النظام العالمي وتبعاته الإنسانية والعربية ـ الفاشية، الفضل شلق

تتطلّب الفاشية أن يصير المجتمع رزمة واحدة. تُلغى التناقضات الاجتماعية والسياسية. تصير الفروقات الاقتصادية أمراً ثانوياً، والمطالب الاجتماعية أمراً مستنكراً لأنها تهدد وحدة الجماعة. يحتاج الأمر الى عدو أو خصم خارجي. يهدد هذا العدو الوحدة الداخلية للمجتمع. يكون خطراً على أسلوب العيش.

الأمن الوطني الأميركي في خطر. هذه المرة في الداخل. حققت النخبة الأمنية والسياسية إجماعاً حول ذلك. العدو الروسي يدق باب الانتخابات نصف الموسمية هذا الخريف. انضم ترامب الى الجوقة. ربما كان تضييق خناق التحقيق الذي يجريه موللر هو الذي أدى الى ذلك.

تحتاج الولايات المتحدة الى ذلك. منذ بداية التسعينات وهي القطب الوحيد في هذا العالم؛ الدولة العظمى الكبرى الوحيدة. ما تقرره يلهث الآخرون لتنفيذه. لم يعد الأمر كذلك. خاصة على الصعيد الاقتصادي. صارت الولايات المتحدة واحدا من ثلاثة أقطاب. ما زالت هي الدولة الأقوى عسكرياً. إذ تنفق على الأمور العسكرية ضعف ما ينفقه جميع الآخرين. وما زالت هي القطب المالي الأوّل. تطبع عملتها، وهذه تصير “النقد النادر” في العالم، وكأنها الذهب أو ما يعادله. يتسابق العالم لاقتنائه. يستبدلون به ما ينتجونه. الإنتاج العالمي يبادله أصحابه لقاء أوراق مطبوعة، يقرر كميتها البنك المركزي الأوروبي. كمية الدولارات المطبوعة والمنتشرة تقرر الأسعار، أسعار السلع، التي ترتفع أو تهبط بإرادة أميركية. بدأت الأصوات ترتفع مطالبة بإستعادة الذهب والمعادن الثمينة الأخرى لدورها من أجل قاعدة موضوعية للأسعار، وللخلاص من عشوائية ورق الدولار.

يحتاج الأمر من وجهة نظر أميركية الى ضبط. يكون ذلك بتوجيه الأوامر من المركز. على بقية العالم الطاعة وتنفيذ الأوامر؛ وإلا فالعقوبات الأحادية الجانب؛ عقوبات بحق البلد الشاذ، وتفرضها الولايات المتحدة، ويجري في سياقها “الحلفاء”.

يبدأ الأمر بإحداث فوضى كبيرة في العالم. بعضها يتعلّق بالهجرة وبناء جدران العزل حتى مع الدول الداخلة في اتفاقيات التجارة الحرة. كما حدث في أميركا الشمالية، أي الانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لحوض الباسيفيكي. والدخول الى اجتماع الحلف الأطلسي، ومطالبة الأعضاء بتحمّل التكاليف، وإلا… والسعي لاتفاق نووي مع كوريا الشمالية. وفي نفس الوقت الانسحاب من الاتفاقية التي واافقت عليها دول أوروبا مع إيران. إطلاق حملة رفع التعرفات الجمركية، مما يهدد بفكفكة معاهدة التجارة الدولية العالمية، التي تم التوصل الى عقدها بعد مفاوضات على مدى أكثر من سبعين عاماً؛ والتي كان الانضمام إليها فرضاً واجباً على كل دولة تريد أن تكون جزءاً من النظام الدولي. الأمر ربما قاد الى عودة الحمائية الجمركية وربما الى حرب تجارية؛ وهذه يمكن أن تقود الى حروب من نوع آخر.

ما يجدر ذكره هو أن طلب حرية التجارة العالمية هو عادة ما تطرحه الدولة الأقوى اقتصادياً وعسكرياً، وكذلك سياسياً. هكذا كان الأمر في القرن التاسع عشر عندما كانت بريطانيا تقود العالم. هل يعني عزوف الولايات المتحدة عن هذا المطلب أفول القطب الواحد أو زوال الهيمنة الأميركية على العالم؟ أم أن الولايات المتحدة بحاجة الى إعادة هيكلة النظام العالمي؟ أم الأمران معاً؟ وهل تستطيع ذلك من دون وحدة داخلية تقارب الفاشية؟ جاء ترامب رئيساً على رأس حملة شعبوية. تطوّر الأمر الى فاشية حذرت منها مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة، في كتاب صدر حديثاً بعنوان الفاشية: “تحذير”.

الخوف والغضب هما المحركان الأساسيان للفاشية، كما تقول. علينا أن نرى أسباب الخوف والغضب.

نشأ الأميركي على الاقتناع بايديولوجيا الحلم الأميركي. أميركا متميزة في العالم أخلاقياً ومادياً. هي البلد الأكثر تقدماً والأكثر دخلاً والأكثر مساعدة للغير. وهي البلد الأسمى أخلاقياً والأنقى روحياً؛ مدينة على جبل، هي أقرب لله في السماء. تدعم هذا الشعور بالموقع الذي أحرزته الولايات المتحدة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. ظنه الأميركيون وضعاً نهائياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. اعتبروا أن التاريخ انتهى إليهم وبهم. لم يحدث ذلك. لم يحسنوا التعامل مع الدول الأخرى بالسياسة والديبلوماسية. اعتمدوا لغة الأمر والتخويف والإرهاب. من يخالف أوامرهم يستحق العقوبات. أميركا أولاً، نقطة على السطر. العالم الآخر لا يستحق الاعتبار. جاءهم رئيس يتعامل بالأجهزة الذكية واللغة الغبية. ليس بحاجة الى مظاهرة أو مهرجان، ناهيك عن مثال أو كتاب لشرح أفكار. تكفيه تعليقات قصيرة مبتذلة على وسائل التواصل (التفاصل) الاجتماعي كي يبني علاقة مع الناس، وكي يبدي رأيه، وكي تتحوّل أراؤه الى أوامر لشعبه وللدول الأخرى. الأصولية الإعلامية مستندة الى الأصولية الدينية وأهمها الأصولية المالية. ما دام يملك هذه الوسائل “التواصلية” فهو لا يحتاج الى شيء آخر لفرض وجهة نظره.

الفاشية كالأصوليات التي بنيت عليها، أو اشتقّت منها، أو استفادت من تكنولوجيتها. لا تحتاج الى حوار ولا الى السياسة. تحتاج الى وجهة نظر وحسب. هذه يجب أن تكون وجهة نظر صاحب الأمر. الآخرون لا قيمة لآرائهم. عليهم التنفيذ وحسب. حتى ما يُسمى القانون الدولي لا قيمة له. هو مجموعة معاهدات واتفاقات دولية يُضرب بها عرض الحائط. القانون الدولي الآن هو قرارات أصحاب الأمر في الولايات المتحدة ولو أدى الأمر الى انهيارات دولية، وحروب في المناطق، وحروب تجارية وتغيير في التحالفات. الحليف الذي لا يؤخذ رأيه يمكن أن يصطف مع الخصم. فليذهب الى الشيطان. قانون عقوبات جديد يفرض على أشخاص ودول خارج الولايات المتحدة. لا معنى للعقوبات هنا إلا أنها جزء أو غرامة تفرض على أصحاب الرأي المختلف أو السياسة المشاكسة.

الولايات المتحدة تحكم العالم. لكن العالم ليس رهن بنانها. هناك قوى أخرى في هذا العالم الذي يجعله متعدد الأقطاب. يزداد الغضب في الولايات المتحدة، ويزداد الخوف. الخوف على المصير والغضب على المنافسين. في غفلة من الدهر تدخل الولايات المتحدة عالماً لم ترده ولم تتوقعه. لم تتوقع أن تصير دولة أخرى تحتاج الى السياسة والحوار وعقد الاتفاقيات وإدارة العالم؛ اعتقدت أنها وصلت الذروة في أوائل التسعينات، وعلى العالم أن يتبعها. الدولار هو مرجعية العملات في العالم. هو العملة “الصعبة” الوحيدة؛ تطبعه أميركا لدى هذا البنك الفيدرالي. وكل تحويل بالدولار بين أقاصي العالم يمر في نيويورك. الجيش الأميركي أقوى الجيوش. كيف إذن لا تستطيع الولايات المتحدة فرض إرادتها. هل ذلك لأن إنتاجها أصبح أقل من ثلث إنتاج العالم؟ والإنتاج هو الاقتصاد الحقيقي الذي يقرر أموراً كثيرة في السياسة الدولية. أميركا لها منافسون. يرد ترامب على ذلك بشعار أميركا أولاً. هي كذلك بالدولار والعسكرتيريا لا بالاقتصاد الحقيقي. أميركا الغاضبة والخائفة. غاضبة على نفسها وخائفة من نفسها. تسير نحو الفاشية. علها بذلك تعوّض عن مواقع ضعف في كيانها.

الديماغوجية لسان حال الفاشية؛ وهي لسان حال الولايات المتحدة. ديماغوجية من نوع جديد. بضع كلمات على تويتر أو ما شابه تكفي للحلول محل السياسة والحوار والنقاش والدراسة والتواصل العقلاني. تقضي الديماغوجية استحواذ المصطلحات السياسية من النيوليبرالية وأصولياتها المالية والمعلوماتية والدينية. الولادة من النيوليبرالية الى الديماغوشية الفاشية لم تكن عنصرية، بل كانت طبيعية. استندت الأصولية الى مراجعتها؛ الى ما يجب أن يكون؛ والى إمكانية استخدام الحرب الفيزيائية والمالية في سبيل ذلك. ارتضت الليبرالية التي سادت بعد الحرب العالمية الأولى بنظام العالم كما هو. رسمت له مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسة التجارة الدولية مرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي في نهاية (1989). وفي نفس الوقت قضي على القوة الضاربة للنقابات في الغرب. وحصل تصدير الصناعات الى شرق أسيا حيث الأجور أدنى بكثير، وحيث النقابات غير موجودة للتفاوض. تعاملت الرأسمالية الغربية مع وضع يناسبها تماماً إذ تخلصت من معارضات العاملين في الداخل الرأسمالي. لكنها لم تعد تمسك بالاقتصاد الحقيقي، الإنتاجي والسلعي. ما عاد يحمي مقامها الأول في العالم سوى قدراتها المالية والعسكرية. كل منهما وجه للآخر. وضع الرأسمالية العالمية في هذه الحالة مشوب بالمخاطر. هي لا تدافع عن أولوية مركزها الذي كان في الخمسينات وحتى أواخر الستينات بالقوة الاقتصادية؛ هي لا تواجه بما هو كائن وبما يجب أن يكون. ما خسرته على صعيد الاقتصاد السلعي يجب أن يعوّض على صعيد القوة بالمال والعسكر. ما خسرته موضوعياً يجب أن تعوضه ذاتياً، بالعودة الى السمات الأميركية الخارقة، الى سمو أميركا الأخلاقي والى استثنائيتها من بين بلدان العالم؛ وهذا ما لم يكن بالمستطاع إثباته وتحقيقه إلا بقوة القدر الأميركي المتمثل بالأمور المالية، الدولار، وبالقوة العسكرية. إدارة النظام العالمي بالأمر لا بالتفاوض. تدمير المؤسسات الدولية لصالح سياسات أميركية جديدة تبدو على كثير من العشوائية، لكن سياساتها الوحيدة هي استخدام القوة. الحرب التجارية العالمية يمكن أن تقود الى مواجهات عسكرية، كما في القرون الماضية. حرب العملات يمكن أن تقود الى حروب حقيقية. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتخلى عن أولوية الدولار (الذي يُطبع عشوائياً) وإلا خسرت أولويتها في النظام العالمي. تبدو الولايات المتحدة في وضع هجومي لكنه دفاعي في جوهره. هي تدافع عن أولويتها في النظام وتحاول إعادة تشكيله في حين بدأت قوى جديدة (الصين، الهند، أوروبا) تتصاعد قوتها الإنتاجية الحقيقية، وصارت منافساً حقيقياً للولايات المتحدة. أفضل وضع يمكن أن تحققه هذه هي أن تكون أولاً بين أنداد، لا أولاً يخضع له الآخرون.

منذ عقدين كتب “جيوفاني أريغي” كتاب “القرن الأميركي الطويل”، ثم “أدم شميث” “في الصين”. جوهر ما كتبه هو أن البلد الرأسمالي الذي يحقق أولويته في النظام العالمي يكون على أساس الإنتاج السلعي. وعندما يبرز المنافسون وتتناقص الربحية، يبحث عن وسائل الاستثمار المالية. حينها يكون قد قارب من النهاية. هل تكفي القوة الأميركية العسكرية الموزعة حول العالم لاستعادة وضع خسرته الولايات المتحدة بالاقتصاد (حين صدّرت الإنتاج السلعي الى شرق أسيا)؟ هل تستطيع الولايات المتحدة تعويض الخسارة إلا بشعارات غير اقتصادية “أميركا أولاً”، لاسترداد القدرة الصناعية؟ الحرب الجمركية هذا معناها. لا يكتب لها النجاح عادة. انتقلت قيادة الاقتصاد العالمي منذ القرن السادس عشر من المدن الإيطالية الى هولندا وبريطانيا. ساهمت فتوحات أسبانيا والبرتغال في الفتوحات لإيجاد أسواق تصريف جديدة. لكن ذلك لم يغيّر بنية الاقتصاد العالمي. لم يغيّر قاعدة أساسية هي أن الأولوية الاقتصادية لا تبنى إلا على قاعدة إنتاج سلعي. عندما “ينضج” بلد ما ويتجه الى الاستثمارات المالية (ونقل الصناعات) تكون نهاية الأولوية قد اقتربت.

الفاشية الأميركية تصعد على أساس الغضب والخوف: الغضب من العالم؛ والخوف من فقدان مركزها الذي كان محسوماً لفترة طويلة بعد أوائل التسعينات وسقوط الاتحاد السوفياتي.

صعود الفاشية الأميركية واستمدادها مصطلحات النيوليبرالية التي أدت الى أصوليات المال والمعلومات والدين لن تجدي نفعاً. تستخدم هذه الفاشية أيضاً شعارات الشعبوية؛ توهم الطبقة العاملة الأميركية أنها تعيد الصناعات إليها. شعار “أميركا أولاً” يعبر عن ذلك. لكن تعقيدات استرداد الصناعات الأميركية دونه عقبات كأداء. لا حل لها إلا بالحرب، وهذه لا تلاقي قبولاً لدى أي شعب من الشعوب، خاصة الطبقات الوسطى، وما تبقى منها.

هكذا تفرض الولايات المتحدة العقوبات الدولية على هذه الدولة أو تلك. تقرن ذلك بالمفاوضات حول السلاح النووي. هناك تهديد فعلي باستخدام النووي. هذا ليس حلاً اقتصادياً. هو حل عسكري يهدد بالقضاء على الجنس البشري. تقود هذه الحلول العسكرية الى نتائج لا يستطيع التحوّل المناخي تحقيقها.

(يتبع)

:::::

المصدر: مدونة الكاتب

 http://alfadelchalak.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a-%d9%88%d8%aa%d8%a8%d8%b9%d8%a7%d8%aa%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84-3/

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.