من الإستعمار إلى الإستعمارالجديد، الطاهر المعز

الهجرة والعلاقات غير المتكافئة بين فرنسا وإفريقيا

الأسباب العميقة للهجرة من الجنوب إلى الشّمال“:

تنشر الأمم المتحدة وعدد من المنظمات، المُصَنّفَة منظمات “دولية” أو “غير حكومية” أو “إنسانية”، بيانات عن قضايا الجوع أو الفقر أو احتكار الثروات أو المرض والأوبئة، لكنها بيانات مُتَفَرّقة، وجب الرّبط بين محتوياتها لفهم بعض ما يجري في هذا العالم، أما إذا اكتفينا بهذه الأرقام والبيانات كما وردت، فإن نظرتنا للعالم تبقى جُزْئِيّة وغير مُكتملة (وهو أحد أهداف تمويل المنظمات “غير الحكومية”)، ولا يمكن بالتالي استخدامها في مجملها كبيانات موضوعية، من أجل تأسيس بديل تقدّمي أو اشتراكي للنظام الرأسمالي الليبرالي، المتسبب في انتشار الفقر والبطالة والمجاعات والحُروب وهجرة الفقراء والمتضررين من الحرب…   

تنشر الأمم المتحدة، بصفة دورية، تقارير عن عدد الجائعين في العالم، ويقدّر عددهم الرسمي بحوالي 830 مليون نسمة، منذ عقد من الزمن، أو ما يعادل 12% أو 13% من إجمالي عدد سكان العالم.

من جهة أخرى تنشر منظمات أخرى، ومن بينها “أوكسفام”، بيانات عن تراكم الثروات في العالم، واحتكار 1% من السكان لنصف هذه الثروات التي لم يخلقوها أو يعملوا لجَمْعِها، بل هي متأتية من عرق العمال والفلاحين والحِرَفِيِّين، أو من المضاربة في أسواق بيع وشراء الأسهم.

لا تتجرّأُ الأمم المتحدة ومنظماتها ولا المنظمات “الإنسانية” و”الخيرية” على تجاوز المعاينة أو “التّقْرِير”، ولا يُمْكِنُها المرور إلى تحليل أسباب الجوع والفقر، أو إلى تحليل مسار تراكم الثروات بين أيدي من لا يعمل، أو إلى الربط بين انتشار الفقر والآفات والأمراض من جهة وهيمنة الشركات متعددة الجنسية على اقتصاد العالم، بالإضافة إلى الحُروب العدوانية من جهة أخرى، وهيمنة الصناعات الغذائية على الأراضي الزراعية الخصبة في إفريقيا والهند وأمريكا الجنوبية وغيرها من بلدان العالم، مما أَقْصَى صغار الفلاّحين من دورة الإنتاج الزراعي، ومما أجبرهم على النّزوح إلى أحياء القصدير حول المدن الكبرى، أو إلى الهجرة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وغيرها، بينما كان إنتاج المزارعين الصغار والإنتاج الزراعي العائلي يُوفِّرُ حوالي 80% من الغذاء في البلدان الفقيرة…

تُمَثِّلُ الحُروب التي تُمَوّلها الشركات متعددة الجنسية في العديد من البلدان الإفريقية (مثل نيجيريا الغنية بالنفط، أو الكونغو الثَّرِية بمختلف المعادن) أحد أهم أسباب النزوح الداخلي، والهجرة، وتسببت الحُروب التي تَشُنُّها الولايات المتحدة وحلفاؤها (الحلف الأطلسي والإتحاد الأوروبي…) في مناطق واسعة من العالم، من أفغانستان إلى غرب إفريقيا، مرورا بسوريا والعراق والصومال وليبيا، في نزوح وهجرة ملايين البشر الذين كان قِسْم هام منهم يعمل في قطاع الزراعة، وتربية المواشي، وهي أعمال تُحافظ على أديم الأرض وعلى البيئة وتوفر غذاءً سليمًا وبثمن معقول لمئات الملايين من سكان العالم.

تعددت الهجمات (غير العسكرية مبدئِيًّا) على البلدان الفقيرة من الشركات متعددة الجنسية، ومن منظمة التجارة العالمية، ومن صندوق النقد الدولي بشروطه المجحفة، بهدف تأمين هيمنة شركات الصناعات الغذائية، والشركات التي تحتكر البذور والمبيدات، مثل مونسانتو التي ابتدعت “الملكية الفكرية” للبذور التي يمتلكها مزارعو العالم منذ آلاف السنين (اشترتها مُؤخّرًا شركة “باير” الألمانية)، وهيمنة شركات النفط والتّعدين، وأدّت هذه الهيمنة إلى إقصاء ملايين المزارعين ومُرَبِّي المواشي في الحبشة وكينيا وجنوب السودان ومدغشقر ومالي وغيرها من البلدان الإفريقية، وتحويل ملايين الهكتارات من مزارع عائلية صغيرة أو مراعي على ملك مجموعات ريفية، إلى مزارع ضخمة مُعدّة لإنتاج مُكثّف (مُضِر بالأرض، والثروة المائية) للزهور ولمنتجات زراعية يُمْكِنُ تصديرها واستهلاكها في الدول الرأسمالية الغنية، وهي مزارع تستغل ملايين الأطفال والنساء، في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وفي آسيا، كما استغلت الشركات متعددة الجنسية أسماك البحار في غربي وشرقي إفريقيا، وحوّلت الصيادين بالقوارب التقليدية إلى “قراصنة” في القرن الإفريقي، وإلى عاطلين عن العمل ومهاجرين في إفريقيا الغربية، من المغرب إلى السنغال وخليج غينيا وغيرها، بعد نهب الثروات السمكية، في عرض سواحل الصومال والقرن الإفريقي وغرب إفريقيا، ناهيك عن الخراب الذي سببته الحُروب في أفغانستان وسوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها، من خراب النسيج الإقتصادي والإجتماعي للمجتمعات، إلى انتشار المجموعات الإرهابية والجريمة المُنَظّمة، وأصبحت من البلدان المُصَدِّرَة للمهاجرين…    

حقائق عن الهجرة واللجوء إلى أوروبا:

تتجاهل المنظمات السياسية والنقابية والمنظمات “الحُقُوقِيّة” و”الإنسانية” الأسباب الحقيقية للهجرة، ولا تَذْكُرُ مُشاركة إيطاليا (وجهة المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط) وفرنسا وإسبانيا وكافة الدول الأوروبية تقريبًا في مُجْمل الحروب العدوانية، وراء الولايات المتحدة، أو بدونها، وخرّبت هذه الحروب البلدان التي أصبحت مَصْدَرًا للهجرة بعدما كانت “مُسْتقرة” مثل سوريا وليبيا والعراق وأفغانستان، وبالتالي فإن لأمريكا ولأوروبا مسؤولية مباشرة (إضافة إلى الماضي الإستعماري وما نتج عنه وتَبِعَهُ من “استعمار جديد”)، وعلى سبيل المثال لا تزال القوات العسكرية الفرنسية حاضرة بِشَكْلٍ مُعْلَن في إحدى عشرة دولة إفريقية، وارتفع عدد الجنود الفرنسيين المتواجدين في إفريقيا سنة 2018، مقارنة بعددهم سنة 1960 (سنة الإستقلال الشّكْلِي لعدد من المستعمرات الفرنسية)، إما في القواعد العسكرية أو في ميادين الحرب، وتتدخّل الدولة الفرنسية لكي تفوز شركات الطاقة والنفط والإنشاء والإتصالات الفرنسية بعقود ضخمة في البلدان الإفريقية، وَمُخالفة قواعد العطاءات والمنافسة بين الشركات من مختلف بلدان العالم، وسبق أن تدخلت حكومات فرنسا لإلْغاء “مُناقَصات” أو “عطاءات” فازت بها شركات من الصين أو كوريا الجنوبية، ثم تحويل الصفقة إلى الشركات الفرنسية، دون منافسة، وتوجد أمثلة عديدة تسمح لنا بوصف العلاقة ب”الإستعمارية”، مع النيجر ومالي وساحل العاج وإفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والطوغو وغيرها، وكلما ارتفع عدد الجنود الفرنسيين والشركات الفرنسية في بلد إفريقي (مالي والنيجر وإفريقيا الوسطى وتشاد…)، ارتفعت نسبة الفقر، وعدد المهاجرين الهاربين من الفقر والحرب، نحو أوروبا، أو فرنسا بالذات، وكلما ارتفعت قيمة الثروات المعدنية في الدول الفرنكفونية ارتفعت نسبة الفَقْرِ، بسبب هيمنة الشركات الفرنسية، بشكل حَصْرِي، على هذه الثّروات، وحَدَثَ أن نَظّمت الدولة الفرنسية (الجيش والمخابرات) انقلابات عسكرية ضد رؤساء دول إفريقية، حاولوا التعاقد مع شركات غير فرنسية لاستغلال الثروات (النيجر وبركينا فاسو والكونغو وساحل العاج وغيرها…)

فرضت الدول الإمبريالية، عبر مؤسسات عديدة، منها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، نظام “التبادل غير المتكافئ”، وفق توْصِيف الراحل “سمير أمين”، ونظام التقاسم العالمي للعمل، لتتخصّص البلدان المُهَيْمَن عليها في تصدير المواد الخام، بأسعار منخفضة، وتضطر لتوريد المواد المُصَنّعة، مرتفعة الثمن، وبدل رفع أسعار المعادن والمواد الخام، ومنها الكاكاو في ساحل العاج، واليورانيوم في النيجر، تلجأ تلك الحكومات إلى التّداين من البنك العالمي ومن صندوق النقد الدولي، بشروط مجحفة، وإشراف من الدّائنين على ميزانية الدولة وعلى القرارات السياسية…

استغلت قوى اليمين المتطرف في أوروبا، موضوع الهجرة، لتكثيف الهجوم على الفُقراء ولتقسيم صفوفهم، بين فقراء مهاجرين أجانب، وفُقراء محليين أوروبيين، وأصبح موضوع الهجرة رافعة لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، خصوصًا بعدما أصبح “دونالد ترامب” رئيسًا في الولايات المتحدة، وارتفع عدد أصوات الناخبين، وعدد المقاعد التي حصل عليها اليمين المتطرف في الإنتخابات العامة والمحلية والرئاسية، في كافة الدول الأوروبية، كما في انتخابات البرلمان الأوروبي، وفي المقابل، كادت أحزاب اليسار التقليدي تندثر، ولم يجد اليمين المتطرف من يُجابهُهُ بخطاب طَبَقِي، ومناهض للإمبريالية، لأن المهاجرين جزء من الطبقة العاملة ومن الفُقراء في أوروبا، ولأن الحروب العدوانية وهيمنة الشركات متعددة الجنسية خَرّبت بلدانهم الأصلية، مما اضطرهم إلى الهجرة، هربا من الموت والفقر، وبحثًا عن عَمل يُمكّنهم من إعالة أُسَرِهِم…  

خاتمة:

إن اتساع رقعة الهيمنة الإمبريالية ناتج عن ضعف الصّف المُقابل، ولنا في قضية فلسطين أَبْلَغُ مثال، فقد تحولت منظمة التحرير الفلسطينية من رفع شعار المُقاومة والتحرير إلى ممارسة التنسيق الأمني واعتقال المقاومين، ورغم بعض الإنتصارات الجُزْئِيّة فإن الإمبريالية بقيادة أمريكا في حالة هجوم، وليست في حالة دفاع، واكتسحت المجالات الإعلامية والإيديولوجية، فضعفت جبهة مقاومة الإمبريالية ومقاومة الهيمنة بكافة أشكالها، خصوصًا في الدول الرأسمالية المتطورة، حيث ترتفع من حين لآخر حدة النضالات النقابية، لعدة أسابيع، ثم تهدأ لأن العمل النقابي لا يجد سندًا كافيا من القوى السياسية، وتُهمل النقابات نفسها والقوى السياسية شريحة هامة من الطبقة العاملة، والتي يُمثّلها العمال المهاجرون وأبناؤهم، مما يُضْعِف صفوف القوى المتضررة من الإستغلال الرأسمالي ومن الإضطهاد والإستعمار الجديد في البلدان الأصلية لهؤلاء المهاجرين…

يتَّسِمُ مواقف قوى اليسار والنقابات الأوروبية بنوع من الشوفينية، وإهمال الربط بين القضايا المحلّية والقضايا الدولية، أو ربط ما يحصل في أوروبا بما يحدث في العالم، وتتجنّبُ معظم هذه الٌقُوى الخوض في مسؤولية الدّول الإمبريالية عن الوضع المُتردّي في أفغانستان والصومال وسوريا ومالي والعراق وغيرها، بل إن معظم النقابات تُصِرّ على بناء علاقات وطيدة بمنظمة “هستدروت” الصهيونية، وتعتبر قوى اليسار (بما في ذلك قوى تضع نفسها في خانة اليسار “الراديكالي”) وجود دولة الكيان الصهيوني “شرعي”، مما يُهَمِّشُ القضايا الأساسية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها قضية اللاجئين…

في ختام هذه الورقة نُشِير إلى ضرورة ربط النضال اليومي، في بلدان “الجنوب”، بقضايا التنمية وعلاقتها بالمحيط وبالوضع الدولي، أو كيف يمكن تطوير اقتصاد بلد واقع تحت الهيمنة، في ظل شروط رأس المال المُعولم وشروط صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وكيف يمكن بناء جيهات على الصعيد العالمي، لمقاومة الهيمنة الإمبريالية ولدعم نضالات شعوب البلدان المُهَيْمَن عليها، وعُمالها وفلاحيها وحرفييها ومُنْتِجيها، ولنتركْ الباب مفتوحًا من أجل البحث عن إجابات وعن خطط عملية…      

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.