وفاة الأديب السّوري “حَنّا مينة”، الطاهر المعز

تُعَدُّ هذه السُّطور مُخالفة (مُضْمَرَة) لوصية الكاتب الروائي السوري والعربي “حنا مينة”، وهي ليست تعريفًا به، لأنه “أشهَرُ من نارٍ على عَلَمٍ”، ولكنها مناسبة لتذكير جيل أبنائي ببعض عُظماء الأدب العربي، الذين أَلّفُوا كُتُبًا جيدة، ذات مستوى راقٍ، وتحمّلوا مسؤولية التزامهم ومواقفهم وممارساتهم السياسية المُنْحازة للفُقراء وللكادحين وللمُسَتَغَلِّين وللمُضْطَهَدِين، وكاتن “حنا مينة” أحد هؤلاء الكتاب العرب العظام…   

توفي يوم الثلاثاء 21 آب/أغسطس 2018 الكاتب والروائي الكبير حنا مينة، أحد أهم كُتاب الرواية العربية، عن عمر ناهز 94 عاما.

ولد الروائي حنا مينة في مدينة اللاذقية سنة 1924، وهو أديب عصامي ساهم في إثْراء الرواية العربية وعمل باجتهاد حتى أجاد وأبدع، وكانت بدايته الأدبية متواضعة، بدأ بمساعدة المواطنين في كتابة العرائض والتّظَلّمات المُوَجّهَة للإدارات الحكومية، ثم حَرَّرَ الأخبار القصيرة للصّحف في سوريا ولبنان، وكتب المقالات، قبل تجربة القصص القصيرة.

ساهم حنا مينة مع بعض الكتاب اليساريين في سوريا سنة1951 بتأسيس رابطة الكتاب السوريين، وحرص باستمرار التواصل مع الكتاب العرب في كل أنحاء الوطن العربي، وأسهم في تأسيس اتحاد الكُتّاب العرب، عندما نَظّمَتْ الرابطة (رابطة الكتاب السوريين) سنة 1954 المؤتمر الأول للكتاب العرب بمشاركة عدد من الكتاب الوطنين والديمقراطيين في سوريا والبلاد العربية.

يَتّصِفُ أدب حنا مينة بالواقعية، ولكنه يرفض “الواقعية”، باعتبارها مدرسة في التعبير الأدبي تأخذ الواقع كما هو، فالواقع في الحياة في رأيه يصير واقعا فنيا في العمل الأدبي، ويَصِف نفسه ب”كاتب الواقعية الإشتراكية”، كما وصفه البعض ب”أديب الحقيقة”، وتعتبر رواية “المصابيح الزرق” أولى رواياته الطويلة التي كتبها سنة 1954…  

عاش مينة طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون على الساحل السوري (منطقة اقتطعتها فرنسا التي احتلت سوريا من 1918 إلى 1946، ومنحتها لتركيا، التي لا تزال سُلُطاتها تَمنع الكلام والغناء والكتابة بالعربية إلى حد اليوم، لكن السكان يتكلمون العربية والتركية ويستمعون إلى محطات الإذاعات العربية)، وعاد حنا مينة مع أُسْرَتِهِ سنة 1939 إلى مدينة اللاذقية، وعمل في مهن كثيرة، قبل أن يكتُبَ مسلسلات إذاعية باللهجة العامية، ثم تفرغ بشكل كامل لكتابة الروايات والقصص، التي أحداث  معظمها حول البحر وصيادي الأسماك والعاملين بالموانئ البحرية، والمهن الأخرى المرتبطة بالبحر وأهله، ومن أعماله: نهاية رجل شجاع، المصابيح الزرق، الياطر، الشراع والعاصفة، الأبنوسة البيضاء، بقيا صور، القطاف، المستنقع، الشمس في يوم غائم، الثلج يأتي من النافذة…

في الرابعة والثمانين من عمره (سنة 2008) كتب الروائي “حنا مينة” وصيّته ونشرها في الصحافة بشكل علني، وطَلَب ألا يُنْشَرَ خبر وفاته وألاّ يحتفى به ميتًا وألا يبكيه أحد ولا يحزن عليه أحد وألا تقام له حفلة تأبين (راجع المُقْتَطَف أسفَلَهُ)، وأصر على جنازة “بسيطة جدًا” مثل حياته، يحمل نعشه فيها أربعة أشخاص “غرباء” من دائرة دفن الموتى، ثم يهيلون التراب على جثمانه وينفضون أيديهم من بعد وكأن أمرًا لم يحصل.

نال “حنا مينة” عدة جوائز بينها جائزة المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم بدمشق عن رواية “الشراع والعاصفة” سنة 1968، وجائزة سلطان العويس من الدورة الأولى سنة 1991 على “عطائه الروائي”، وهي السنة التي ألقي فيها القَبْضُ عليه وإيداعُهُ السّجن، رغم سِنِّهِ، لأنه كان أحد المُبادرين لتوقيع عريضة احتجاج على مُشاركة الجيش السوري في العدوان على العراق…

نال جائزة المجلس الثقافي لجنوب إيطاليا عن رواية “الشراع والعاصفة” سنة 1993، كأفضل رواية ترجمت إلى الإيطالية…

بعض النماذج من مواضيع رواياته:

تصف رواية “بقايا صُور” (الطبعة الأولى سنة 1984) حياة الريفيين وشقائهم (خلال عقدَيْ عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين)، وتتسم بالفقر المدقع، والظلم والقسوة، والعَوَز، والرحيل والسفر المستمرين، والجوع والفاقة، وانتشار الأوبئة والملاريا (أمراض الفُقَراء)… تُشَكّل رواية “القُطّاف” (1986) الجزء الثاني من هذه الرواية، وورد ضمن “القُطّاف” هذان المُقْتَطَفان:

“يُقال إن طلب الحرّيّة عبء، لكنّ الذلّ، الخضوع، العبودية، عبء أكبر، وصاحب المبدأ ينهض بعبء الحرية بأيسر ممّا ينهض عديم المبدأ بعبء العبوديّة…”

“الإنسان لا يكون حرًّا من الخارج فقط. عليه أن يكون حرًّا من الداخل أوّلًا، أن يملك من الاعتداد ما يكفي لتوازن الشخصيّة، ومن الزهو ما ينبغي كي لا ينكسر أمام أية مصيبة”

تُشكل رواية “المُستنقع” الجزء الثالث ويُواصل ضمنها وصف قصة المآسي والوجع، وحالة الفقر والعوز والتشرّد في ريف فقير، وأجواء اقتصادية وسياسية سيئة، والتي يمهد فيها لختام ثلاثيته “القطاف”.

تقع الرواية في 450 صفحة من الحجم الصغير، وتدور أحداثها داخل حيّ في لواء اسكندرون يدعى “الصاز” بالتركية، ويعني المستنقع، والذي كان اسمًا على مسمى بسوء حال ساكنيه وبؤسهم، وذلك في الفترة التي تَلَت الحرب العالمية الثانية.

وقرر الانتداب الفرنسي، “بالتواطؤ مع دول أخرى”، حسب تعبير مينة، أن يعطي اللواء لتركيا، “وهكذا غدا اللواء مسرحًا لصراع سياسي، وكُتب علينا نحن سكانه أن نشهد تلك الأيام العاصفة التي كنا نخرج فيها من الصباح للمساء، بمظاهرات تنادي بعروبة اللواء وتندد بالمؤامرات الجارية”، وتزامنت الأحداث التي تتناولها الرواية مع “أزمة اقتصادية قاسية” عُرفت باسم “الكريزة” ( Crise )، وألجأت الناس لحلول قاسية “لتأمين أقواتهم، من بينها جمع الحشرات، في الظهور والأماسي كانوا يعودون بسلالهم التي جمعوا فيها البزاق”… وهكذا، ونتيجة لتناول الحلزون “حاف” لعدم توافر مواد غذائية أخرى، أصيب أهل الحيّ بمرض غريب، ففرضت البلدية حجرًا صحيًا على المصابين به، خوفًا من أن يكون المرض هو الكوليرا، وكان لعزل الناس مع الجوع والمرض والموت أثره، فتوالت حوادث الانتحار بين أبناء الحيّ…

عُرف عن “حنا مينة” إبداعُهُ، في جميع رواياته، في السرد السلس و”الواقِعي”، فيتمكّن الكاتب من نَقْلِ القارئ ليعيش معه ألم وجوع والمسرّات الصغيرة التي قد تعيشها شخصيات رواياته من حين لآخر، وليشاركه حياة الريفيين البسيطة في قُرى سوريا وما يَتَخَلَّلُها من عادات وأفراح، ويتميز “حنا مينة” بالغوص في التفاصيل الصغيرة أحيانًا، بهدف تقريب الصورة، فيشعُر القارئ إنه بصدد مشاهدة شريط يُدقِّق في التفاصيل الصغيرة والكبيرة لحياة الناس…

 

اقتباسات من رواية “المستنقع”

“بعد الظهر خرج الحي ليشيع ضحيته الثانية، كان وجوم عام على الوجوه، وحزن عام ونقمة عامة، وكان المشيّعون يتساءلون: ماذا يخبئ لنا المستقبل أيضًا؟ وكانت أسئلتهم تظل بغير أجوبة”

“… وهم لا يعتدون ﻷنهم يحبون العدوان بل لأنهم جياع، وأن من حقهم أن يأكلوا”

*****

جاء في وصية “حنا مينة” التي كَتَبَها سنة 2008 بخط يده: “عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا علي عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية (..) أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي، محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة. لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها”.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.