الهند في أعداد قادمة من نشرة الإقتصاد السياسي، عداد: الطاهر المعز

أعلن البنك العالمي يوم العاشر من تموز/يوليو 2018 إن اقتصاد الهند، أي إجمالي الناتج المحلي (حوالي 2,6 تريليون دولارا) يحتل المرتبة السادسة عالميا، قبل فرنسا التي أصبحت تحتل المرتبة السابعة، بنحو 2,58 تريليون دولارا بنهاية سنة 2017، لكن توجد معايير أخرى تجعل الهند في مراتب متأخرة في نصيب الفرد من الناتج المحلي، لأن عدد سكان الهند يفوق 1,3 مليار نسمة، بينما يُقَدّر عدد سُكان فرنسا بنحو 62 مليون نسمة، ويرتفع عدد فُقراء الهند بشكل كبير فيما تتعمّق الفجوة الطبقية بين الأثرياء والفُقَراء، ويتقاضى العُمّال أُجُورًا ضعيفة جدًّا، من ذلك إن نفذ حوالي 400 ألف عامل في 370 مزرعة من مزارع الشّاي في ولاية “البنغال الغَرْبِي” شرقي البلاد (مزارع “دَرْجيلِنْغ” الشهيرة لدى عاشقي الشاي) إضرابًا لثلاثة أيام من أجل زيادة الحد الأدنى للرواتب بما يقابل نصف دولارا يوميا، وهو يعادل 20% من قيمة الأجر اليومي (2,96 دولارا)، واختارت النقابات ذروة موسم جَنْي الشاي لإعلان تنفيذ الإضراب، حيث تكون الخسائر جَسِيمَةً عند تعطيل الإنتاج، وورثت الشركات المالكة لهذه المزارع الشاسعة من الشاي أساليب الإستعمار البريطاني في التّعامل مع العُمّال المَحَلِّيِّين، مما زاد من عدد الإحتجاجات العُمالية من أجل تحسين ظروف العمل، وزيادة قيمة الرّواتب، خلال السنوات الأخيرة… عن “سنتر فور إكونوميكس أند بزنس ريزيرش” –  أ.ف.ب 07/08/18

 

للهند واجهات عديدة أحدها يتمثل في النمو الهائل للإقتصاد والتّطور التكنولوجي والعدد الهائل من الباحثين والعُلَماء، ووجْهٌ آخر يتمثل في العدد الضّخم من الفُقراء والمُحتاجين لأبسط شُروط الحياة من مياه الشّرب والصّرف الصحي والمراكز الصحية والتّعليم، وتتسم البلاد بشكل عام بسوء حال البُنْيَة التّحتية وبالحالة الرّثّة للنقل العمومي وغيرها من الخدمات العُمومية، وتقع الهند في ممرات العواصف والأمطار الموسمية ويتضرّر فُقراء البلاد كل عام من هذه الأمطار، بسبب الإهمال الحكومي وعدم تطوير وسائل الوقاية… هطلت الأمطار بغزارة، لفترة عشرة أيام بداية من الثامن من آب/أغسطسن في ولاية “كيرالا” التي يبلغ عدد سكانها 33 مليون نسمة (ويحكمها الحزب الشيوعي)، وتسببت في فيضانات كبيرة ثم هدأت بعد وفاة حوالي 400 شخصا في حصيلة مُؤَقَّتَة للإنهيارات الأرضية (منذ حزيران 2018)، مما يُهَدِّدُ بتفشي الأمراض، التي تنتقل عبر الماء المُلَوّث والهواء، بين حوالي مليوني شخص تضررت مناطق سَكَنِهِم فلَجَأُوا إلى مخيمات الإغاثة، فيما بقي عشرات الآلاف عالقين بدون ماء (للشرب) أو غذاء، وأكّدت سُلُطات الولاية أن الأولوية هي “لتأمين مياه الشرب النظيفة وإعادة التيار الكهربائي”، وقَدّرت السلطات قيمة الأضرار التي نجمت عن الفيضانات بثلاثة مليارات دولار، وهو رقم يمكن أن يرتفع مع تكشف حجم الدمار تدريجيا…

من المظاهر الأخرى للهند والتي تُهْمِلُها وسائل الإعلام المُهَيْمِنَة، العُنْصُرِية المُتفشية والفجوة الطبقية الكبيرة بين فئات المجتمع وإقصاء مجموعات من السّكّان من مراكز القرار ومن الوظائف الحكومية ومن عديد الخَدَمات، وتفاقمت العنصرية وسياسة الإقصاء في فترة حكم حزب “القوميين الهندوسيين”، وزعيمهم نارندرا مودي (رئيس الحكومة)، وعلى سبيل المثال فقد منعت ولاية “ماهاراشترا” حيازة أو بيع لحم البقر، وأقرّت عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجنًا وغرامة بحوالي 150 دولارا، ونَظّم المُتَطَرِّفون الهندوس مليشيات “حماية البقر” التي يتدرب عناصرها على العمل العسكري في مزارع الأثرياء الهندوس، اعتدت بالضرب المُبرح على 291 شخصًا وقتلت 35 شخصًا، معظمهم من المُسْلِمِين، خصوصًا منذ 2014، سنة وصول “نارندرا مودي” إلى السلطة، وتشكيل حكومة يمينية متطرفة وتُطبق سياسة الليبرالية الإقتصادية ضد العُمال وصغار المزارعين والفُقَراء، وقتلت هذه المليشيات اليمينية مُثَقَّفِين وصحافيين وأُدباء ومناضلين عُمّالِيين وشُيوعِيين، وعُرِفَ جميع هؤلاء بنقدهم لتطرف الحزب الحاكم ولسياساته الإقتصادية الليبرالية، مما يُبَرِّرُ وَصْفَ هذه الإعتداءات والإغتيالات بالإغتيالات السياسية والقَصَاص السياسي خارج إطار القضاء، وسَمّى المُعارِضون لسياسات الحكومة هذا الإرهاب ب”الإرهاب بلون الزعفران” أو “الإرهاب الزعفراني” التي نَظّم تهديم المساجد التاريخية التي يعود بناء بعضها إلى أكثر من أربعة قُرُون، واعتقلت الشرطة بعض المُتطرفين الهندوس من تنظيم “أبهيناف بهارات” (المتهم بتنظيم وتنفيذ معظم الهَجَمات)، بين سنتيْ 2006 و 2008، وأطلق القضاء سراح جميع المشتبه بهم، بكفالة، بانتظار صدور الحكم الذي طال انتظاره أكثر من عشر سنوات…  كما حاول المُتطرّفُون الهندوس يوم الإثنين 13 آب/أغسطس 2018 اغتيال أحد زعماء الحركة الطلابية المناهضة للحزب الحاكم وللقوميين الهندوس (الذين يعتبرون غَيْرَهم غير جدير بالمواطَنة الهندية) في قلب العاصمة “نيو دلهي” عندما كان يتأهب للمشاركة في مؤتمر يدعو إلى التّحَرُّر من عُقْدَة الخَوْف، ولم تُدْلِ الحكومة ولا رئيسُها بأي تنديد بمحاولة الإغتيال، قبل يَوْمَيْن من عيد استقلال الهند يوم 15 آب/أغسطس 1947، وساهمت الحكومة الحالية في نشْرِ جَوٍّ من الكراهية بين مُكَوِّنات الشعب، ونشر الخوف والرّعب في أوساط المناضلين النّقابيين والتّقَدُّمِيِّين والشّيُوعِيِّين، عبر الإعتداءات الجسدية والإغتيالات المُتَكَرِّرَة في ظل الإفلات من العقاب… عن صحيفة “لوموند” 15/08/18 + وكالة رويترز” (بتصرف) 19/08/18

 

الهند، جحيم النّساء: تواجه النّساء مخاطر عديدة في الهند، منها العُنف والإغتصاب الجماعي والتحرش والقتل، والزواج المُبكّر، أو بالإكراه، مما يُعَلِّلُ جزئيًّا ارتفاع عدد النساء المُنْتَحِرات، وخصوصًا بين النساء الشابات (أقل من 35 سنة) والمتزوجات، ومن المنتميات للفئات المُهَمّشَة في المجتمع، مما يُرجع إن العلاقة وثيقة بين الإنتحار، والزواج وعدم الإستقلالية المادّية وأعباء الأمومة المبكرة، والمكانة الاجتماعية الدُّونِيّة للنساء في مُجْمَل الأسر، وتعرّضهن للعنف العائلي، وبلغت نسبة النساء المُنتحرات في الهند 36,6% من إجمالي النّساء المُنْتَحِرات في العالم، وهي نسبة أعلى بثلاث مرات من نسبة الإنتحار في الدول ذات الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية المُماثلة للهند، وَورد في دراسات محلية إن 20% من نساء الهند تتزوجن قبل سن الخامسة عشر، وتتعرض معظمهن للعنف الأُسَري، قبل الزواج وبعده، ورَسَخَتْ العَقْلِية الرّجعية لدى النساء، حيث أظهر استطلاع جمعية مناهضة للعنف ضد النساء إن 62% من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع يعتقدن أنه “يجوز لأزواجهن ضَرْبُهُنَّ”… يتأثّر الرجال أيضًا بعنف المجتمع وبالفقر والميز الطبقي والإثني، حيث ترتفع نسبة الرجدال المنتحرين في الهند إلى 25% من إجمالي عدد الرجال المنتحرين في العالم، والإنتحار هو السبب الرئيس للوفاة بين الشباب في الهند، ولكن النسبة أخطر عند النساء…

في مجال الصحة، نَبّه العديد من الأطباء والباحثين إلى النتائج السلبية للإعصار الذي خلف عشرات القتلى وعشرات الآلاف من فاقدي المأوى، وبعد الأمطار الموسمكية الأخيرة، ارتفع عدد الوفيات جراء الحمى إلى أكثر من خمسين شخص خلال أسبوعين في المناطق الشمالية للهند (وعلى سبيل المقارنة سجلت هذه المناطق 47 حالة وفاة بين تموز/يوليو 2017 وآب/أغسطس 2018)، وسجلت معظم الإصابات بالحُمّى ونَوْبات الإرتعاش في ولاية “أوتار براديش”، التي تعد 200 مليون نسمة، وهي ولاية فقيرة ومُهَمّشة من قِبَل أجهزة الدّولة الإتحادية، واكتظّت مستشفياتها خلال الأسابيع الأخيرة، واستقبل مستشفى واحد أكثر من 1500 مريض بين 30/08 و 10/09/2018 ويعاني في هذه الولاية (الأكبر من حيث عدد السكان في الهند) آلاف الأشخاص من التهاب الدماغ والملاريا والتيفوئيد وغير ذلك من الأمراض التي ينقلها البعوض كل عام خلال موسم الرياح الموسمية الصيفية…عن موقع مجلة “ذا لانسيت” –  “أسوشيتد برس” 13/09/18

 

الهند، فساد “هندوسي” مُقَدّس؟ انتقدت أحزاب سياسية هندية رئيس الوزراء “ناريندرا مودي” (زعيم حزب  “بهارتيا جاناتا” الهندوسي المُتَطرّف) بسبب شبهات الفساد في صفقة شراء 36 طائرة عسكرية فرنسية من طراز “رافال” التي تمتلكها أُسْرة “داسو” (وهي أُسْرة واسعة النّفوذ في مجالات الصناعة والإعلام والسياسة) بقيمة نحو 8,7 مليار دولار، وطالبت بعض الأحزاب باستقالة رئيس الوزراء، بسبب غياب الشفافية في هذه الصّفقة (وصَفَقات أخرى مُماثِلَة) وبسبب ارتفاع قيمة الصفقة، وبسبب فَرْض شركة “ريلانس ديفنس” كشريك مَحَلِّي لتصنيع بعض أجزاء الطائرة في الهند ولصيانة الطائرات، بدل اختيار شركة مملوكة للدولة، وذات خبرة في هذه المجالات، أما “ريلانس ديفنس” فهي شركة خاصة ولا تمتلك خبرة، وهي مملوكة للملياردير الهندي “أنيل أمباني”، وأعلن “فرانسواهولاند” – الرئيس الفرنسي السابق الذي أشرف على إبرام الصفقة من الجانب الفرنسي- “إن حكومة الهند مارست ضغوطا على شركة داسو لتختار ريلاينس ديفنس كشريك مَحَلِّي”، وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان نُشِرَ يوم 21/09/2018 “إن السلطات الفرنسية لم تشارك في اختيار شركاء الصناعة الهنود الذين كانوا ضمن صفقة طائرات رافال”، وأعلن زعيم “حزب المُؤتمر” المُعارض في الهند: “إن رئيس الوزراء تفاوَضَ بنفسه وغيّر بعض بنود الصفقة بكل ضبابية، وقدم هدية ثمينة بقيمة مليارات الدولارات إلى شركة الملياردير أنيل أمباني”… نُشِرَتْ هذه الأخبار في ظَرْفٍ يحتاج الحزب الحاكم تخفيف الضّغُوط من أجل تعزيز قاعدته السياسية قبل سلسلة انتخابات بالولايات سنة 2018، قبل الإنتخابات العامة سنة 2019.

يحكم الهند حزب “بهاراتيا جاناتا” الذي يتزعمه رئيس الوزراء “ناريندرا مودي”، وحاز على أغلبية مقاعد البرلمان الإتحادي سنة 2014، وهو حزب طائفي يعتبر الهند ملكًا لطائفة الهندوس الذين يُمثلون حوالي 80% من سكان الهند، لكن ثلاثة أرباعهم من الفُقراء الذين يَضْطَهِدُهم الحزب، لكن قيادة الحزب تَمَكّنت من توجيه الغضب ضد المسلمين الذين يُمثلون حوالي 14 % من سكان البلاد، البالغ عددهم الإجمالي نحو 1,324 مليار نسمة، في أواخر سنة 2016، والهند ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان وسابع دولة من حيث المساحة، وتسببت سياسة حزب “بهارتيا جاناتا” في حالة استقطاب بين السكان، على أُسُسٍ إثنية وطائفية، بينما هو في الواقع حزب نُخْبَوِي – شبيه بأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا- ويدعم النُّخَب و”الطبقات العُلْيا”، وفئات “الصفوة” بين الهندوس، ومع ذلك فقد تمكّن من تجنيد فقراء الهندوس والفئات المتوسطة لارتكاب مجازر ضد المسلمين، ولتهديم مساجد تاريخية تراوح عُمرها بين ألف سنة و400 سنة، وبدأ يخسر أصوات الفُقراء خلال الإنتخابات التكميلية التي أجريت منذ 2017، حيث جابه المُعارضة موحّدة (ولكنها وحدة مُؤَقَّتَة)، وانسحَبَ حزبان صغيران من التحالف الحاكم، وقد يُؤَدّي انحياز برنامج الحزب وسياساته المُنْحازَة إلى الأثرياء و”النُّخَب” إلى خسارة أصوات الفئات المنتمية للطبقات الاجتماعية الدنيا، في الانتخابات العامة التي تجرى سنة 2019، لكن لا يُتوقّع أن يخسر حزب “بهارتيا جاناتا” السّلطة، وهو متحالف مع حزب “لوك جان شاكتي” أي “قوة الشعب”…  عن أ.ف.ب + رويترز 21 و 22/09/18 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.