فلسطين: حين تقتل “الثورة” الوطن، رازي نابلسي

الجميع شريك في السُلطة الذاتيّة: الائتلاف المكوّن من “فتح” و”حماس”، كُل في بقعته الجغرافيّة وطريقة حكمه، فصائل المُعارضة اليساريّة بالأداء الذي تقّدمه، النخب الفكرية والسياسية، رؤوس الأموال والبنوك، وصولاً إلى المؤسسات الحقوقية.. ما يؤسّس لبنية دولة مُتكاملة موجّهة نحو الداخل، وبالوقت ذاته خاضعة لسيطرة الاحتلال.

لا جماعة دون مخيّلة. تتشكّل الجماعة وتستند إلى إرث ثقافي واجتماعي تاريخي، وتشكّل هذه هويّة جامعة ومُحرِّكة. وعندما يُسلب الوطن المادّي، يعيش الوطن كفكرة معنويّة في قلب الصراع لاستعادته. لا يبقى من الوطن غير صورته المتخيّلة، هذه التي تتركّب من الذاكرة ودروس الماضي الكئيب، فتنسجم بالأماني وتصوّر المستقبل المنشود. بناءً على هذه الصورة، يتحرّك الإنسان إلى تحقيق المنشود، وتتحوّل هذه المخيّلة إلى خارطة الطريق في النضال.

هكذا أيضاً تشكّلت الهويّة الفلسطينيّة. صورة الوطن المسلوب في المخيّلة والثقافة تتحوّل محركاً للقتال والثورة من أجل استعادة السيادة والسيطرة على المورد، ومن أجل رسم مستقبل أفضل. هكذا تكوّنت الوطنيّة الفلسطينيّة كهويّة وطنيّة تحرّرية. ومن هذا الإرث الجماعي أيضاً، يستمد الفلسطيني كيانه كشعب وجماعة لها حقوق وهويّة جماعيّة ومصيراً مشتركاً. إلّا أن هذه الصورة تحطّمت فعلياً على صخرة الهيمنة. وباتت الضحيّة تهرب من صورة كانت، حتّى زمن قريب، حلمها التي تركض خلفه بشغف ودم. وعوامل المخيّلة هذه أصبحت هي ذاتها التي تستغلّها السلطة الفلسطينيّة لتتأسس كسلطة إدارة ذاتيّة في الواقع السياسي الذي نعيشه.

حين تتجسّد الصورة

كُل ما يعيشه الفلسطيني اليوم، في ظل السلطة الفلسطينيّة، ناتج عن مجموعة من الاستثمارات السياسيّة للنضال الشعبي والوطني العادل الذي خاضه ودفع ثمنه الشعب الفلسطيني. لكن هذا المنتوج بعيد كل البعد عن شكل الطموحات التي عاشت في مخيّلة الفلسطينيّين. إذ أن الشعب قاتل فعلاً في الانتفاضة الأولى مثلاً، وشاركت فئات واسعة جداً في هذه المقاومة الشعبيّة. أمّا القيادة فاستثمرت هذا النضال لتحصل في النهاية على اعتراف إسرائيلي بأنّها “تمثّل الشعب الفلسطيني” واعترفت هي بالمقابل “بحق إسرائيل في الوجود”. ومن هذا المنطق، فإن ما قاد إلى الحاضر الفلسطيني، ليس الثورة الفلسطينيّة كما تدّعي “فتح” أو “منظّمة التحرير”، إنّما كيفيّة استثمار “فتح” ومنظّمة التحرير لهذه الثورة بكُل ما تحويه من ثقافة وتاريخ وإرث وتضحيات ودماء.

يتداخل هنا سقف الطموح الذي عاش في الوعي الشعبي والمُخيّلة الشعبيّة وخطّته الأغاني والأشعار والشعارات، مع سقف الطموح الذي كانت القيادة الفلسطينيّة تتخيّله وتسعى إليه: ففي الوقت الذي رفع الشعب شعار “لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة” كان أقصى طموح القيادة التي استثمرت الانتفاضة هو الاعتراف بها كممثّل للشعب الفلسطيني، والعودة من تونس بعد الهزيمة العسكريّة في لبنان. قال المستشار القضائي الإسرائيلي في فترة توقيع اتفاقيّة “أوسلو” خلال مقابلة أجراها مع صحيفة “هآرتس” لمناسبة مرور 25 عاماً على توقيع الاتفاقيّة، أن “القيادة الفلسطينيّة لم توافق على التوقيع إلّا بعد أن وعدناها بالعودة، واعترفنا بها كممثّل للشعب الفلسطيني”. الواقع السياسيّ الذي نعيشه هو منتوج يلائم سقف القيادة والفصائل، ويختزل الطموح الشعبي التحرّري بإنجاز “السلطة” التي تحتكر التمثيل السياسي وجاهزة لدفع جميع الأثمان مقابل الحفاظ على هيمنتها السياسيّة.

تشكّل الحكم الذاتي

لم تتغيّر الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بعد تأسيس السلطة الوطنيّة من حيث الأسماء والأوصاف. بقيت الأحزاب والفصائل والمنظّمات هي ذاتها في الظاهر. وبدأت هذه الهياكل التنظيميّة التي قاتلت وصاغت بنشاطها الوطن المتخيَّل في لبنان والأردن وسوريا ولاحقاً تونس وبعدها الانتفاضة الثانية من قلب الداخل – وعبر الكفاح والأدب والفكر- تتحوّل إلى أحزاب سُلطة دون أن تُحافظ على جوهرها النضالي، أو دون أن تبدّل مسمّياتها لتلائم نهجها الجديد. هكذا أيضاً تحوّلت الأحزاب اليساريّة التي كانت تُقاتل ضمن منظّمة التحرير إلى مُعارضة، وتحوّلت “فتح” إلى حزب حاكم. وبالمقابل، بقيت فصائل الإسلام السياسي – “الجهاد الإسلامي” و”حماس” – خارج منظّمة التحرير كما كانت، ودخلت في صراع مع الحزب المهيمن، “فتح”، وصل ذروته في خلق نظامين سياسيين فلسطينيين بدلاً من نظام سياسي واحد: الأول تقوده “فتح” في الضفّة، والثاني في غزّة وتقوده “حماس”. أمّا فصائل المعارضة اليساريّة، فبقيت فصائل معارضة داخل النظامين السياسيين، معارضة واحدة لنظامين سياسيين منفصلين كلياً تقريباً من حيث السياسة والبنية والإدارة والإستراتيجيّة.. إن وُجدت الأخيرة أصلاً.

هكذا أصبحنا أمام نموذج حكم ذاتي فلسطيني داخلي تُصر السُلطة وغيرها على تسميته “دولة”. أما ما يزيد الأمر كارثيّة فهو تصوّر قيادات منظّمة التحرير للسلطة الفلسطينيّة بأنّها إنجازاً مُطابقاً للطموح النضالي والمخيّلة الجماعيّة التي ناضل الفلسطينيّون لأجلها عقوداً مع كل التضحيات. الجميع شريك في هذا النوع من السُلطة الذاتيّة: الائتلاف المكوّن من “فتح” و-“حماس”، كُل في بقعته الجغرافيّة وطريقة حكمه؛ فصائل المُعارضة اليساريّة والأداء الذي تقّدمه؛ النخب الفكريّة والسياسيّة؛ رؤوس الأموال والبنوك وصولًا إلى المؤسسات الحقوقيّة. وهو ما يؤسّس عملياً لبنية دولة كاملة مُتكاملة موجّهة نحو الداخل، ولكنّها بالوقت ذاته خاضعة لسيطرة الاحتلال.

السلطة دون سلطة؟

وعلى الرغم من انطلاق الكثيرين من مقولة أننا أمام “سُلطة دون سُلطة” كما وصفها الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس خلال خطابه الأخير في الأمم المتحدة، إلّا أنّها في الحقيقة سُلطة فعليّة تجاه الفلسطيني الذي يُعاني منها في الداخل، وتجاه الفلسطيني الذي ينظر إليها من الخارج. فالرئيس حين يقول أنّها “سُلطة بلا سُلطة”، يقصد أن السلطة معدومة أمام إسرائيل. أمّا سُلطته على الشعب ذاته فإنّه يعرف جيداً أنّها موجودة وتتعزّز كُل يوم، ولولا ذلك لما طلب من الحرس الرئاسي أن يتحرّك لقمع مسيرات في رام الله تُطالب برفع العقوبات عن قطاع غزّة المُحاصر.

قال عبّاس في أحد اجتماعاته: “لقد وضعنا برنامجاً متكاملاً وحقّقناه، ولم يتبق منه سوى الخطوة الأخيرة وهي إنهاء الاحتلال”، طبعاً على اعتبار أن هذه الخطوة هامشيّة! وهو يقول عملياً، حقّقنا جميع أهدافنا في بناء مؤسسات الدولة الموجّهة إلى الداخل فقط. ومن دون الخوض في مدى السلطة الفعليّة للسلطة الفلسطينيّة، فهي بالنسبة للفرد والمجتمع الفلسطينيين سُلطة بكل معنى الكلمة: تتحكّم بالشارع لتفرض النظام كما تفهمه، تُخالف المرور، توظّف في الوزارات والشرطة، تملك سفارات في مختلف دول العالم يستطيع الفلسطيني التوجّه إليها، تمثّل فلسطين في العالم، تملك نظاماً تعليميّاً.. والأهم، تملك نظاماً سياسياً رئاسياً.

هذه هي السلطة الذاتيّة القائمة، والتي تنتج نظاماً فيه موازنة الأمن الداخليّ والشرطة تصل إلى 27 بالمئة من الموازنة العامّة، نظاماً تمّت في ظله تصفية جسديّة لـ7 محتجزين في سجون السُلطة خلال العام 2015 فقط، نظاماً يقتل المناضل داخل سفارته كما حصل مع الأسير السابق عمر النايف، ويكشف فيه صحافيّون (كما فعل الصحافيّ أحمد بيقاوي) عن العلاقة بين السفارة في بلغاريا وعصابات المافيا وتهريب البشر. كذلك فيه نظام تتعطّل فيه الهيئة التشريعيّة منذ أكثر من 10 أعوام. أمّا بخصوص السُلطة ذاتها، فإن الولاءات والواسطة والمحسوبيّة تشكّل الناظم الأساسي لعمل السُلطة والتوظيف، التي كان آخر ما نُشر عنها تعيين ابنة قاضي القضاة، محمود الهبّاش، بدرجة مدير في مكتب والدها. هذا طبعاً، بالإضافة إلى القمع والسحل والقتل في الشوارع دون محكمة ودون محاكمة ودون محامٍ، حيث يُضرب الناشط في الشارع ويُفرج عنه حين تكتفي أجهزة السُلطة من ضربه إن لم يمت تحت الضرب. وهذا كلّه، يعيش على إرث مشروع كان هدفه التحرّر من الاستعمار والرجعيّة العربيّة، أو كما يصفه فيصل درّاج إنّه “نقض جذري للعطالة السياسية العربية الرسمية”.

“لماذا يقاتل الفلسطينيّ؟”

لم يكن السؤال حول جدوى النضال هاجساً فلسطينياً في يوم من الأيّام كما هو اليوم. فقد كانت الإجابة عنه فطريّة داخل درج الإجابات المفهومة ضمناً. ولكنّه يُطرح اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، ضمن أي محاججة سياسيّة في البحث عن إعادة إحياء الحالة النضاليّة في فلسطين. وقد بات السؤال الاستنكاريّ: “لأجل من ولماذا نضحّي؟” سؤالاً شائعاً. ولا تفسير لهذا السؤال إلا ما تمثّله السلطة: المواكب الفارهة التي كان ثمنها كواكب من الشهداء، تشوّه صورة الوطن في مخيّلة الناس.. النهوض بعد سلب الوطن مادياً أسهل بكثير من النهوض بعد سلب صورة الوطن معنوياً وتشويهاً. لا تستطيع النخب السياسية الفلسطينية القطع مع الماضي لكونه مصدر شرعيّتها، ولا تستطيع السُلطة اليوم – ولم تستطع سابقاً – أن تقطع علاقتها مع الماضي الثوري، رغم الاختلاف الجوهري عنه. فالماضي يشكّل الإرث الذي تستمد منه السُلطة شرعيّتها ومبرّر وجودها. وعلى الرغم من أن العلاقة بين واقع السُلطة وماضيها هو تنافر أيديولوجي وسياسي ومعرفي، إلّا أن التنازل عن هذا الماضي هو تنازل عن مبرّر وجودي بالنسبة إلى السُلطة وعلاقتها بالقاعدة الشعبيّة. هكذا، ومع مرور الوقت، تبقى السلطة تربط الماضي الرومانسي بالحاضر الكئيب، وذلك بصورة يصبح فيها الماضي الوطني التحرّري طريق إلى الحاضر الخانع المفكّك.

باحث من فلسطين

:::::

“السفير”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.