تونس في أعداد قادمة من نشرة “الإقتصاد السياسي”، إعداد: الطاهر المُعز

تونس، مختبر الخصخصة والإقتصاد الليبرالي: أنشأ البنك العالمي (وكان يُسَمّى عند تأسيسه “… للإنشاء والتّعمير”)، فروعًا عديدة متخصصة في نهب اقتصاد الدول، وأصبح يُسمّى “مجموعة البنك العالمي”، كأي شركة متعددة الجنسيات متكونة من شركات فَرْعِيّة، ومن بين فُروع البنك العالمي “مؤسسة التمويل الدّولية”، وهو مصرف مختص في إقْراض الحكومات بهدف تمويل القطاع الخاص، أي إن المواطن يُسدِّدُ قُروضًا استفادت منها الشركات الخاصّة، كما أنشا الإتحاد الأوروبي “المصرف الأوروبي للإنشاء والتّعمير” سنة 1991 (أي سنة الإنهيار الرّسمي للإتحاد السوفييتي) كأداة لتحويل اقتصاد دول أوروبا الشرقية، من رأسمالية الدّولة (أو ما سُمِّيَ “الإشتراكية النّاجزة”) إلى الرأسمالية الليبرالية، حيث ينخفض دور الدولة ويتعاظم دور رأس المال الخاص، وتدّعي أوروبا الغربية إن هذه الخطة تستهدف “دعم تنمية الدّيمقراطية في ثلاثين بلد، من آسيا الوُسْطى إلى أوروبا الوُسْطى”، وبعد إدماج دول ما سُمِّي سابقًا “الكُتْلَة الإشتراكية” في حلف شمال الأطلسي، ثم في الإتحاد الأوروبي، وسّع الإتحاد الأوروبي قُطْرَ هيمنته إلى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، عبر اتفاقيات الشراكة التي لا تخدم سوى مصالح الإتحاد الأوروبي وشركاته، وعبر هيمنة “المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير” على بعض القطاعات في اقتصاد بعض الدول العربية، من بينها المغرب وتونس ومصر والأردن ثم لبنان، وأعلنت مُمثِّلَتُهُ في “جنوب وشرق المتوسط” ارتفاع استثمارات المصرف من 2,2 مليار يورو سنة 2017 إلى 2,5 مليار يورو (2,92 مليار دولارا) سنة 2018، لترتفع أرباح المصرف بنسبة 3,3%، ويختص هذا المصرف الأوروبي في القروض المُوَجَّهَة إلىالبنية التحتية، ودعم القطاع الخاص، بناءً على دراسات حول اقتصاد الدول المُقْتَرِضَة، وحول اتجاهات النمو… تعتبر “مؤسسة التمويل الدولية” و”المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير” اقتصاد تونس نموذجًا لاختبار درجة التّبَعِيّة الإقتصادية والإندماج في العولمة الليبرالية والخصخصة، ونشر “المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير” تقريره بعنوان “التّوقّعات الإقتصادية الإقليمية”، وتوقع أن تبلغ نسبة نمو  اقتصاد تونس 2,7% سنة 2018 ونسبة 3% سنة 2019، أو أقل من معدل نمو منطقة جنوب وشرق البحر المتوسط، سواء خلال السنة الحالية (2018) أو السنة المقبلة (2019)… من جهتها تأمل الحكومة التونسية أن يرتفع الطلب الخارجي (على أي سلعة تُصَدِّرُها البلاد؟) مع “عوامل إيجابية أخرى، من بينها انتعاش السياحة وارتفاع قيمة الاستثمارات، وتحسين القدرة التنافسية للإقتصاد”، وعلى ذكر السياحة، أعلنت الحكومة التونسية ارتفاع عدد السائحين، ولكن العائدات انخفضت بحساب الدولار أو اليورو، مما يُشَكِّلُ لَغْزًا تونسيا يَصْعُبُ فهم خفاياه، وفي إطار دعم البنك العالمي والإتحاد الأوروبي (عبر أدواته العديدة) لخصخصة ما تبقى من القطاع العام، “استفادت” حكومة تونس من خبرة الطّرَفَيْن، لتعرض خلال “المنتدى الدّولي حول الشراكة بين القطاعين العام والخاص” وهو ليس ملتقى دوليا وإنما ندوة تنظمها الحكومة التونسية المتكونة من الإخوان المسلمين والدّساترة، أي المجموعات الحاكمة والداعمة للنظام قبل سنة 2011 ( يوم 19 أيلول سبتمبر 2018) ثلاثة وثلاثين مشروعاً استثمارياً بقيمة أربعة مليارات يورو للشراكة مع المستثمرين في القطاع الخاص، بهدف “التسريع في إنجاز المشاريع ودفع النمو الاقتصادي في البلاد”، ويدّعي رئيس الحكومة التونسية،  وهو موظف سابق (وربما لا يزال، من يدري؟) لدى الإدارة الأمريكية، وفي سفارة أمريكا بتونس، إن التّفريط في الممتلكات العمومية للقطاع الخاص “يمثل طريقة جديدة للاستثمار وللحفاظ على موازنة الدولة وتقليص المديونية… وزيادة نسب النمو”، ولئن كان هذا الهُراء من قبيل الديماغوجيا، فإن الوقائع تُبين إن الدولة بِصَدَدِ خصخصة قطاعات البنية التحتية، من طرقات ومطارات ومباني، والنقل والطاقة والمياه، وإن هذه الخطة كانت جاهزة منذ بداية السنة الحالية، وهي مُكَمِّلَة لما وقع طرحه خلال اجتماعات مماثلة سابقة (آخرها سنة 2016)، وتتضمن ميناء “النفيضة” وقطار (مترو) مدينة “صفاقس” ومنطقة التجارة الحرة في “بنقردان”…

يحظى رئيس الحكومة الحالي بدعم حزب الإخوان المسلمين في تونس (النّهضة) على الصعيد الدّاخلي، وفي الخارج بدعم الولايات المتحدة (حيث كان موظفًا لدى إدارة بوش الإبن) وبدعم الإتحاد الأوروبي، أكبر شريك اقتصادي لتونس، وبدعم صندوق النقد الدولي، الذي يضغط لتنفيذ شروط قرض 2016 بقيمة 2,8 مليار دولار، ومن بينها إلغاء أي شكل من أشكال الدعم لأسعار الطاقة والمواد الغذائية، وتحويل الدّعم إلى الشركات الخاصة والمستثمرين الأجانب، عبر توفير ما يُسَمِّيه الصندوق “مناخ مناسب للإستثمار والأعمال”، وخصخصة ما تبقى من قطاع عام، وتسريح خمسين ألف موظف حكومي خلال خمس سنوات، وتأخير سن الإحالة على التقاعد، مع تجميد الرواتب وخفض قيمة المعاش (وهي ليست من أموال الدولة من مساهمة الأُجَراء) وزيادة أسعار المواد الأساسية والخدمات الضرورية والمرافق كالكهرباء والماء والتعليم والصحة والنقل والخدمات الإدارية وغيرها، بهدف خفض العجز في الميزانية، وبدأت الحكومة تنفيذ شروط الصندوق ورفع أسعار المحروقات، أربع مرات سنويا (مرة كل فصل)، وزيادة الضرائب… اتفق الإخوان المسلمون (الذين اعتبروا إن الدولة ومواردها غنيمة وجب الإستئثار بها) مع صندوق النقد الدولي والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وجزء من حزب الدساترة (حزب نداء تونس) على “دعم الإستقرار”، أي زيادة نسبة الفقر والبطالة والأسعار والتضخم، وتدعم “النهضة”، وهي أكبر كتلة برلمانية، برنامج صندوق النقد الدولي، الذي يسميه “إصلاح الإقتصاد”، الذي أدّى إلى زيادة غير مسبوقة لمستوى الأسعار، وارتفاع النسبة الرّسمية للتّضخّم إلى 7,8%، وتدهور دخل الأُجراء، مع انخفاض مستوى العملة الأجنبية إلى ما يغطي حاجة الواردات في 68 يوما (يقدّر الحد الأدنى بتسعين يوم)، مما سبب نقصًا ظاهرًا في عدد من السلع التي المُسْتوردة، باستثناء السلع التُّرْكِيّة، مع ارتفاع معدلات بطالة الشباب وتدني الخدمات العامة، كالصحة والتعليم، وأدى الوضع المتردّي إلى تهديد قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل بالموافقة على مطالب النقابات القاعدية، وتنفيذ إضرابين في القطاع العام، قبل نهاية سنة 2018، احتجاجا على خطط الحكومة (ومن يَدْعَمُها من قوى سياسية) لبيع شركات القطاع العام، وعلى تراجع القيمة الحقيقية للدخل (ما يُسَمِّيه الإتحاد “القدرة الشرائية”) واحتجاجا على زيادة الأسعار وارتفاع نسبة التضخم، وارتفاع قيمة الضرائب المباشرة (على رواتب الأجراء، دون غيرهم) والضرائب غير المباشرة على السلع (ضريبة القيمة المُضافَة) والخدمات (ضريبة السفر أو الحصول على وثائق إدارية أو معاليم الترسيم أو التسجيل للحصول على خدمات عمومية) … عن أ.ف.ب + رويترز (بتصرف19 و 20 و21/09/18

 

تُطَبِّقُ حكومة تونس (الإخوان المسلمون + الدّساترة) تعليمات صندوق النقد الدولي التي اشترطها سنة 2016 عند الموافقة على قرض بقية حوالي 2,8 (أو 2,9 ) مليار دولارا، وتتضمن هذه الشروط إلغاء دعم المواد الأساسية والغذائية والخدمات والطاقة، ورفعت أسعار الوقود مرة كل ثلاثة أشهر، ورفعت يوم 02/09/2018 الأسعار بنسبة 4% وذلك للمرة الرّابعة منذ بداية سنة 2018 (في كانون الأول/يناير وآذار/مارس وحزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر) في إطار ما يُسَمِّيه صندوق النقد الدولي “إصلاحات” (وتردد الحكومة ذلك وكأنها صاحبة الأمر والنّهي)… قبل فترة قصيرة من إعلان هذه الزيادة في الأسعار (بهدف خفض العجز في الميزانية الحكومية) أقال رئيس الحكومة وزير الطاقة وأربعة مسؤولين في الوزارة، لشُبُهات فساد، في إطار حملة حكومية ضد الفساد، وقانون “مكافحة الكَسْب غير المَشْرُوع”، وتعتبر الحملة بمثابة “كلمة حق أُرِيد بها باطل”، بعد انتشار أخبار ووثائق رسمية مُسَرّبَة عن عمليات سوء تصرف وفساد في قطاع الطاقة، وأكّد رئيس “هيئة مكافحة الفساد” هذه الأخبار، كما أكّد انتشار الرشوة والفساد في كل قطاعات الدولة بما في ذلك الأمن والصفقات العمومية والصحة والجمارك، والإمتيازات الضريبية وغيرها دون وجه حق، مما يكلف الدولة (أي ضرائب الأُجَراء) خسارة مليارات الدولارات، وكانت الحكومة قد صادرت سنة 2017 ممتلكات وجمدت حسابات مصرفية لنحو عشرين من رجال الأعمال، واعتقالهم للاشتباه في تورطهم في الفساد في حملة حكومية لم يسبق لها مثيل على الكسب غير المشروع، ومن بينهم أحد المُمَوِّلِين لحزب “نداء تونس”، وريث حزب الدستور الذي يحكم البلاد منذ 1956، لوحده، وبمشاركة الإخوان حاليا (الذين يدعمون رئيس الحكومة، ضد صهره رئيس الجمهورية وابنه رئيس حزب نداء تونس)، ولكن هذه الحملة الحكومية لا تتنزل ضمن مكافحة الفساد بالفعل، بل في خانة تصفية الحسابات السياسية بين أجنحة النظام، ولا علاقة لها “بحماية ثروات الشعب، ولا بالشفافية والحوكمة” كما يَدّعي الناطق باسم الحكومة… تستغل شركات مملوكة لأطراف كانت مُقرّبة من الحكم قبل وبعد انتفاضة 2010- 2011، حقول نفط بدون ترخيص أو بتراخيص انتهت صلاحيتها منذ عقد، أو صدر قرار مُصادرة هذه الشركات منذ 2011، وسبق أن تغاضت الحكومة والأحزاب الدّاعمة لها (الإخوان المسلمون والدساترة) منذ سنوات عن النظر في ملفات فساد ووثائق قدمتهاجمعيات وخبراء في مجال النفط، واستغلال غير قانوني لحقول يقدّر مخزون أحدها بنحو عشرة ملايين برميل، ويشترك في الفساد ( أو في التغطية على الفساد ) صهر الرئيس المخلوع (بن علي)، وشقيق الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، ، باعتبار الرئيس وشقيقه مُحامييْن يملكان شركة استشارات قانونية، وممثلين قانونيين عن الشركات الأجنبية المستغلة لحقول النفط في تونس، وسبق أن نشر موقع “نواة” نتائج تحقيق عن تورط الرئيس الحالي وشقيقه في قضايا نهب حقول النفط، مع رُموز من فترة حكم “بن علي”، وفَرّطت الدولة بشكل غير قانوني في شركة تَمّت مصادرتها من صهر الرئيس السابق (بن علي) لصالح شقيق الرئيس الحالي، وشريكه في شركتهما للإستشارات القانونية…

نظّمت الحكومة حملة إعلامية ضخمة لترويج بيانات متفائلة عن “انتعاشة اقتصادية” افتراضية، وبلوغ نسبة النمو 2,6% خلال النصف الأول من سنة 2018 (1% بنهاية 2017)، لكن هذا التّفاؤل غير مُبَرّرٍ، وأعدّته الحكومة للإستهلاك الدّاخلي، لأنه حتى لو تحققت بالفعل نسبة النمو المذكورة في آخر السنة، وهو أمر مُسْتبعد، فإنها لن تتمكن من تحقيق انتعاشة اقتصادية ومن تجديد النسيج الصناعي، ومن توفير وظائف للعاطلين الذين بلغ عددهم رسميا (بنهاية النصف الأول من سنة 2018) حوالي 635 ألف عاطل عن العمل، من سكان البلاد البالغ عددهم 11 مليون منهم حوالي 1,3 مليون يعيشون خارج البلاد، إضافة إلى حوالي 600 ألف آخرين غير مُسَجّلين في الإحصاءات الرسمية (هجرة غير نِظامِيّة)، وانخفضت العملة المحلية (الدّينار) إلى مستوى قياسي ليعادل اليورو الأوروبي 3,2 دينارات والدولار 2,7 دينار، مما سيرفع قيمة الدّيون الخارجية المُقَوّمة بالدولار واليورو، ومما سيرفع كذلك أسعار معظم السّلع المُسْتوردة، ومعظمها من الإتحاد الأوروبي، لتزيد من تفاقُم العجز التجاري الذي تجاوز 15 مليار دينار (5,5 مليار دولار)، في حين تراجع احتياطي النقد الأجنبي ليبلغ ما يعادل سَبْعِين يومًا من التوريد، بينما تعتبر مدة تسعين يومًا حدّا أدنى، وتفاقم الدَّيْن الخارجي ليتجاوز حدود 70% من إجمالي الناتج المحلي، وارتفعت نسبة التّضخّم إلى 7,5%، وجميع هذه البيانات من وزارة المالية والمصرف المركزي التونسي… عن وكالةتونس افريقيا للأنباء” (وات) + رويترز (بتصرف) 02/09/18

 

تونس – “حكومة غير حُكُومية“؟ ادّعى الناطقون باسم السّلطة في تونس إن تطبيق بعض الشّروط التي فَرَضَها صندوق النقد الدّولي، مثل الحد من الإنفاق الحكومي، والحد ممّا أسْمَوْهُ التّوريد “العشوائي” (وقف توريد نحو 220 منتجًا) سيُخَفِّضُ عجز الميزان التجاري (أي الفارق بين قيمة الصادرات والواردات)، لكن ارتفع العجز التجاري لتونس في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2018  بنسبة فاقت 20% على أساس سنوي، ليبلغ 12,2 مليار دينار (حوالي 4,4 مليارات دولارا) وهو مستوى قياسي، مقارنة بعشرة مليارات دينارا خلال الفترة نفسها من سنة 2017، وبلغ إجمالي العجز بنهاية 2017 نحو 15 مليار دينارًا (أو 5,4 مليارات دولارا)، وارتفعت قيمة العجز معالصين وإيطاليا وتركيا والجزائر وروسيا، وكافة الدول الأوروبية تقريبًا، ويحتل قطاع الطاقة طليقة القطاعات العاجزة بحوالي 31% من القيمة الإجمالية للعجز التجاري، لأن الشركات الأجنبية وممثليها في تونس يستحوذون على إنتاج المحروقات (النفط والغاز) دون تصريح أو تسديد ضرائب، بذريعة “الإنتاج التّجْرِيبي” أو لأغراض “البحث” (العلمي أو الجيولوجي)، مع التّذكير أن مكتب استشارات ومحاماة على ملك الرئيس الباجي قائد السبسي وأخيه صلاح الدين يتكفل بالدفاع القانوني عنها ويقوم بمهمة تمثيل معظم شركات النفط العاملة في البلاد…

تَضَمّن قانون المالية لسنة 2018 مضاعفة الرّسُوم الجمركية على توريد عدد كبير من السلع التي وقَعَ إِدْراجُها ضمن “السِّلَع الكمالية”، وذلك في محاولة للحد من هذا العجز، ويُشَكّل قانون المالية ترجمة لشروط صندوق النقد الدولي التي أعلنتها مديرته “كريستين لاغارد” في آذار/مارس 2018 بشأن تونس (والدول الأخرى المُقْتَرِضَة)، وتتلخص في بيع ما تَبَقّى من القطاع العام، وزيادة الضرائب على الرواتب والضرائب غير المباشرة (ضريبة الإستهلاك، القيمة المُضافة والخدمات، والوثائق الرسمية وغيرها)، وطرد خمسين ألف موظف حكومي خلال خمس سنوات، وعدم زيادة الرواتب رغم إلغاء الدّعم وزيادة الأسعار، ومنها أسعار الوقود كل ثلاثة أشهر بانتظام، وإلغاء دعم أسعار المواد الغذائية واللوازم المدرسية وقطاع الصحة، وغيرها… تُشير التّقديرات إلى أن نصف الاقتصاد التونسي، يندرج في إطار الاقتصاد الموازي (غير المنظم)، ما يجعل من القرارات المتخذة محدودة المفعول، وهي نفس النسبة تقريبًا في معظم الدول العربية (ما بين 40% و 50% )، ويُؤَدِّي انتشار الإقتصاد الموازي إلى انتشار الفساد في كل أبواب الحياة، ومن بينها قطاع التوريد والتصدير، حيث تنتشر البضاعة التّركية والصينية في كافة مناطق البلاد، بكميات كبيرة، مما يعني دُخُولها عبر الموانئ الجوية والبحرية والحدود البَرِّية، لكن بدون ضرائب، ويقع تسديد ثمن شرائها من مَصادِرِها بالعُملة الأجنبية عبر قَنوات غير رسمية، يُهَيْمِنُ عليها رأسماليون مُقَرّبُون من الإخوان المسلمين ومن “الدّساترة” (حزب نداء تونس والدوائر المُحِيطة به)، وليس عبر المصرف المركزي، في ظل انخفاض قيمة الدينار مقارنة بالعملات الرئيسية (الدولار واليورو)، وعدم القدرة على تشجيع الإنتاج المحلّي (يمنع صندوق الدولي ومنظمة التجارة العالمية ذلك)، ولذلك يُتوقع أن ترتفع قيمة العجز التجاري لهذا العام (2018) إلى قرابة عشرين مليار دينارً…

يُعاني الإقتصاد (والمواطن) التونسي من ارتفاع نسبة الديون من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني إن المواطنين التونسيين لا يستفيدون من ثمرة جهود العُمّال والفَلاّحين ومُنْتِجي الثروات، لان حوالي 60% منها تخرج من تونس مجانًا بعنوان تسديد الديون وفوائد الديون وخدمة الديون، بالعُملة الأجنبية، وتقترض الحكومة بغرض سد العجز في الميزانية وليس بغرض الإستثمار في مشاريع مُنْتِجَة، مما يزيد من قيمة الديون وفوائدها كل سنة، وتدّعي الحكومات المتعاقبة إن القروض تُخَصَّصُ “لخلق وظائف ولتنمية المناطق الداخلية الفقيرة، ولإنجاز مشاريع” وهمية، وهي دعاية كاذبة، ويقصد الإخوان المسلمون والدّساترة منها تضليل الشعب (أو ما يُسَمّى “الرّأي العام”).

أعلن ممثل الإتحاد الأوروبي بتونس “باتريس برغاميني” (نيسان/أبريل 2018) “قَدّم الإتحاد الأوروبي مِنَحًا لتونس بقيمة 1,7 مليار دينارًا بين 2011 و 2015” وقدّر نفس الشخص قيمة ما يُسَمِّيه “مِنَح” (المفروض إن المنحة هي “هِبَة” لا تُرَدّ) “لدعم مشاريع عمومية بجميع مناطق البلاد بما يعادل ستة ملايين دينارًا يوميًّا، إضافة إلى (مِنَح) بقيمة ثلاثة مليارات دينارًا على مدى خمس سنوات، في شكل تكملة لقرض صندوق النقد الدولي بنحو 2,8 مليار دولارا سنة 2016 على ثلاث سنوات”، وعبارة “مِنح” و”هِبات” هي عبارات مُخادِعَة، لأنها عادة ما تكون في إطار اتفاقيات ثُنائِيّة تخدم الشركات الأجنبية (شركات الدولة “المانحة”)، ونادرًا ما تكون “المِنَح” مالية، بل في شكل تجهيزات ومُعِدّات وعربات تتطلب صيانتها وقطع الغيار لإصلاحها مبالغ تفوق “المِنْحة”، أو في شكل ائتمان للشركات التي تُصَدِّرُ سلعًا للبلاد “المُسْتَفِيدة من المنحة”، وتُشَكِّل هذه “المنح” و”الهبات” مَدْخَلاً أو دَعْمًا للفساد (وهو ما حصل ولا يزال يحصل بين “قَطَر” وتركيا من جهة والإخوان المسلمين من جهة ثانية)، بالإضافة إن أجهزة الدّولة لا تُدْرِج ضمن تقاريرها أي رصد لطريقة إنفاق هذه “المنح” و”الهِبات”…

تُمثل “الهبات” و”المِنح” عُيُونًا للدول “المانحة”، وفي حال تغافلت الحكومة التونسية (أو المصرية أو الأردنية أو غيرها) عن الإشهار لهذه “المنح” فإن الدول “المانحة” تُشْهِرُها مع ما يُرافقها من “مُحَسِّنات لَفْظِيّة”، فقد أعلنت الولايات المتحدة “مَنْح” وزارة الداخلية 49 مليون دولارا مخصصة ل31 بلدية تونسية (سفارة الولايات المتحدة 13/09/2018)، وتسعة مُدرّعات لوزارة الداخلية (وحدات التّدخّل) في حزيران 2018 (أي تجهيزات قمع)، كما أعلنت الصين (05/09/2018) منح الحكومة التونسية “هبة بقيمة 110 مليون دينارًا للمشاريع التنموية والجهوية” ، وأعلن البنك العالمي (بداية أيلول/سبتمبر 2018) “هبة بقيمة 12,5 مليون دولار” (34,8 مليون دينار) لإنجاز دراسات مشروع الربط الكهربائي بين تونس وايطاليا المعروف باسم “الماد”، وأعلنت “الوكالة الفرنسية للتنمية” عن “هِبات” بقيمة 9,78 مليون دينارًا، وسويسرا هبة بقيمة 267 مليون دينار، خلال الفترة 2017 /2020، “لدعم “الديمقراطية وحقوق الإنسان والنمو الاقتصادي المندمج والتشغيل والهجرة” (ما أطول هذه القائمة !) وأعاد الإتحاد الأوروبي التّذكير ب”منحة” بقيمة 150 مليون دينارا، يعود تاريخها إلى 2015 وهي منحة للشركات الخاصة وليست للحكومة أو للدّولة، وأعلنت إسبانيا إنها قدمت “منحة” للحكومة بقيمة 65 ألف دينار على ثلاث سنوات، “من أجل التنمية، وضمان الحماية للنساء والفتيات في المناطق الريفية” (هل يمكن تنمية مزرعة أو ورشة صغيرة بمقدار تافه لا يتحاوز 20 ألف يورو؟)، أما مشبخة “قَطَر” التي تَفُوح منها رائحة الغاز فإنها تدعم الإخوان المسلمين وليس الدولة وأعلنت تقديم أكثر من مليون دينار تونسي…

تَطول قائمة الدول (بريطانيا وألمانيا ودُوَيْلات الخليج واليابان…) التي أعلنت أنها قدّمت “منحًا” و”هِبات” للحكومات التونسية المتعاقبة منذ 2012، لكن منظمة “أنا يَقِظٌ” (منظمة تونسية تهدف مراقبة الحياة الديمقراطية ونشر الشفافية) لمحت في تقرير لها (كانون الثاني/يناير 2018) إلى نهب هذه “الهِبات” الأجنبية، وتحويل وجهتها، لأنها لا تخضع إلى “الدرس والتمحيص والمراجعة والتدقيق”، وأعلنت (اعتمادًا على وثيقة حكومية رسمية) “بلغت قيمة هذه الهبات بين كانون الثاني/يناير 2011 وتموز/يوليو 2017 حوالي 5,5 مليارات دينار أي ما يعادل 15% من ميزانية تونس لسنة 2017، ولكن إنفاقها لا يخضع لضوابط وقواعد مُعْلَنَة، فيما لم تَظْهر المشاريع التنموية التي وقع الإعلان عنها، بل كثيرًا ما يتم إنفاق قيمة المِنح والهِبات في غير موضعها، ومنها هبة حصلت عليها وزارة الصحة بقيمة بمليار دينار من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في آب/أغسطس 2011 لشراء سيارات إسعاف موجهة لمساعدة اللاجئين في مخيم الشوشة على الحدود التونسية الليبية، ولم تشتر الوزارة السيارات، وأُغْلق المخيم في حزيران/يونيو 2013…”

لا تتضمن هذه الأرقام المنح الخارجية التي تُخصصها الأطراف الأجنبية (حكومات ومنظمات ومؤسسات) للمنظمات المُسَمّاة “غير حكومية” أو “المجتمع المدني”، لكي توافيها بتقارير عن حال معظم فئات المجتمع التونسي، أو تُنْجِزَ دورات تدريب تحت عناوين مختلفة، وجميعها يندرج في باب التجسس وغسيل الدّماغ والتّطبيع و”الإحتلال الدّاخلي”…  عن المعهد الوطني للإحصاء + رويترز (بتصرف) + تقارير مكتب (سفارةالإتحاد الأوروبي بتونس 12 و 15 و 17/09/18

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.