“كنعان” تنشر كتاب ” بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة: دراسة نقدية”، تأليف: محمود فنون (حلقة 3)

في حلقة اليوم:

– التنظير على لسان عرب وفلسطينيين

– سقوط وهم الدولتين

– ما هي الصهيونية؟

– هناك استثناء قامت به العصبة الشيوعية

– مقترحات الكونت برنادوت

■ ■ ■

 التنظير على لسان عرب وفلسطينيين

أما تنظير الخدم الفلسطينيين اليوم فهو موجه للعقل والثقافة الفلسطينية والعربية باستهداف تدمير الثقافة التحررية الثورية المقاومة وخلق حالة من القبول بالنتائج المريعة والإجرامية التي تحققت. وذلك مدفوع ظاهريا بدوافع الديموقراطية ومناهضة العنصرية، ولكنها أفكار المهزومين المتهالكين والخائفين والمستعدين لخدمة العدو بآرائهم وأفكارهم وتاريخهم الشخصي.

إنما يطرحون أفكارهم هذه بعد أن نجحت قوى متضافرة فلسطينية وعربية وصهيونية ودولية في إنهاك الحركة الوطنية الفلسطينية وعزلها عن العملية الثورية التحررية، وفي مناخات تراجع المد التحرري الفلسطيني والعربي، وحلول حالة من الرجعية في الوطن العربي، وتعمق هيمنة الاستعمار الغربي على مجمل نواحي الحياة في البلاد.

هذه الحالة دفعت بالرجعية العربية المتآمرة أصلا، خفية، بالسر وبالعلن أحيانا، إلى التصدي لخدمة العدو جهارا نهارا. وساقت معها كثيرين من ناطقي الرأي والكتاب والصحفيين ورجال الدين ومستخدمي السياسة، عربا وفلسطينيين، كانوا يحتاجون أصلا إلى “دفعة إصبع”.

هؤلاء اليوم يحولون الفكر التحرري والثقافة التحررية إلى فكرِ وثقافةِ مهزومين ولكن خاضعين كذلك لرغبات العدو وفي خدمته. إنهم عملاء الاستعمار وأدواته في داخل الوعي والثقافة الفلسطينية خاصة والعربية عامة في محطة جديدة وزمن جديد، وحالة استكمالية للتنظير الغربي في حينه.” محمود فنون، كنعان الإلكترونية.

يعيدون الكرّة حينما كانوا يدافعون عن شعار السلطة الوطنية وشعار الدولة المستقلة وشعار دولتين لشعبين وبعدها ما نتج عن أوسلو، بأقوال منمقة ومزينة بالنتائج التي يفترضونها.

سقوط وهم الدولتين

لنقرأ من “بيان” سلامة كيلة  الأحدث والذي نشره للتوقيع عليه، مع ملاحظة أنه ينشر علينا وهما، ويعرف مريدوه أنه إنما يعبرعن هويته لا غير، ولكنهم مع كل قولة من أقواله يهللون ويكبرون ويعظّمون الإبداع الذي ذاع صيته!

لنقرأ من الوثيقة :”منذ البدء لم يكن هناك من حلٍ مُمكِن للصراع الدائر في فلسطين ما بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني سوى قيام الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة. هذا ما طُرِحَ قبيل النكبة، وما طُرِحَ بعدها.”

 إلى هنا الإقتباس. مع العلم أن عبارة “قبل النكبة” وربطها بعبارة “منذ البدء” تجبرنا على هذه العودة.

تعالوا نجبر سلامة كيلة على التناقض مع نفسه وأمامنا.

وكانت روح سلامة كيلة ترف على آرائه،  حيث كتب في مقالة بمناسبة مئوية بلفور: “وبالأساس، فإن فكرة إقامة “دولة يهودية” في فلسطين هي فكرة إنجلترا، قبل أن تكون فكرة أي فرد من أصل يهودي.”

الله أكبر! “الأساس” يعني في البدء ويعني إقامة دولة يهودية وليس دولة واحدة ديموقراطية. وإذا أكملنا القراءة وكل القراءات فلن نجد تعبيرا واحدا عن دولة واحدة للشعبين في وثيقة بريطانية ثم نصل وعد بلفور. وسلامة كيلة يتظاهر بالتعارض معه.

فوعد بلفور يعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لليهود فقط، وهذا نصه: “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.” نص وعد بلفور عن وكالة وفا الفلسطينية.

إن من يقيمون في فلسطين من غير اليهود هم من “الأغيار”، هم من “الأميين” أي الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، أي ليس اسمهم “الشعب الفلسطيني”! وهذه تسمية الاستعمار البريطاني لطمس الهوية العروبية لهؤلاء جميعاً، ذلك لأن الاستعمار والصهيونية يدركون بأن العروبة هي قوة الفعل الحقيقية لإزالة الكيان، وقد أصبح اسمهم عند مطلقي المبادرات “السكان الأصليين”.

وكما هو دارج، فإن إسرائيل ومنذ عام 1948 م تتعامل مع الفلسطينيين العرب الذي ظلوا في البلاد على أنهم مسيحيون ودروز وشركس وبدْو ومسلمون؛ أي باعتبارهم طوائف؟ وبلغة اليهود “الأغيار” أو الأميين أي غير اليهود.

ربما لم يكن سلامة يملك أية صلاحيات لتغيير هذا الوضع الشائن للاعتراف بحقوق سياسية واعتبارهم شعب فلسطين!

يا مريدي سلامة: أين هو البدء الذي كان يرفع شعار “الدولة العلمانية الديموقراطية الواحدة” ومتى طرح قبيل النكبة؟

إن أول مشروع يوافق عليه عربي هو “إتفاقية فيصل- وايزمن” وفيها يوافق فيصل بن الحسين ( ممثلا عن الغرب )على إعطاء فلسطين بالكامل لليهود، ولم يبحث مصير السكان الفلسطينيين فيها بل فقط اعترف بدولة لليهود الذين لم يأتوا إليها بعد!!!

فقد وقع الأمير فيصل بن الحسين في 3 يناير  1919 م على ما عرف بوثيقة “فيصل- وايزمن” حيث يكون وايزمن ممثلا للدولة الفلسطينية التي هي دولة اليهود التي لم تكن موجودة حينها.

وبعد أن أيد فيصل  في سياق بنود ونصوص الإتفاقية كل ما يخص اليهود وإقامة دولتهم في فلسطين والهجرة المستعجلة إليها، ورِد بند رقم 4 والجزء الأول منه مخصص لليهود كما يلي:

“4- يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى ما يمكن من السرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الاسكان الواسع والزراعة الكثيفة”. إلى هنا يخص اليهود، فدققوا ما جاء في البند.

ويستكمل ذات البند في جزء مخصص للفلسطينيين بالقول “ولدى اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب أن تحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب ويجب أن يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الاقتصادي.”

يعني تحفظ حقوق المزارعة والإستئجار وما شابه ولم يرد أي نص يعتبرهم شعبا أو جزءا من أمة أو أنهم هم أصحاب الأرض، بل هم فلاحون ومزارعون ومستأجرون. وما طرح بشأن حفظ حقوقهم هو مجرد وعود زائفة كما دلت التجربة الحية، وفي الواقع قد طردوا من بلادهم واستولى اليهود على أرضهم. وهذه حقيقة التوجه الصهيوني إلى فلسطين. فهم قد جاءوا ليستولوا على الأرض ويبنوا مستوطناتهم ومؤسساتهم عليها ولم يجلبوا معهم أراضي للبناء والزراعة وإقامة المنشآت والمباني والمؤسسات الزراعية والصناعية وللخدمية والطرق.

جاءوا مستوطنين اقتلاعيين بوضوح كما هي دعواتهم ومواثيقهم والوعود التي منحت لهم من الغرب الإستعماري. وهذا لم يتغير حتى اليوم، ولن يتغير ولن تتغير مواقفم بناء على دعوات استجدائية. وكما سنرى فإن سلامة كيلة، وكل من كتب مثله، لا يدعو إلى تغيير هذا الوضع.

في “البدء” لم يكن اليهود يشكلون نسبة تذكر تستوجب طرح دولة لهم أو معهم. فطروحات حركة التحرر الفلسطينية منذ بداية المشروع الصهيوني كانت ضد هجرتهم إلى فلسطين وضد استيلائهم على الأراضي وإقامة المستوطنات، وكانت تستهدف مقاومة الإنتداب البريطاني وسياساته التي تستهدف تمكين اليهود وحمايتهم تنفيذا لوعد بلفور وصك الإنتداب، الذي قرر تنفيذ وعد بلفور بحماية بريطانيا.

ونظرة سريعة على بيانات المتصدرين الفلسطنيين ومراجعة برامج ومواقف الأحزاب الفلسطينية توضح ذلك.

أما عصبة الامم فتطرح تهويد فلسطين.

جاء في المادة الثانية من صك الإنتداب الذي صدر عام 1922:

 “المادة الثانية:

تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، وفقاً لما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك، وترقية مؤسسات الحكم الذاتي وتكون مسؤولة أيضاً عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن الجنس والدين”

نلاحظ أن المادة هي شكل من أشكال صياغة نص وعد بلفور الذي أصدره الإنجليز، وأنها في جوهرها تضمن إنشاء الوطن القومي لليهود وترقية مؤسسات الحكم اللازمة لليهود، وعلى الهامش تتحدث عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع السكان بالطبع بما فيهم اليهود.

ويأتي القول الفصل في المادة الرابعة في الصك المخصصة لتأسيس دولة يهودية: 

“المادة الرابعة:

يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين، والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي، ومصالح السكان اليهود في فلسطين؛ ولتساعد وتشارك في ترقية البلاد على أن يكون ذلك خاضعاً دوماً لمراقبة الإدارة.

يعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة ما دامت الدولة المنتدبة ترى أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض، ويترتب على الجمعية ألصهيونية، أن تتخذ ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية؛ للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي”

هنا يدور الحديث عن وكالة يهودية خاصة باليهود وليس للفلسطينيين ذكر فيها، وكالة هي بمثابة حكومة يهودية تحت التدريب ولا توجد أية صيغة تنظيمية للعرب، ومن أجل المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي كما ورد نصاً.

ما هي الصهيونية ؟

جاء في صك الإنتداب أعلاه “يعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة..” عن (وفا).

إذن الصهيونية، وتعني العودة إلى صهيون، هي عقيدة الهجرة إلى فلسطين والإستيطان فيها. ومن يكف عن الصهيونية يتخلى عن فكرة الاستيطان في فلسطين ويتخلى عن علاقاته وروابطه بالمنظمات الصهيونية ودورها في تهويد فلسطين وانتزاعها من الفلسطينيين العرب.

هاتان الوثيقتان (وعد بلفور وصك الانتداب) هما الأساس السياسي والناظم القانوني لتهويد فلسطين وإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين. والمقصود بأرض فلسطين هي ما يعرف بفلسطين التاريخية وبحدودها التي وضعها الإنتداب  البريطاني ووافقت عليها عصبة الأمم وتمتد من البحر المتوسط وسيناء غربا إلى نهر الأردن والبحر الميت ووادي عربة حتى خليج العقبة شرقا.

إن هذا الإيضاح ضروري جدا لمن يتتبع كافة المواقف والمشاريع والمبادرات من أي جهة كانت في ما يخص ما أصبح يعرف منذ ذلك التاريخ بالقضية الفلسطينية. ولتتبُّع مفهوم مصطلح فلسطين عند القوى التي تريد التفريط بفلسطين وضياع فلسطين وكيف تقلص هذا المفهوم ليصبح معنى كلمة فلسطين “ذلك الجزء الذي من الممكن أن تنسحب منه إسرائيل بشكل من الأشكال”، والحد الأقصى عندهم هو “الضفة والقطاع” مع مرونة وقابلية للتنازل وتحجيم هذا المفهوم.

والقضية الفلسطينية في ذلك الوقت كانت تتطلب العمل على تحرير فلسطين من الإنتداب البريطاني ومنع تهويدها كما جاء في كافة برامج الحركة الفلسطينية، فلم تكن قد هُوِّدت بعد، وإنما كانت بدايات التهويد التي بدأت في العهد العثماني واستمرت منذ مجيء الانتداب البريطاني عام 1917 واستكمال احتلال فلسطين عام 1918م وحتى صدور صك الإنتداب عام 1922م عن عصبة الأمم.

ومنذ ذلك الوقت وحتى سنوات النكبة استمرت عمليات التهويد والإزاحة و لم يطرح أي طارح مشاريع تخص الدولة الديموقراطية الواحدة للشعبين، بل (وفقط) تم طرح مشاريع تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب مرتين: مرة عام 1937م ومرة عام 1947م.

فقد ورد في تقرير لجنة بيل عام 1937م:

 ” إننا لا نعتقد أن سياسيا منصفا يمكنه أن يفترض الآن، وقد أمسى الأمل بتآلف الشعبين بعيد التحقيق، إن من واجب بريطانيا أن تسلم الأربعمئة ألف يهودي الذين سهلت دخول معظمهم إلى فلسطين بموافقة عصبة الأمم إلى الحكم العربي، أو أن تسلم مليونا من العرب إلى الحكم اليهودي إن أصبح اليهود أكثرية السكان في المستقبل، غير أنه لم يكن في مقدور أي من هذين الشعبين أن يتولى حكم فلسطين كلها بإنصاف. فإننا لا نرى سببا يمنع كل شعب منهما من حكم قسم منها إذا كان ذلك قابلاً للتطبيق” أي تقسيم فلسطين بين العرب واليهود. (مهدي عبد الهادي، المسألة الفلسطينية ومشاريع الحلول 1934-1974م)

ثم جاء مشروع التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة في عام 1947م وهي بديلة عصبة الأمم  وقد رفضه العرب.

وصلنا عام 1947م، والتوجه العربي الرسمي والشعبي هو منع تهويد فلسطين ورفض تقسيمها بين العرب واليهود ولا شيء آخر في كافة الوثائق التي تعبر عن مواقف الحركة الوطنية الفلسطينية والنظام الرسمي العربي.

هذا مع العلم أن فكرة التقسيم، بالإضافة إلى أنها تتطلب التخلي عن جزء من الوطن للعدو أي تقاسم الوطن مع العدو، فإنها كذلك تنطوي على القبول بحق العدو في هذا الجزء. هذا أمر خطير. هو ليس مجرد تهاون في الجغرافيا، إنما هو إقرار بحق اليهود في الاستيطان في فلسطين ودرجة عالية من التساوق مع وعد بلفور وصك الإنتداب!

وهذا المشروع في نظر بريطانيا والصهيونية خطوة هامة ومحطة أساسية على طريق إقامة دولة إسرائيل مهما كان اسمها الرسمي، وهذا ما قامت به بريطانيا والعصابات اليهودية عامي 1947م وعام 1948م  في ما عرف عند اليهود “بحرب التحرير” وإقامة الدولة على جزء من فلسطين (78%) وأكملت مهمة المشروع الصهيوني بمحطة أساسية ثانية باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م.

هناك استثناء قامت به العصبة الشيوعية

فقد انقسمت العصبة أمام مشروع التقسيم في حينه “إلى قسمين: الأول بقيادة فؤاد نصار وإميل حبيبي يؤيد مشروع التقسيم …. والثاني بقيادة موسى الدجاني وإميل توما يعارض التقسيم ويؤيد الموقف الوطني العربي ..”

كانت هذه أول عملية اختراق للموقف الوطني العربي كما أعرف، حيث لم تصدر أية مواقف من الجانب الفلسطيني وحركته الوطنية يعطي أي درجة من التنازل عن أي جزء من فلسطين. (هذا مع العلم أن الفريق الذي عارض التقسيم من العصبة قد عاد وأيده لاحقا).

واللافت للإنتباه أن أول تلفُّظ صدر في خصوص “جمهورية ديموقراطية مستقلة ” صدر عن الجناح اليهودي في العصبة “على اعتبار أن هذا يؤمّن الحقوق الكاملة للعرب واليهود …”

“أما الجناح اليهودي في الحزب فقد أصدر في تلك الفترة 1947م بيانات غامضة وخفف من هجماته على الصهيونية ورفع شعار (جمهورية ديموقراطية مستقلة) على اعتبار أن هذا يؤمّن الحقوق الكاملة للعرب واليهود…الخ. وكل هذا بالطبع بعيداً عن علاقة فلسطين بالوطن العربي.

لكن خطاب أندري جروميكو(الذي أيد التقسيم) أذهل الحزب فلما أفاق من الصدمة، هاجم مشروع الدولتين المنفصلتين وأيد مشروع دولة واحدة من قوميتين …”

إذن كانت هذه أول طوبة للدولة الديموقراطية العلمانية – حيث أصبح هناك عرب ويهود صهاينة في فلسطين- التي ينادي بها سلامة كيلة، وكل أصحاب مشاريع الدولة الواحدة المطروح في هذه الفترة على مختلف توصيفاتها ومهماتها ودورها بل ودور الدعاة لها. كما تحتوي على أفكار حول دولة واحدة من قوميتين أو التغافل عن الروابط القومية. بينما الدولة التي طرحتها بريطانيا وصك الانتداب هي الدولة اليهودية فقط ولليهود فقط كما تبين النصوص المذكورة في هاتين الوثيقتين، علما أن السكان كانوا باغلبيتهم الساحقة فلسطينيين.

هي إذن أول طوبة قبل النكبة صدرت عن اليهود الشيوعيين، وفيها دولة واحدة ذات قوميتين أوقوميتين في دولة واحدة كما سنرى في مشاريع الدولة الواحدة الكثيرة التي ظهرت بعد مشروع دولتين لشعبين. علما أن ما يجمع اليهود ليس قوميتههم فلا قومية واحدة لهم وهم من مختلف قوميات وأمم العالم.

من هو الجناح اليهودي في الحزب الشيوعي بالاستناد إلى موقف جناح العرب فيه؟

 كانوا متهمين بمحاباة اليهود والصهيونية من قبل رفاقهم العرب، وهم أصحاب الأفكار المتصهينة التي يطرحها فلسطينيون اليوم وباسم الإبداع والإختراق.

نعم هو اختراق ولكنه صهيوني في صفوف الوطن والقضية والرؤيا والثقافة الفلسطينية والعربية!

هذه المبادرات إذن هي ليست إبداعا من المبدعين بل هي طُرحت من قبل يهود من الأساس، وهي طرح يهود اليوم كما سنرى عند عوض عبد الفتاح من حزب التجمع الوطني الديمقراطي/حزب عزمي بشارة، وعلى لسان واعتراف عدد من الكتاب.   

واليوم يتفاخر عرب بأنهم أبدعوها كمخرج من أزمة عميقة مستعصية لا حل لها.

مقترحات الكونت برنادوت

جاءت بعد ذلك وأثناء النكبة مقترحات الكونت برنادوت لمعالجة الوضع حيث جاء:

” 1- ينشأ في فلسطين، بحدودها التي كانت قائمة أيام الإنتداب البريطاني الأصلي في عام 1922م (بما فيها شرق الأردن) اتحاد من عضوين، أحدهما عربي والآخر يهودي، وذلك بعد موافقة الطرفين اللذين يعنيهما الأمر على دراسة هذا الإقتراح …”

وكان رد العرب على لسان جامعة الدول العربية من شقين:

 الأول يرفض وضع شرق الأردن في الموضوع ويفنده.

والثاني:” (7) والواضح أن هذه الاإقتراحات بأسرها تذهب إلى تحقيق أماني الصهيونيين بشأن تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية فيها ، فضلا عن المنافع التي تعود عليهم من الوحدة الإقتصادية التي اقترحت أن تربط بها العضوين.

” أما في ما يتعلق بالهجرة … فإن اقتراح سعادتكم لم يضمن تحقيق المشروعات الصهيونية كلها فحسب بل تجاوز شروط مشروع التقسيم الذي أوصت به الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في اجتماعها الذي عقدته في 29 تشرين الثاني من عام 1947.”  (مهدي عبد الهادي، مصدر سابق).

 هنا لفت رد جامعة الدول العربية النظر إلى أن مشاريع التسوية تصب في طاحونة المشروع الصهيوني مهما تظاهرت بالحيادية.

 والحقيقة أن مشروع الكونت برنادوت هو صورة أخرى عن مشروع التقسيم الذي صدر عن هيئة الأمم مع تحسينات في الشروط لصالح اليهود وتحسينات في الألفاظ لصاح العرب.

وظل الأمر هكذا حتى اليوم: فلسطين لليهود والوعود المغمسة بالألفاظ المؤمِّلة للعرب!!!

كان هذا في عام النكبة ذاته بل وخلالها في حزيران 1948م. وعن مشروع الكونت برنادوت هذا نشأ لاحقا مشروع دولتين للشعبين في سبعينيات القرن الماضي بألفاظ وصيغ تعبر عن ذات الفكرة.

وكان اليهود متمسكين خلال فترة وجود برنادوت في فلسطين بقرار التقسيم ولا عجب في ذلك، فهو يعطيهم ما ليس لهم بينما كان العرب يرفضون إقامة دولة يهودية وتواجد كيان يهودي على أرض فلسطين.

فقد جاء في أحد تقارير برنادوت إلى الأمين العام للمنظمة الدولية: “إن الوفد اليهودي متمسك بقرار التقسيم ويعمل على استمرارية إقامة مؤسسات “الدولة اليهودية” بحماس وسرعة ويسعى لفتح ابواب الهجرة على مصراعيها …إن اليهود على استعداد على ما يبدو للدفاع عن هذه المطالب” بالقتال العسكري في أي وقت ..

” أما الوفود العربية فهي تعارض بالإجماع قرار التقسيم وترفض إقامة دولة يهودية وتواجد كيان يهودي مستقل على أرض فلسطين العربية، وهي لذلك ستذهب للحرب دفاعا عن أراضيها ومواطنيها” (مهدي عبد الهادي، مصدر سابق).

ويمكنني هنا أن ألفت انتباه القارئ إلى إن عملية التهويد كانت مستمرة وبرعاية بريطانيا والأمم المتحدة، وأن إرسال اللجان والبحث مع الأطراف عن حلول وتقديم المقترحات ما كان سوى للتعمية وتضييع الوقت. كان هذا من زمان ولا زال حتى يومنا هذا، كان لتقطيع الوقت وخلق فرص للتقدم بالمشروع الصهيوني خطوة أخرى إلى الأمام على الأرض، مستفيدين من عجز النظام العربي الرسمي وتواطئه، وتواضع المقاومة الفلسطينية إلى ما دون الردع.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.