تونس في ذَيْل أوروبا، من خلال محتوى علاقات الشراكة، الطاهر المعز

تقديم:

تعتبر علاقات تونس مع الإتحاد الأوروبي من نفس طبيعة العلاقات مع فرنسا، القوة المُسْتَعْمِرة (من 1881 إلى 1956) والتي تواصلت في شكل هيمنة امبريالية اقتصادية، وتتم 63% من مبادلات التجارة الخارجية التونسية مع الإتحاد الأوروبي الذي يستقبل حوالي 75% من صادرات تونس، ولا تتعدى هذه الصّادرات المواد الأولية والمنسوجات وبعض الإنتاج الفلاحي، وتتجه بالأخص إلى أربع دول فقط من إجمالي 28 دولة (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا)، وتستورد تونس كافة التّجهيزات والمواد المُصَنّعَة وجزءًا من المواد الغذائية من الإتحاد الأوروبي الذي يُعتبر الشريك التجاري والإقتصادي الأول، وتعمقت التّبَعِيّة، وزادت معها العلاقات غير المتكافئة بمرور الزمن، وبتطوّر مضمون الإتفاقيات المُشْترَكة، المُسَمّاة “علاقات شراكة” تُضاف لها صفات أُخْرى، مثل “شاملة” أو “مُمَيِّزَة”، وتتوافق هذه الإتفاقيات مع قواعد النّظام الرأسمالي العالمي، الذي انطلق من أوروبا (وليس من تونس أو المغرب أو مصر) وتطوّر نمط الإنتاج الرأسمالي في أوروبا كذلك (قبل الإنتقال إلى أمريكا) من مرحلة الثورة الصناعية والتصنيع الأول ( manufactory ) إلى عصر الإحتكارات والإمبريالية، ولن يَحِيد هدف علاقات “الشّراكة” عن جوهر الرأسمالية وعن أهداف الهيمنة، وعن نهب الثّروات.       

ينشر الإتحاد الأوروبي تقارير دَوْرِية عن “فضائل” علاقات “الشّراكة” مع تونس (مثل غيرها من البلدان) بهدف تعديد “مَكْرُماته” و”مِنَحِهِ” و”مُساعداته”، وهي تقارير ذات مضمون سياسي وعَقائدي، وادّعَى في أحد تَقارِيرِه إن الشعب التونسي أصْبَح يَنْعَم منذ “ثورة” 2011 “بمزيد من الديمقرطية والحرية والعدالة الإجتماعية” (تقرير بعنوان “العلاقات بين الإتحاد الأوروبي وتونس” – بروكسل، بتاريخ 29/11/2016)، مما يوحي وُجُود ذلك قبل 2011، مع زيادة جرعة الديمقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية، بفضل تحالف الإخوان المسلمين مع الدّساترة، بعد 2011، وبفضل “المَكْرُمات والمِنَح والمُساعدات” الأوروبية…

نبذة تاريخية:

أبرمت حكومة تونس سنة 1969 أول اتفاق تجاري مع “المجموعة الإقتصادية الأوروبية” (التي توسّعت، إلى أن أصبحت تُسَمّى “الإتحاد الأوروبي”، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي)، ثم أبرمت “اتفاق تعاون” سنة 1976، لكن يعود تاريخ علاقات الهيمنة بشكلها الحالي (علاقات “الشّراكة”)، إلى صيف 1995، تحت مُسَمّى “اتفاق الشراكة الأورومتوسطية”، أو ما سمي “مسار برشلونة”، وهو اللبنة الأولى لما تلاها من اتفاقيات مع دول المغرب العربي ومصر ثم الأردن ولبنان، إلى غاية إنشاء منطقة للتبادل الحُر بين تونس والإتحاد الأوروبي، صيف 2015، وكانت أوروبا تُفَّضّل أن تتحد بلدان المغرب العربي في شكل فيدرالي، لتسهيل التّفاوض مع طرف واحد، بدل أربعة أطراف، ولكي تتوسّع السوق لاستهلاك فائض الإنتاج الأوروبي، إلى نحو مائة مليون نسمة، واشترطت ما تُسَمِّيه “إصلاحات”، وهي نُسخة طِبْق الأصل من اشتراطات صندوق النّقد الدّولي، وبينما وضعت الجزائر والمغرب شروطًا لحماية النسيج الإقتصادي، وخصوصًا قطاع الفلاحة في المغرب، كانت حكومة تونس أول الموقّعِين على اتفاق شراكة يُجَسِّم الهيمنة الإمبريالية الأوروبية بشكل جَلِي، وحصلت تونس على صفة “الشّريك المُميّز” في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2012، ثم نشأت منطقة للتبادل الحُر بين تونس والإتحاد الأوروبي، بعد عشرين سنة من معاينة الآثار السلبية لهذه العلاقات غير المُتكافِئة، في مُنتصف تشرين الأول/اكتوبر 2015، وانطلقت المفاوضات بخصوص مشروع “اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق”، أو ما عُرف اختصارًا للأحرف الأولى “أليكا” ( aleca ) بتونس في الثالث عشر من تشرين الأول/اكثوبر 2015، ووقع التّمْهيد له بتوقيع اتفاقيات سياسية وأمنية، تحت ذرائع وعناوين مختلفة، ومن بينها “مكافحة الإرهاب” و”مراقبة الحدود”، لمنع فُقراء إفريقيا (والمغرب العربي من ضمنها) من الهجرة واللجوء إلى أوروبا، والمُساهمة في تفتيت ليبيا وسوريا ودول “السّاحل” (الواقعة في مُحيط الصّحراء الكُبْرى)، وتحويل تونس (وبلدان المغرب العربي) إلى مُعْتَقل للفُقراء الذين تُرَحِّلُهُم أوروبا من أراضيها، وهذه مُجَرّد مُؤشِّرات لمضمون هذا الإتفاق “الشّامل والمُعَمّق”، الذي يُعَرِّفُهُ الإتحاد الأوروبي بوصْفِهِ “أداة اندماج للاقتصاد التونسي في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي”، لكن ذلك يتطلّب تحقيق شروط مشابهة لشروط صندوق النقد الدولي، ومن بينها إلغاء الرسوم الجمركية على السلع والخدمات الأوروبية، ومطابقة السّلع والخدمات التونسية للشروط الأوروبية، لتشمل الإتفاقية قطاع الفلاحة ومجال إنتاج الغذاء، وقطاع الصيد البحري، وجميع المجالات التي ترمز إلى الأمن الغذائي، وإلى استقلالية القرار السياسي، واتسعت مجالات الإتفاقية، لتشمَل الإستثمار والخدمات وقطاع التجارة الداخلية (تجارة التّجْزِئَة)، والطاقة، وحقوق الملكية الفكرية (بما في ذلك البُذُور ومعالجة النباتات ) وتندرج الصفقات العمومية (أو العطاءات)، ضمن قطاع الخدمات الذي تشمله الإتفاقية، وكذلك قطاعات الصّحّة والمؤسسات المالية (المصارف والتأمين والإدّخار ومختلف الصّناديق…)، ويعني ذلك منافسة الشركات الأوروبية، متعددة الجنسية، للشركات والمُؤسّسات التّونسية في السوق الداخلية التونسية، في قطاعات استراتيجية، لا يتحقَّقُ نُمُوّ أي بلد، دون السيطرة عليها (الفلاحة والصناعات الغذائية والطاقة والمناجم والقطاع المالي والصفقات العمومية…).

أظهرت التجربة، إن “علاقات الشراكة” منذ 1995 “سَمحت” بدخول الإنتاج الصناعي التونسي إلى أوروبا بدون رسوم جمركية، ولكن تونس لا تَصْنَعُ شيئًا، وإن صنعت أشياء، فيجب أن تستجيب في صناعتها “للمعايِير الأوروبية”، وأدّى تطبيق “المُواصفات الأوروبية” على المصانع التونسية وإنتاجها إلى خسارة نحو 55% من النّسيج الصناعي التونسي، خلال عقد واحد، وتسريح ما لا يقل عن 350 ألف عامل وعاملة، خاصة في قطاعات النّسيج والإلكترونيك والمواد الكيماوية وغيرها، وفق بيانات المصرف المركزي التونسي…

نموذج التّبعية والتّبادل غير المتكافئ:

يبدو في الظاهر إن المنتوجات التونسية (أو المغربية أو غيرها) ستتمكن من النّفاذ إلى سوق أوروبية واسعة، يحصل مواطنوها (حوالي 500 مليون نسمة) على دَخْلٍ أعلى من مواطني المغرب العربي والبلدان العربية، ولكن وكلما تطورت علاقات الشراكة، كُلّما أمعنت أوروبا في إقصاء إنتاج المغرب العربي، لصالح صادرات الكيان الصهيوني وغيره، وخصوصًا الإنتاج الزراعي والمنسوجات والملابس والنباتات والزهور، وغيرها، وتتذرع أوروبا برفض الإنتاج المغاربي لعدم تطابُقِهِ مع المَعايير الأوروبية، التي تتطلب قُرُوضًا أوروبية وخُبراء أوروبيين وشركات أوروبية لتتوفّر هذه المعايير في المصانع التونسية، وهي معايير لا يتماشى بعضها مع عادات الإستهلاك في السوق الدّاخلية.

من جهة أخرى تُواصل أوروبا توريد المواد الخام من المغرب العربي، ولم تُساعد اتفاقيات الشراكة على تطوير النسيج الصناعي بل حَطّمَتْهُ كما أسلفنا، وعندما أُصِيبَت زياتين إيطاليا وإسبانيا بمرض خطير، منذ 2015، كثّفت الشركات الأوروبية من شراء الزيت التونسي الخام، وكذلك الزيتون غير المُخَلّل، وتعليب الزّيت وتخْلِيل الزيتون في إيطاليا وإسبانيا لإضافة قيمة زائدة، وبيعه في السوق الأوروبية وفي العالم كإنتاج إسباني أو إيطالي بأضعاف ثمنه، مع الحصول على الدّعم الفلاحي الأوروبي، وإعفائه من الرّسُوم الجمركية، كما يبيع الكيان الصهيوني زيتونًا يشتريه من الأردن بثمن رخيص، ثم يقوم بتخليله وتعليبه وبيعه بأسعار مُضاعَفَة كإنتاج صهيوني، في أوروبا، بدون رسوم، مما يجعله ينافس إنتاج المغرب العربي، وأدّت علاقات الشراكة مع الإتحاد الأوروبي إلى أزمة خطيرة في القطاع الفلاحي، وخصوصًا إنتاج الحليب  في المغرب وتونس، واضطر منتجو الحليب في تونس سنة 2017 إلى سَكْبِ إنتاجهم في الفضاء العام بسبب انخفاض الأسعار، وإفلاس العديد منهم، مما أسفر عن انخفاض الإنتاج سنة 2018، واستيراد الحليب من إيطاليا ومن بلجيكا، بالعملة الأجنبية، وبثمن مُرْتَفِع، مما يُهدد الأمن الغذائي، مع هَدْر احتياطيات العملة الأجنبية، أما أوروبا فإنها تستورد التُّمور من المستوطنات الصهيونية بدون أي رُسُوم (أي تمويل استعمار فلسطين بشكل مُلْتَفّ)، لأن الكيان الصهيوني يتمتع بكافة الإمتيازات الأوروبية، دون تحمّل “المساوئ”، ودون تسديد أي مُساهمات في ميزانية الإتحاد، ولذلك تُباع تُمُور المُسْتوطنات، والتّمور التي يشتريها من الأردن بأسعار رخيصة، وهي تُمُور ذات جودة متواضعة جدًّا، وتباع بكميات تتجاوز بكثير التمور التونسية والجزائرية، ذات الجودة العالية، وأدّى اقتصار الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، بدل البحث المُشترك لبلدان المغرب العربي أو البلدان العربية مجتمعة، عن سُبُل تنويع وتوسيع هذه الشّراكات، والعلاقات الإقتصادية، إلى هيمنة أوروبا على ثروات واقتصاد الضفة الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط، و”احتجاز النّمُو” (العبارة للرفيق “عادل سمارة” من رام الله)، عبر الشّروط المُجْحِفَة تحت عنوان تطبيق “المعايير الأوروبية”، وبذلك فَقَدَ الإقتصاد التونسي (وكذلك المَغْرِبي أو غيره) قدراته الإنتاجية، بدل اكتساب خبرات جديدة، بسبب عدم التّكافُؤ بين اقتصاد أوروبا وتونس، لتتحول علاقات الشراكة إلى تكثيف للعلاقات غير المُتكافئة التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، وأدّت إلى الإستعمار ثم الإستعمار الجديد (الهيمنة الإمبريالية)، وإلى ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والدُّيُون، وكلما تطورت علاقات الشراكة، فقدت تونس بعضًا مما تبقّى من سيادة الدّولة، وفَقَد المواطنون بَعْضًا من الحقُوق الإقتصادية والإجتماعية…

 هل من بدائل؟

تَطْرَح بعض المنظمات “غير الحكومية” المُمَوّلة أوروبيا، تنظيم استفتاء حول مشروع “اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق” (أليكا)، ونظمت مؤسسة “رواز لكسمبورغ” (إسم على غير مُسَمّى)، وهي مؤسسة تُموّلها الدولة الألمانية (مثل كافة المؤسسات والمنظمات “غير الحكومية” الألمانية) ويُشرف على إدارتها ائتلاف “دي لينك”، المَحْسُوب على “اليسار”، ندوة في أحد الفنادق الفاخرة في تونس، لا نعرف مبلغ فاتورة هذه الندوة، لطرح مسألة الإستفتاء، فيما تطرح بعض المنظمات التونسية وغير التونسية الأخرى، بدائل شكلية جدًّا ولا علاقة لها بجوهر المَسْألة، من قَبِيل، اختيار عناصر الفريق المُفاوض بدِقّة، وتغيِير منهجية التفاوض، وغير ذلك من المسائل التي تُذَكِّرنا بالنقاش البيزنطي حول عدم كفاءة الفريق الفلسطيني المُفاوض في مدريد أو أوسلو، بدل طرح سؤال: “ما الهدف من التّفاوض؟” أو “ما هو الهامش الذي تسْمَحُ به عملية التّفاوض” في حد ذاتها، وهل يمكن الحصول على السيادة الوطنية بالتفاوض، دون سند من حركة شعبية واجتماعية قوية…

أظهرت تجربة العلاقات مع الإتحاد الأوروبي، بصيغتها الحالية، إنها علاقات غير متكافئة، وتستهدف السيادة الوطنية، ونهْبَ ثروات البلاد، بأقل التّكاليف المُمْكِنة، وتُشكل هذه العلاقات خَطَرًا على سكان البلاد وعلى الثروات التي خلقها العمال والفلاحون والحِرَفِيُّون بجُهودهم، وركّزت أوروبا على فتح الأسواق ومحاربة الهجرة غير النظامية وإلغاء الرسوم الجمركية على دخول السلع الأوروبية إلى تونس، مما يُشَكّل خطرًا على اقتصاد تونس، وأصبحت الشرطة والجيش والمخابرات التونسية فَرْعًا للإستخبارات الأوروبية، من أجل حماية حدود أوروبا من “غَزْو مواطني إفريقيا والضّفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط”، وهي قِمّة العمالة، لأن الأمن التونسي يحمي أوروبا من المواطنين التونسيين الذي جعلتهم اتفاقيات الشراكة عاطلين عن العمل…

لا يمكن أن تتواصل هذه العلاقات بهذا الشكل، لأن كل خطوة تُؤدّي إلى خطوات أخرى أخْطر منها، ووجبت المطالبة بالخروج منها، مع اقتصار النقاش على الطريقة وعلى التفاصيل: هل يجب الخروج تدريجيا أو مرة واحدة، حالاًّ أو خلال فترة زمنية، والمطالبة بوضع حد لهيمنة الفرنكفونية في المغرب العربي، ومعاملة مواطني أوروبا بمثل ما تُعامل أوروبا مواطني المغرب العربي، عند الدخول إليها وشروط الإقامة والعمل، ومعاملة الشركات الأوروبية بشكل يضمن سيادة البلاد على ثرواتها واقتصادها ونسيجها الإقتصادي والإجتماعي، مع التّعويل على قُوى الإنتاج المحلية وعلى الإقتراض الدّاخلي، وعلى الإبداع الفكري والعَمَلِي للمواطنين المحلِّيِّين والعرب، قبل البحث عن “نقل التكنولوجيا” من أوروبا، والتكنولوجيا لا تُنْقَلُ أبدًا، إذا انعدمت مؤسسات البحث العلمي والتطبيقي (وتُمثل كوبا نموذجًا لما يتوجب القيام به في مجال الطب والصيدلة والبحث العلمي ومقاومة الكوارث…)، ووجب الإستفادة من تجارب الشعوب، ومن التّجارب المحلية، ومن تجارب الجيران في عدد من المجالات، ومتابعة نتائج البحوث وإدماجها ضمن الإهتمامات الإستراتيجية للدولة، وضمن برامج قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، من أجل حل مشاكل البطالة، والإكتفاء الذاتي الغذائي وتوفير الحاجيات الأساسية للمواطنين، مع إنْصاف مُنْتِجِي الثروات المادّية والفكْرِية…

خاتمة:

اعتبرت بعض القوى السياسية والنقابية إن اتفاقية “أليكا” تُشكل استعمارًا اقتصاديًّا وسياسيا أيضًا، لأن القرارات الإقتصادية تندرج دائمًا ضمن برنامج سياسي وضمن ميزانية الدولة، وضمن قرارات سياسية سيادِيّة، وتُشَكّل تقويضًا للسيادة على الموارد وعلى التشريعات والحدود، وعلى الأمن الداخلي (مكافحة الهجرة نيابة عن أوروبا)، وتشكل هيمنة أجنبية على قطاعات حيوية، من بينها الفلاحة والقطاع المَصْرِفي والصناعة والطاقة والصّحة، من جهة أخرى أظهر قادة حزب الدّستور (بأسمائه المُتَعَدِّدَة)، منذ 1956 إلى الآن، إنهم يُفرِّطون بسهولة في الثروات والسيادة الوطنية، بل تتمثل وظيفتهم في رَهْن البلاد وثرواتها وأراضيها وسُكّانها، ويُشكّل رئيس الحكومة الحالي، المدْعوم من الإخوان المسلمين، نموذجًا للموظف المحلي (autochtone أو  autoch) لدى القوى الإمبريالية، فهو موظف سابق (وربما لا يزال) لدى الإدارة الأمريكية، وهو صاحب بحث – طلبته السفارة الأمريكية بتونس سنة 2003 (حيث كان موظفا لديها) – يدعو إلى خصخصة قطاع الفلاحة، وبيع الأراضي الزراعية للشركات والأفراد الأجانب، وهو ما لم يتجرّأ بورقيبة على فِعْلِهِ، لذلك فهو (وداعموه من الدّساترة والإخوان المسلمين) جزء من المشكلة، وليس جزءًا من الحل، ولا يجب التّفريق بينهم (هو وحكومته وداعموها) وبين القوى الأجنبية التي تُهَيْمِنُ على البلاد اقتصاديا وسياسيا، وتدل كافة المؤشرات إن التوقيع على مشروع اتفاقية “التبادل الحر الشامل و المعمّق” (أليكا) سوف يجعل من البلاد محمِيّة أوروبية (بمفهوم “الحماية” الإستعمارية، أو “الإنتداب”)، خُصُوصًا وإن المفاوضات تتم بين “خُبراء” بشكل سِرِّي، وفق اتحاد الفلاحة في تونس، الذي اعتبر إن مشاكل الفلاح التونسي مختلفة تمامًا عن مشاغل الإتحاد الأوروبي، ففي تونس يُعاني المُزارعون من شُح المياه، ومن ارتفاع أسعار العلف وسعر البنزين ومن انخفاض حجم الدعم الذي ستقدّمه الدولة، مع الإفتقار الشّديد للتكنولوجيا الفلاحية وضعف البحث العلمي والأبحاث الفلاحية، ولذلك “لا يُمكن للفلاحة التونسية مواجهة القوة الفلاحية العُظمى لأوروبا”، ويعتبر اتحاد الفلاحين هذه الإتفاقية مُهَدِّدَة للأمن الغذائي (غير المتوفر لحد الآن)، كما اعتبرت نقابة الأُجَراء (الاتحاد العام التونسي للشغل) “إن دخول تونس في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق بشكلها الحالي مرفوض”، لأنها تُقَوِّضُ القطاع العام (حيث نسبة الإنتماء للنقابة مرتفعة)، وتضمن حرية تنقّل الأشخاص، من جانب وحيد (من أوروبا نحو تونس)، ولا تمكِّن من تنقّل التكنولوجيا، كما لا تُمَكِّنُ من الإعتراف المتبادل بالشهائد العلمية… ويلوم اتحاد نقابات الأجراء الدولة على عدم نشر أي تقْيِيم لمختلف الإتفاقيات منذ 1995.

إن الإتحاد الأوروبي تَجَمّع رأسمالي امبريالي، له تجربة استعمارية طويلة، وهو ليس منظمة إنسانية، بل يبحث عن مصالح الشركات والمصارف والصناعات الحربية، لأنها (هذه الشركات) مَكّنت الحُكام الأوروبيين من الوصول إلى مناصبهم، بدعم من وسائل الإعلام التي تملكها نفس هذه الشركات، ويُحاول الإتحاد الأوروبي التّوسع في مُحيطه، بعد انتهاء الهيمنة على أوروبا الشرقية، ليُشكل قُوّةً يمكنها منافسة الولايات المتحدة أو الصين… فَمْن سيحْمي مصالِحنا غيرنا؟    

________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.