حسين مروّة: في سبيل حركة التحرر العربية، مصطفى شلش

في السابع عشر من شباط/ فبراير من العام 1987 اغتيل المفكر الماركسي حسين مروة في منزله. لتنهي تلك الطلقات حياة عقلٍ حاول تقديم مشروع بديل لقراءة التراث الفكري الإسلامي لا استبعاده.

قراءة التراث الديني بشكل مغاير عن القراءات السلفية الحرفية السائدة كانت الهدف الذي وضعه مروّة نصب عينيه عندما بدأ مشروعه الفريد والموسوعي «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» في أواخر ستينيات القرن الماضي، وصرف لأجله سنوات عديدة. قبل البدء بهذا المشروع كان مروّة قد مهد لمشروعه بكتابات عن مناهج فكر كل من ابن سينا وإخوان الصفا والصوفية ودراسة المنهج العلمي لدى جابر بن حيان، محاولًا «اختصار المسافة بين الفكر في التراث الإسلامي، وبين الظروف الاجتماعية لهذا الفكر» بحسب ما قاله في كتابه «تراثنا كيف نعرفه».

لكن يبقى عمل مروة «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» العمل الذي يحمل كل صفات منهجه البحثي المميز بالشمول والاتساع والاعتماد على المادية التاريخية في التأويل، وقراءة الظروف الاقتصادية والاجتماعية بدءًا من الجاهلية ، ثم تتبع نمو الفلسفة في العالم الإسلامي وحتى ازدهارها.

أعتقد أن مروة، ومن خلال قراءته المادية التاريخية، حاول أن يقوم بعملية تثوير للفكر الديني، وربطٍ للتراث بالتغيير المجتمعي محاولًا خلق طريق كامل لفهم الدين بشكل عصري ومغاير حتى في آليات تفسيره، ليدخل التراث العربي-الإسلامي في فلك التحولات الحضارية بحيث يستجيب الدين لسنن التطور موفرًا شروط التعايش بين البشر، ومحاولًا أن يبني للإنسان العربي-المسلم دنيا تليق به كبشري دون أن يتنازل عن أي شرط أخلاقي.

شيخ في الطفولة

قبل الحديث عن كتابه الأهم، أرى أنه من المناسب التعريج على حياة مروّة.

ولد حسين مروة في العام 1910 في قرية «حَداثا» في جنوب لبنان لرجل دين مرموق في جبل عامل، لهذا كما يقول مروة: تلبّسني حلم أن أكون شيخ مرموق مثل والدي منذ سن الثامنة، حيث لبست العمة والجُبة قبل أوانها الطبيعي كرمز للحلم، وإلزام لنفسي بتحقيقه».
ولأجل هذا الحلم غادر في العام 1924 إلى مدينة النجف لدراسة المنطق والبلاغة وعلم أصول الفقه، ثم التخصص في الفقه الإسلامي بمعناه الموسوعي، وأتمّ مروة دراسته الدينية في العام 1938.

كان لطريقة التعليم في مدينة النجف أثرٌ كبيرٌ على تكوين عقلية مروّة المنفتحة، وعن هذا يقول، ما معناه: المعلّم يقوم بوضع المتعلم أمام مسؤولياته لتكوين علاقة استيعابية للمعلم من خلال النص المطلوب دراسته، وهذا يتيح للمتعلم أن يتحرر بطريقة تلقائية من أي تبعية فكرية، ويدعم هذا الاستقلال الفكري حرية المناقشة مع المعلم ومع النص بدون أي كوابح.

لهذا تراكمت الأسئلة بداخل مروة -الشيخ- وتعدّدت قراءاته في هذه المرحلة المبكرة، واطلع على مذاهب وأفكار عدة وصفها بأنها يتخللها الاختلاف حد التناقض، فكان يقرأ الأدب الرومانسي والعلوم الفلسفية والاجتماعية وحتى كتب العلوم الخالصة.

كل هذه العوامل أدت به إلى الابتعاد عن التعصب الديني وتلمّس الحقيقة مهما كانت بعيدة عن المنطق الديني وآلياته الفكرية. وهذا أصاب مروة بما يعرف بالقلق المعرفي، والذي يلخّص محمد دكروب أعراضه قائلًا: «الشعور الدائم بالحاجة إلى المعرفة بالاستزادة منها وبالسعي إليها وبالتعب في سبيلها وبالنضال الدائم الدائب مع النفس ومع الظروف لتوسيع أفاق العقل، وتنويع مجالات الاهتمام، وتعميق المعرفة بالأشياء وبالمفاهيم، وترويض الفكر لأن يكون محركًا لا يهدأ، متطورًا لا يراوح، ممارسًا للحوار (..) متمرّسًا للصعوبات واقتحام المجهول».

بين العمامة وكارل ماركس

في نصّه «من النجف دخل حياتي ماركس» يشير مروّة إلى أن كلًا من «إسماعيل مظهر» و «شبلي شيميل» قد لعبا دورًا مهمًا في حياته، فوصفهما بأنهما أصل التحولات الفكرية الأولى نوعيًا وجذريًا، وتعميق تكوينه المنهجي والنظري من خلال قراءته الجادة والمثابرة لهما.

عرف مروة الفكر المادي من خلال كتابات إسماعيل مظهر التي كانت تصدر في مجلة «العصور» المصرية ، وتفهم نظرية التطور الداروينية التي قدمها شيميل للفكر العربي للمرة الأولى . ومن هنا بدأ بناء فكره المادي من خلال استيعاب أوليات القوانين الكونية لحركة تطور الطبيعة والمجتمع.

وظلّت قراءات مروة لا تعرف الاشتراكية، وإن مرت خلال قراءته، فإن انطباعه الأول عنها كان أنها «طلسم» فكري لا يدرك معناها ولا مدلولها العلمي، ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلًا، ففي العام 1926 التقى مروّة بماركس من خلال رواية «الدين والعلم والمال» لفرح أنطون. وتمرّ السنوات ويتعرف مروة على «حسين الشبيبي»، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، والذي يهديه نسخة من «البيان الشيوعي» لتكون هذه نقطة فارقة في الطريق المعرفي لحسين مروة وإن كانت سبقتها عدة محاولات فاشلة للتعرف على ماركس من خلال كتابه «رأس المال»1.

أمّا لحظة الفراق بين العمامة ومروة فكانت بعد تعرّفه على «اللينينة» وقراءته كتاب لينين «الدولة والثورة» بعدما عرّفها له الشبيبي بوصفها الماركسية مطبّقة على أرض الواقع تطبيقًا إبداعيًا.

ودّع مروة العمامة في العام 1938 في مقال نشره في جريدة الهاتف بعنوان «أنا وعمامتي»، ونشرت مقتطفات منه في كتاب التراث العربي والعقل المادي، ويصف فيه رحلته الفكرية التي قمت بسردها.

بقي مروة في العراق يدرّس آداب اللغة العربية بزي مدني، ويبني طريقه العملي والعلمي في النضال الماركسي. وتحوّل ليكو