الحرب التجارية وتأثيراتها “الجانبية”، الطاهر المعز

تُمثل هذه الفَقَرات جُزْءًا من البحث اليومي عن المادة التي تحتويها “نشرة الإقتصاد السياسي” الأسبوعية، ويوجد مصدر (أو مَصادر) الخبر الأصلي الخام أسفل كل مجموعة من الفقرات، ليُشَكِّلَ مَرْجَعًا لمن أراد التّوَسُّع أو الإطلاع على أصل الخبر (وليس التحليل أو التّعليق أو الإستنتاج)، وتُشَكّل الحرب التجارية التي أعلنتها الولايات المتحدة على الأصدقاء (إن كان لأمريكا أصدقاء) والخُصُوم على حد السّواء، موضوعًا شبه قار في أعداد نشرة الإقتصاد السياسي، بسبب التّأثيرات التي سببتها هذه الحرب (وعبارة “حرب” هي من استخدام الرئيس الأمريكي) ونتائجها على الإقتصاد العالمي وعلى حركة التجارة العالمية، في ظل الهيمنة العسكرية والمالية (عبر الدولار) الأمريكية على حركة السلع ورؤوس الأموال والتحويلات المالية في العالم…

تُبَيِّنُ هذه الحرب التجارية المُعْلَنة زيف شعارات الإقتصاد الليبرالي و”حرية التجارة” وغيرها من الدعايات الكاذبة، حيث تتميز الرأسمالية بمَرْكَزة رؤوس الأموال وباحتكار الإنتاج والتوزيع والتجارة لدى مجموعة صغيرة من الشركات العملاقة والمصارف، ومن يتحكم بالإقتصاد يتحكّم بعد ذلك بالقرار السياسي، فلا سيادة لأي دولة دون سيادتها على القرار الإقتصادي، ضد أملاءات الإمبريالية وأدواتها من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية…   

أوروبا والحرب التجارية: بدأت الولايات المتحدة إنتاج النّفط والغاز الصّخريّيْن خلال فترة رئاسة “باراك أوباما”، وضغطت منذ حوالي أربع سنوات على الإتحاد الأوروبي لكي يتراجع عن الإتفاقيات التي حصلت مع روسيا للتزود بالغاز الطبيعي عبر خَطَّيْ الأنابيب “السيل الشمالي” (لإمداد شمال أوروبا) و”السيل الجنوبي” لإمداد جنوب أوروبا، وكانت حكومة أوكرانيا (التي نُصِّبَتْ بعد الإنقلاب على الحكومة الشرعية بواسطة مليشيات اليمين المتطرف)، الموالية للولايات المتحدة وللحلف الأطلسي، إحدى أهم الأدوات لتنفيذ مخطط أمريكا، لأن أنابيب الغاز الروسي تَمُرُّ عبر أوكرانيا نحو أوروبا الغربية، وأعلن الرئيس الأوكراني في منتصف حزيران 2018 إن حكومته تُحاول (بدعم أمريكي) إنشاء حِلْفٍ داخل الاتحاد الأوروبي لعرقلة خط نقل الغاز الروسي “السيل الشمالي-2″، وهو مشروع لمد أنبوب غاز من روسيا إلى ألمانيا مباشرة عبر قاع بحر البلطيق، دون حاجة للمرور بأراضي “أوكرانيا”، لكنه يمر عبر فنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا، وسوف يتم بناؤُهُ بموازاة خط الأنابيب “السيل الشمالي -1″، وتُؤَيِّدُ ألمانيا والنمسا وسويسرا وبعض الدول الأوروبية الأخرى المشروع، فيما تُعارضه الدنمارك، وبولندا ولاتفيا وليتوانيا (والولايات المتحدة)، إضافة إلى “أوكرانيا” التي تتخوف من فقدان إيرادات رُسُوم مرور الغاز الروسي عبر أراضيها، والولايات المتحدة التي بدأت تسويق الغاز الصخري إلى أوروبا، وتحاول إقصاء روسيا من سوق أوروبا للطاقة (ومن أسواق آسيا أيضًا)، ولكن “غازبروم” الروسية تشترك في إنجاز المشروع مع الشركات الأوروبية بنسبة 50%، مما يجعل هذه الشركات تَتَشَبّثُ بإنجاز المشروع، وقيمته ثمانية مليارات دولارا…

ارتفعت حِدّة الضّغوط الأمريكية على الإتحاد الأوروبي، بعد انتخاب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، للذي أعلن حرْبًا تجارية على الحُلَفاء والمُنافِسين والخُصُوم، بهدف زيادة حصة أمريكا من التجارة العالمية، وخاصة من بيع السّلاح والمحروقات والإنتاج الزراعي، وأعلنت الولايات المتحدة الحرب التجارية على الإتحاد الأوروبي الذي خَضَع لمطالب أمريكا، وأبرم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ورئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود يونكر” ما وصفاه ب”صفقة جديدة” تتمثل في استيراد الاتحاد الأوروبي المزيد من الغاز المسال من الولايات المتحدة، وهو أغْلَى ثَمَنًا من الغاز الرُّوسِي، مُقابل “تَعْلِيق” (وليس “إلغاء”) الرّسوم الإضافية الأمريكية على عدد من السلع الأوروبية، ولكي تحتكر أمريكا السوق الأوروبية (رغم غلاء سعر الغاز الأمريكي) وجب إلغاء مشاريع خطوط الأنابيب الروسية…

خلافًا للإعتقاد السّائد بأن دول أوروبا الشمالية تَنْتَهِجُ سياسة مُسالِمَة وإنسانية، فإن جميع هذه الدول في حلف شمال الأطلسي وتشارك بتفان ونشاط في احتلال أفغانستان وليبيا والعراق وسوريا وفي أي عُدْوان يَشُنُّهُ الحلف على شعوب العالم، بالإضافة إلى قُوة أحزاب اليمين المتطرّف بها ومشاركتها في بعض دواليب الحكم، وتُعتبر الدنمارك من أهم حُلَفاء أمريكا، وهي من الدول المُعارضة بشدّة لمشروع مَدّ خَطّ أنابيب الغاز الروسي “السيل الشمالي-2″، وأعلنت الشركة المسؤولة عن تنفيذ المشروع (مجموعة الشركات الأوروبية مع “غازبروم) تطوير مسار جديد لأنبوب الغاز، متجاوزة الدنمارك، التي تعارض المشروع، ودون أن يترتب على ذلك أية تكاليف إضافية (لكن التكاليف ارتفعت إلى 9,5 مليارات دولارا بسبب العراقيل الأخرى)، ودون أن يتطلب ذلك الحصول على تراخيص جديدة، لأن المشروع حَصَلَ على التراخيص اللازمة من جميع الدول (روسيا وفلنلدا والسويد وألمانيا) باستثناء الدنمارك، التي لم يكن مُقَرَّرًا أن يَمُرّ عبر مياهها أكثر من 10% من إجمالي طول الأنبوب، والبالغ 1200 كيلومترا… عن روسيا اليوم + أ.ف.ب 30/07/ و02/08/18 

 

ثقل الصين في موازين القوى العالمية: استخدمت الولايات المتحدة صناديق التّحَوّط (مؤسسات مالية خاصّة) سنة 1997 لكبح النمو السريع للإقتصاد المُوَجّه من قِبَلِ الدّولة في بعض البلدان الآسيوية “الصديقة”، والتي كانت تُهدّد بخلق قُطْبٍ قد يُنافس الولايات المتحدة وأوروبا في إطار “المنافسة الحُرّة”، ولكن الولايات المتحدة (ورأس المال بشكل عام) لا يُؤْمن بالمنافسة الحرة، بل بالحرب (بمختلف أوجُهِها)، فعمدت الولايات المتحدة إلى شن هجوم واسع عبر المضاربة التي أدّت إلى أزمة العُملات الآسيوية في كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وهونغ كونغ… واضطرت هذه البلدان إلى الإذعان لطلبات صندوق النّقد الدّولي بإعادة هيكلة اقتصادها وأسواقها، بما يخدم الإقتصاد الأمريكي، كما تمكّنت الولايات المتحدة من الحد من تطور اقتصاد اليابان عبر إثارة انكماش اقتصادي بعد انفجار الفقاعة العقارية والمالية في سوق أسهم اليابان (وهي أزمة أثارتها أمريكا نفسها، “لغاية في نفس يعقوب”)، وامتدّت أزمة 1997 إلى روسيا وإلى بعض الدول الأخرى، لكنها كانت مُعَدّة بإحْكام لِخِدْمَةِ مصالح الولايات المتحدة، عبر إبعاد المنافسين الذين كانوا يُهدّدُون سيطرة “وول ستريت” والإحتياطي الإتحادي الأمريكي (المصرف المركزي) على الإقتصاد العالمي، واستخدمت الولايات المتحدة صندوق النقد الدّولي لتنفيذ مُخَطّطها  وللقضاء على المُنافَسَة، ولو كانت من دول “صَدِيقَة”…

بعد عقدين من تنفيذ هذه الخِطّة، أعلنت الولايات المتحدة الحرب التجارية الشاملة ضد “الحُلَفاء” والمنافسين والخصوم، مع التّركيز على الصّين، عبر استخدام نظام العُقُوبات والحَظْر، وابتزاز الصين، ومحاولة إجبارها على فتح أسواقها بشكل يجعلها تَتَخَلّى عن نهج “رأسمالية الدّولة”، وتَعَلَّلَ الرئيس الأمريكي بفائض الميزان التجاري لصالح الصين (وكذلك لصالح ألمانيا “الصديقة”)، لكن استراتيجية الصين الإقتصادية هي المُسْتهدَفَة من وراء هذه التّصْرِيحات والقَرارات، فالصين تطمح لتُصْبِحَ قُوّةً مُهَيْمِنَة، وتعمل ما في وسعها لِتُصْبحَ كذلك، وهيأتْ شُرُوط إنجاز (تحقيق) طموحاتها، وتُناور لبناء تحالفات اقتصادية مع الإتحاد الأوروبي (الذي لا يمتلك استراتيجية مُسْتَقِلّة عن الولايات المتحدة) ومع روسيا وحتى مع اليابان وكوريا، عمالقة الإقتصادات الآسيوية، وتعمل الصين منذ 2013 على إنجاز برنامجها الواسع تحت مُسَمّى “طريق الحرير الجديد”…

يُعْتَبَر البرنامج الصِّيني مُخَطَّطًا مُتكاملاً بدا منذ حوالي ثلاثة عُقُود، في مَسارِ مُستقل عن الولايات المتحدة وعن الإتحاد الأوروبي، وبلغ مرحلة النُّضْج، لدرجة يمكن حاليّا للولايات المتحدة عرقلة هذا البرنامج، لكن يسْتعْسِرُ عليها إيقافُه أو استنساخ ما فَعَلَتْه بالإقتصادات الىسيوية الصّاعدة سنة 1997، عبر إثارة فُقّاعة عقارية أو شن حَرْبٍ مالية، رغم ارتفاع الدّيُون في الصين، سواء الدّين العُمومي أو دَيْن الشركات، إلى ما يُعادل 36 تريليون دولارا، لكن هذه الديون هي دُيُون داخلية في مُعْظَمِها (عكس اليابان خلال ثمانينيات القرن العشرين)، وتخضع لِسَيْطَرَة الدّولة، عبر المصرف المركزي الصّيني الذي يَعْسُر على الولايات المتحدة اختراقه، وإعادة ما فعلته من اختراق النظام المصرفي الروسي، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، مما تسبب في أزمة 1997-1998… لم يَبْقَ للولايات المتحدة سوى أسلحة الحِصار العسكري (تحويل 60% من القوة العسكرية البحرية إلى مناطق قريبة من الصّين) والحصار الإقتصادي والحرب التجارية والتّلْوِيح بملف عدم احترام الحريات وحُقُوق الإنسان وغير ذلك من الملفّات التي تستخدمها الولايات المتحدة ضد خُصُومِها، وحتى حُلَفائها أحيانًا…

استفادت الصين من الترخيص بالعمل على أراضيها للشركات متعددة الجنسية (شركات صناعة السيارات وشركات التكنولوجيا والإتصالات وغيرها) لاكتساب المهارات التقنية ولتحقيق فوائض تجارية كبيرة من تصدير الإنتاج “الصّيني” لهذه الشّركات “المُعَوْلَمَة” التي كانت تُغْرِيها سوق الصين الواسعة والحوافز الحكومية وانخفاض الرواتب (حتى سنوات قليلة مَضَتْ)، ولذلك فإن الحرب التجارية الأمريكية تُلْحِق الضّرر بالشركات متعددة الجنسية، ومنها الشركات الأمريكية مثل “آبل” أو “جنرال موتورز” وشركات الإتحاد الأوروبي وتايوان وغيرها، واكتسبت الصين كفاءة عالية في التكنولوجيا المتطورة، ولم تعد تعتمد على التقنيات الأمريكية أو الأوروبية أو اليابانية، بل طَوّرت برامجها الخاصة بمعالجة أنظمة الحواسيب والهواتف والإتصالات وأصبحت تُنافس الشركات الأمريكية والأوروبية في عقر دارها، لكن الصين لا تزال في حاجة لتحالف واسع لتتمكّن من الوقوف في وده أمريكا، ولم تُفْلِح الدبلوماسية الصينية في اجتذاب الإتحاد الأوروبي (المُصْطَف دَوْمًا وراء الولايات المتحدة، ولو كان ذلك مُضِرّا بمصالح دُول الإتحاد) بعد رفع الرّسوم الجمركية الأمريكية على دخول الصلب والألمنيوم الأوروبي (وسلع أخرى أيضًا)، وبدأت الصين محادثات تجارية مع اليابان (القُوّة المُسْتَعْمِرَة السابقَة للصين) ومع كوريا الجنوبية، وهما حليفان للولايات المتحدة وبهما قواعد عسكرية أمريكية ضخمة، وانطلقت المحادثات التجارية منذ شهر أيار/مايو 2018، رغم النزاع الإقليمي حول بعض الجزر غير المسكونة وذات الموقع الإستراتيجي، سواء في بحر الصين الشمالي أو في بحر الصين الجنوبي، وتُمثل      الصين واليابان وكوريا الجنوبية، أضْخَم اقتصادات في آسيا، وأعادت اليابان والصين العمل باتفاقيات تبادل العملات الثنائية، التي تأسست سنة 2002 وتوقفت سنة 2013، وتعمل اليابان على “فك الإرتباط” الإقتصادي والمالي مع أمريكا، من خلال التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي واليابان، وإعادة العلاقات التجارية والإقتصادية مع الصين، وهي خُطوات إيجابية لصالح استراتيجية الصين في المرحلة الحالية…  عن موقع مجلةبوليتيكا08/09/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.