب أمام آلاف الملفات الجديدة المشابهة، وأصدرت الشركة بلاغًا ذكرت فيه أنها ستستأنف الحكم، وأكدت أن مبيد “غليفوسات ليس مسرطنًا أبدًا، وغير مسؤول عن مرض المدعي”… المعلومات الواردة من أ.ف.ب + رويترز + موقع مجلة “ديرشبيغل” الألمانية من 2016 إلى 11/08/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.